منتدى دعوة الحق  

العودة   منتدى دعوة الحق > منهاج المسلم > العقيدة > التوحيد أولا

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 11-27-2018, 10:35 PM
الصورة الرمزية غربة التوحيد
غربة التوحيد غربة التوحيد غير متواجد حالياً
مشرف عام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2014
الدولة: دار الفناء
المشاركات: 222
افتراضي فضل التوحيد

فضل التوحيد

قال الله تعالى : ( الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) الأنعام :82
قوله: (الَّذِينَ آمَنُواْ) : الذين أخلصوا العبادة لله وحده ولم يشركوا به شيئاً . قوله (وَلَمْ يَلْبِسُواْ ) أي: يخلطوا .
قوله (بِظُلْمٍ) الظلم هنا ما يقابل الإيمان ، وهو الشرك.
فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : لما نزلت هذه الآية شق ذلك على الصحابة ، وقالوا : أينا لم يظلم نفسه ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ليس الأمر كما تظنون ، إنما المراد به الشرك ، ألم تسمعوا إلى قول الرجل الصالح – يعني لقمان - : ( إن الشرك لظلمٌ عظيم) " (متفق عليه)

والظلم أنواع :
1- أظلم الظلم ، وهو الشرك في حق الله .
2- ظلم الإنسان نفسه ؛ فلا يعطيها حقها ، مثل أن يصوم فلا يفطر ، ويقوم فلا ينام .
3- ظلم الإنسان غيره ، مثل أن يتعدى على شخص بالضرب ، أو القتل ، أو أخذ مال ، أو ما أشبه ذلك .
قوله (الأَمْنُ) ، أل فيها للجنس ، فالأمن إما أمن مطلق ، وإما مطلق أمن حسب الظلم الذي تلبس به .
وإذا انتفى الظلم ، حصل الأمن ، لكن هل هو أمنٌ كامل ؟
الجواب : أنه إن كان الإيمان كاملاً لم يخالطه معصيةٌ ؛ فالأمن أمنٌ مطلق ، أي كامل ، وإذا كان الإيمان مطلق إيمانٍ - غير كامل - ؛ فله مطلق الأمن ؛ أي : أمن ناقص .
مثال ذلك : مرتكب الكبيرة ، أمِنَ من الخلود في النار ، وغير آمن من العذاب ، بل هو تحت المشيئة ، قال الله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء: 116].

فالأمن ينقسم إلى قسمين :
1- الأمن المطلق : وهو من مات على التوحيد ولم يصر على الكبائر فهذا له أمن كامل .
2-الأمن المقيد ( غير الكامل ): وهو من مات على التوحيد مع الإصرار على الكبائر فله الأمن من الخلود في النار .
قوله (وَهُم مُّهْتَدُونَ) أي: في الدنيا إلى شرع الله بالعلم والعمل .
فهذه الآية الكريمة تدل على فضائل التوحيد وهو استقرار الأمن ،فهي تبين أن من وحد الله ولم يخلط توحيده بشرك أكبر ومات على ذلك فله الأمن التام والاهتداء التام ويأمن مما وعد به المشركون من الخلود في النار وأن من أتى بجنس الشرك وهو الشرك الأصغر والكبائر يفوته من الأمن والاهتداء بحسبه فيكون الأمن من تأبيد العذاب .

وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ (رضي الله عنه) قَالَ: كُنْتُ رِديفَ النبي صلى الله عليه وسلم . عَلَى حِمَارٍ فَقَالَ لي : « يَا مُعَاذُ! أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللّهِ عَلَى الْعِبَادِ وما حقُّ العبادِ عَلَى الله ؟ » قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: « حَقُّ اللّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوه وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً. وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللّهِ أَنْ لاَ يُعَذّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئا » قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ! أَفَلاَ أُبَشّرُ النّاسَ ؟ قَالَ: « لاَ تُبَشّرْهُمْ فَيَتّكِلُوا ». متفق عليه
قوله : " رديف " بمعنى رادف ؛ أي : راكب معه خلفه .
قوله : " ما حق الله على العباد ؟ " أي : ما أوجبه عليهم ، وما يجب أن يعاملوه به ، وألقاه على معاذ بصيغة السؤال ؛ ليكون أشد حضوراً لقلبه حتى يفهم ما يقول رضي الله عنه .
قوله : " وما حق العباد على الله ؟ " أي : ما يجب أن يعاملهم به ، والعباد لم يوجبوا شيئاً ، بل الله أوجبه على نفسه فضلاً منه على عباده . قال تعالى : (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الأنعام: 54) فأوجب سبحانه على نفسه أن يرحم من عمل سوءاً بجهالة ؛ أي: بسفه وعدم حسن تصرف ثم تاب من بعد ذلك وأصلح . ومعنى كتب ؛ أي : أوجب .

قوله : " يعبدوه " أي : يتذللوا له بالطاعة.
قوله : "ولا يشركوا به شيئاً " أي: في عبادته وما يختص به، وشيئاً نكرة في سياق النفي ؛ فتعم كل شيء لا رسولاً ولا ملكاً ولا ولياً ولا غيرهم .
وقوله :"وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً " وهذا الحق تفضل الله به على عباده ، ولم يوجبه عليه أحد ، ولا تظن أن قوله: " من لا يشرك به شيئاً " أنه مجرد عن العبادة ؛ لأن التقدير : من يعبده ولا يشرك به شيئاً ، ولم يذكر قوله: "من يعبده " ؛ لأنه مفهوم من قوله : "وحق العباد " ، ومن كان وصفه العبودية ؛ فلابد أن يكون عابداً.
قوله : " أفلا أبشر الناس " أي : أأسكت فلا أبشر الناس ؟ ، والبشارة: هي الإخبار بما يسر ، وقد تستعمل في الإخبار بما يضر ، ومنه قوله تعالى : (فَبَشِّرهُم بِعَذابٍ أليم) [الانشقاق: 24]، لكن الأكثر الأول .
قوله : " لا تبشرهم " أي : لا تخبرهم ، ولا ناهية.
ومعنى الحديث أن الله لا يخلد في العذاب من لا يشرك به شيئاً ، وأن المعاصي تكون مغفورة بتحقيق التوحيد ، ونهى صلى الله عليه وسلم عن إخبارهم ؛ لئلا يعتمدوا على هذه البشرى دون تحقيق مقتضاها ؛ لأن تحقيق التوحيد يستلزم اجتناب المعاصي . وأن معاذاً أخبر بها تأثماً ، أي خروجاً من إثم الكتمان عند موته بعد أن مات كثيرٌ من الصحابة ؛ وكأنه رضي الله عنه علم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخشى أن يفتتن الناس بها ويتكلوا ، ولم يرد صلى الله عليه وسلم كتمها مطلقاً ؛ لأنه لو أراد ذلك لم يخبر بها معاذاً ولا غيره .

فهذا الحديث يدل على جواز كتمان العلم للمصلحة . وهذا لا يعني جواز كتمان العلم على سبيل الإطلاق لأنه ليس بمصلحة فهو غير جائز ، ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه ويلم معاذاً ولم يكتم ذلك مطلقاً ، وأما كتمان العلم في بعض الأحوال ، أو عن بعض الأشخاص لا على سبيل الإطلاق ؛ فجائزٌ للمصلحة ؛ كما كتم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عن بقية الصحابة خشية أن يتَّكلوا عليه ، وقال لمعاذ : " لا تُبَشّرهم فيتّكلوا ".


عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ شهِدَ أَنّ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ , وَأَنّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ , وَأَنَّ عِيسَىَ عَبْدُ اللّهِ وَرسوله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ، وَالْجَنّةَ حَقّ , وَالنّارَ حَقّ ؛ أَدْخَلَهُ الله الْجَنّةَ على ما كان من العمل » متفق عليه
قوله : " من شهد أن لا اله إلا الله " فمن شهد أي عرف معناها فقالها بلسانه وبقلبه وجوارحه صادقاً مخلصاً تاركاً لجميع أنواع الشرك الأكبر . ويتبين لك خطأ المغرورين الذين أخذوا حديث عبادة على إطلاقه ولم يقيدوه ، قالوا: يكفي أن يقال لا إله إلا الله ولا يشترط الإخلاص والصدق فيها ولا العمل ولا البراءة من الشرك وأهله .
وقوله : "ورسوله " أي: المبعوث بما أوحى إليه، فليس كاذباً على الله.
قوله : "وإن عيسى عبد الله ورسوله "، الكلام فيها كالكلام في شهادة أن محمداً رسول الله ، إلا أننا نؤمن برسالة عيسى ، ولا يلزمنا اتباعه إذا خالفت شريعته شريعتنا.
أما عقيدتنا نحن فيه : فنشهد أنه عبد الله ورسوله ، وأن أمه صديقة ؛ كما أخبر الله تعالى بذلك ، وأنها أحصنت فرجها ، وأنَّها عذراء ، ولكن مثله عند الله كمثل آدم ، خلقه من تراب ثم قال له : كن ؛ فيكون .
وفي قوله : " عبد الله " ، رد على النصارى .
وفي قوله : " ورسوله " ، رد على اليهود .
قوله : " وكلمته ألقاها إلى مريم " ، أطلق الله عليه كلمة ؛ لأنه خلق بالكلمة عليه السلام ؛ فالحديث ليس على ظاهره ؛ إذ عيسى عليه السلام ليس كلمة ؛ لأنه يأكل ، ويشرب ، ويبول ، ويتغوط ، وتجري عليه جميع الأحوال البشرية ، قال الله تعالى : (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [آل عمران: 59].
وعيسى عليه السلام ليس كلمة الله ؛ إذ إن كلام الله وصف قائم به، لا بائن منه ، أما عيسى ؛ فهو ذات بائنة عن الله سبحانه ، يذهب ويجيء ، ويأكل الطعام ويشرب .
قوله : " ألقاها إلى مريم " ، أي : وجَّهها إليها بقوله: (كن فيكون) ؛ كما قال تعالى : ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [آل عمران: 59].
قوله : "وروح منه " ، أي : صار جسده عليه السلام بالكلمة، فنفخت فيه هذه الروح التي هي من الله ؛ أي : خلق من مخلوقاته أضيفت إليه تعالى للتشريف والتكريم .
وعيسى عليه السلام ليس روحاً ، بل جسد ذو روح . قال الله تعالى : ( مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَام ) [المائدة: 75]. فبالكلمة صار جسداً ، وبالروح صار جسداً وروحاً.
قوله : " منه "، هذه هي التي أضلَّت النصارى ، فظنوا أنه جزء من الله ، فضلوا وأضلوا كثيراً ، ولكننا نقول : إن الله قد أعمى بصائركم ؛ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ؛ فمن المعلوم أن عيسى عليه السلام كان يأكل الطعام ، وهذا شيء معروف ، ومن المعلوم أيضاً أن اليهود يقولون : إنهم صلبوه ، وهل يمكن لمن كان جزءاً من الرب أن ينفصل عن الرب ويأكل ويشرب ويُدَّعى أنه قتل وصلب ؟!
وعلى هذا تكون " من " للابتداء ، وليس للتبعيض ؛ فهي كقوله تعالى : (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ) الجاثية: 13 ؛ فلا يمكن أن نقول: إن الشمس والقمر والأنهار جزء من الله ، وهذا لم يقل به أحد . فقوله : " منه " ؛ أي : روح صادرة من الله – عز وجل ـ، وليست جزءً من الله كما تزعم النصارى .

واعلم أن ما أضافه الله إلى نفسه ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
الأول : العين القائمة بنفسها ، وإضافتها إليه من باب إضافة المخلوق إلى خالقه ، وهذه الإضافة قد تكون على سبيل عموم الخلق ؛ كقوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ) الجاثية: 13وقوله تعالى : ( إن أرضي واسعة) [العنكبوت: 56].
وقد تكون على سبيل الخصوص لشرفه ، كقوله تعالى : (وَطَهِّر بَيْتي للطَّائفين) (الحج: 26) ، وكقوله تعالى : (نَاقَةُ اللهِ وَسُقْياها) (الشمس: 13) وهذا القسم مخلوق .

الثاني : أن يكون شيئاً مضافاً إلى عين مخلوقة يقوم بها ، مثاله قوله تعالى : ( وَروحٌ مِنْه) [النساء : 171] ؛ فإضافة هذه الروح إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى خالقه تشريفاً ؛ فهي روح من الأرواح التي خلقها الله ، وليست جزءاً من روح الله ؛ إذ أنَّ هذه الروح حَلَّت في عيسى عليه السلام ، وهو عين منفصلة عن الله ، وهذا القسم مخلوق أيضاً .

الثالث : أن يكون وصفاً غير مضاف إلى عين مخلوقة ، مثال ذلك قوله تعالى : ( قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي) (الأعراف: 144) ، فالرسالة والكلام أضيفا إلى الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف ، فإذا أضاف الله لنفسه صفة ؛ فهذه الصفة غير مخلوقة .

فالأعيان القائمة بنفسها والمتصل بهذه الأعيان مخلوقة ، والوصف الذي لم يذكر له عين يقوم بها غير مخلوق ؛ لأنه يكون من صفات الله ، وصفات الله غير مخلوقة . وقد اجتمع القسمان في قوله تعالى: " كَلِمَتُه ،وَرُوحٌ مِنْه " ؛ فكلمته هذه وصف مضاف إلى الله ، وعلى هذا ، فتكون كلمته صفة من صفات الله . "وروح منه " :هذه أضيفت إلى عين ، لأن الروح حلت في عيسى ، فهي مخلوقة.
قوله : " أدخله الله الجنة " إدخال الجنة ينقسم إلى قسمين :
الأول : إدخال كامل لم يسبق بعذاب لمن أتمَّ العمل .
الثاني : إدخال ناقص مسبوق بعذاب لمن نقَّص العمل .
فالمؤمن إذا غلبت سيئاته حسناته ، إن شاء الله عذَّبه بقدر عمله، وإن شاء لم يعذِّبه ، قال الله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) [النساء :116]
__________________

من مواضيع غربة التوحيد


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 12-05-2018, 02:04 AM
الصورة الرمزية غربة التوحيد
غربة التوحيد غربة التوحيد غير متواجد حالياً
مشرف عام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2014
الدولة: دار الفناء
المشاركات: 222
افتراضي

وعن عتبان رضي الله عنه قال رسول الله : «فَإِنَّ الله قَدْ حَرَّمَ عَلَى النّارِ مَنْ قَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاّ الله , يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله ».متفق عليه
قوله : " فإن الله حرم على النَّار " ، أي : منع من النار ، أو منع النار أن تصيبه .
قوله : " من قال : لا إله إلا الله " ، أي : بشرط الإخلاص ، بدليل قوله : " يبتغي بذلك وجه الله " ، أي : يطلب وجه الله ، ومن طلب وجهاً ؛ فلا بد أن يعمل كل ما في وسعه للوصول إليه ؛ لأن مبتغي الشيء يسعى في الوصول إليه .
فالحديث واضح الدلالة على شرطية العمل لمن قال : لا إله إلا الله ، حيث قال : " يبتغي بذلك وجه الله " لأنَّ المبتغي لا بد أن يُكمِّل وسائل البغية ، وإذا أكملها حرمت عليه النار تحريماً مطلقاً ، فإنْ أتى بالحسنات على الوجه الأكمل ؛ فإنَّ النار تحرم عليه تحريماً مطلقاً، وإن أتى بشيء ناقص ، فإن الابتغاء فيه نقص ، فيكون تحريم النار عليه فيه نقص ، لكن يمنعه ما معه من التوحيد من الخلود في النار ، وكذا من زنى ، أو شرب الخمر ، أو سرق ، فإذا فعل شيئاً من ذلك ثم قال حين فعله : أشهد أن لا إله إلا الله ابتغي بذلك وجه الله ؛ فهو كاذب في زعمه ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " (متفق عليه )، فضلاً عن أن يكون مبتغياً وجه الله.

عن أنسٍ رضي الله عنه قال : سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم؛ يقول: « قال الله تعالى: يا ابنَ آدَمَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأرْضِ خَطَايَا ثُمّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بي شَيْئاً لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً ».رواه أحمد والترمذي وقال حسن غريب.
قوله : " بقراب الأرض " ، أي : ما يقاربها ؛ إما ملئاً ، أو ثقلاً ، أو حجماً.
قوله : " خطايا "، جمع خطيئة ، وهي الذنب ، والخطايا الذنوب ، ولو كانت صغيرة .
قوله : " لا تشرك بي شيئاً " ، أي : لقيتني في حال لا تشرك بي شيئاً.
قوله : "شيئاً " نكرة في سياق النفي تفيد العموم ؛ أي : لا شركاً أصغر ولا أكبر .
وهذا قيد عظيم قد يتهاون به الإنسان ، ويقول : أنا غير مشرك وهو لا يدري ؛ فحب المال مثلاً بحيث يلهي عن طاعة الله من الإشراك ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " تعس عبد الدينار ، تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الخميلة ، تعس عبد الخميصة " (رواه البخاري) فسمى النبي صلى الله عليه وسلم مَن كان هذا همه سماه : عبداً له .
قوله : " لأتيتك بقرابها مغفرة " ، أي : أن حسنة التوحيد عظيمة تكفر الخطايا الكبيرة إذا لقي الله وهو لا يشرك به شيئاً ، والمغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه . فالإنسان قد تغلبه نفسه أحياناً ؛ فيقع في الخطايا ، لكنه مخلص لله في عبادته وطاعته ؛ فحسنة التوحيد تكفر عنه الخطايا إذا لقي الله بها.
فمن جاء مع التوحيد وقراب الأرض خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة ، لكن هذا مع مشيئة الله عز وجل ، فإن شاء غفر له وإن شاء أخذه بذنوبه فإن كمل توحيد العبد وقام بشروطه بقلبه ولسانه وجوارحه أو بقلبه ولسانه عند الموت أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب .

وتحقيق التوحيد : تخليصه من الشرك ، ولا يكون إلا بأمور ثلاثة :
الأول : العلم ؛ فلا يمكن أن تحقق شيئاً قبل أن تعلمه ، قال الله تعالى : (فاعلم أنه لا إله إلا الله) [محمد: 19].
الثاني : الاعتقاد ، فإذا علمت ولم تعتقد واستكبرت ؛ لم تحقق التوحيد ، قال الله تعالى عن الكافرين : ( أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) [ص:5] ؛ فما اعتقدوا انفراد الله بالألوهية .
الثالث : الانقياد ، فإذا علمت واعتقدت ولم تنقد ؛ لم تحقق التوحيد. قال تعالى : (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ . وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ) (الصافات:35- 36) فإذا حصل هذا وحقق التوحيد ؛ فإن الجنة مضمونة له بإذن الله .

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " قال موسى يا رب علمني شيئاً أذكرك أدعوك به . قال : قل يا موسى لا إله إلا الله قال : كل عبادك يقولون هذا . قال يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأراضين السبع في كفه ، ولا إله إلا الله في كفه مالت بهن لا إله إلا الله "
قوله : " كل عبادك يقولون هذا "، ليس المعنى أنها كلمة هينة كلٌّ يقولها ؛ لأنَّ موسى عليه الصلاة والسلام يعلم عِظَم هذه الكلمة، ولكنه أراد شيئاً يختص به ؛ لأن تخصيص الإنسان بالأمر يدل على منقبة له ورفعة ؛ فبين الله لموسى أنه مهما أعطي فلن يعطى أفضل من هذه الكلمة، وأنَّ لا إله إلا الله أعظم من السماوات والأرض وما فيهن ؛ لأنها تميل بهن وترجح ، فدل ذلك على فضل لا إله إلا الله وعظَمها، لكن لابد من الإتيان بشروطها ، أما مجرد أن يقولها القائل بلسانه ؛ فكم من إنسان يقولها لكنها عنده كالريشة لا تساوي شيئاً ؛ لأنَّه لم يقلها على الوجه الذي تمت به الشروط وانتفت به الموانع .
قوله : " مالت " أي : رجحت حتى يملن .
فقوله هنا (لو أن السماوات السبع وعامِرَهُنَّ غيري) يعني من يعمر السموات ، والله جل وعلا في هذا الاستثناء في قوله (غيري) يعني إلا أنا هذا يحتمل أن يكون الاستثناء راجع إلى الذات وراجع إلى الصفات، ومعلوم أن الأدلة دلت على أن الله جل وعلا مستوٍ على عرشه بائن من خلقه جل وعلا ، والسماوات من خلقه. فعُلم من ذلك أن قوله " وعامرهن غيري " راجع إلى عمارة السماء بصفات الله جل وعلا وبما يستحقه سبحانه من التعلق والعبودية ، وما فيها من علم الله ورحمته وقدرته وتصريفه للأمر وتدبيره ونحو ذلك من المعاني
وهنا يجب أن تعرف أن كون الله تعالى في السماء -كما جاء بالحديث الشريف- ليس ككون الملائكة في السماء ؛ فكون الملائكة في السماء كون حاجي ، فهم ساكنون في السماء ؛ لأنهم محتاجون إلى السماء ، لكن الرب تبارك وتعالى ليس محتاجاً إليها ، بل إن السماء وغير السماء محتاج إلى الله تعالى ؛ فلا يظن ظانٌّ أن السماء تقل الله أو تظله أو تحيط به ، وعليه ؛ فالسماوات باعتبار الملائكة أمكنة مقلة للملائكة ، وما فوقهم منها مظل لهم ، أما بالنسبة لله فإنه تعالى مستوٍ على عرشه ، لا يقله شيء من خلقه.

هذا واعلم أن فضل لا إله إلا الله المعيَّن لا يُعرف إلا من جهة الوحي وقبل أن يوحى لكل نبي لا يعرف فضلها ، ولا بد في كل شريعة ذكر فضل هذه الكلمة ، ثم النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول الوحي عليه بمعرفة هذا الفضل المعيَّن لم يكن يعلم هذا الفضل ، فالكلام على فضلها ، أما معرفة لا إله إلا الله : فلا يمكن أن يُبعث نبي ابتداء إلا ويعلمها لأن أول مهمته الدعوة إلى هذه الكلمة وكيف يدعو وهو لا يعلمها ، أما فضلها ،كم لها من حسنة وكم تكفر من الذنوب قد يُعلّم بها وينبه على فضلها فيما بعد .

ولذلك في هذا الحديث موسى عليه الصلاة والسلام يعرف معنى لا إله إلا الله وهو أول من جاء بها إلى بني إسرائيل أما الفضل الخاص فنُبه عليه.

والخلاصة : أن من أتى بلا إله إلا الله مع شروطها وترك الشرك الأكبر والأصغر ولم يأتِ بذنوب وسيئات واستمر على هذه الحالة حتى مات فهذا الشخص هو أكمل الموحدين وبالتالي يدخل الجنة ويحرم على النار مطلقاً.
ومن أتى بلا إله إلا الله مخلصاً من الشرك الأكبر دون الأصغر ولكن عنده حسنات كثيرة ، فإذا رجحت حسناته على سيئاته فإنه سيدخل الجنة دون دخوله للنار ، أما إذا رجحت سيئاته على حسناته فهو في مشيئة الله إن شاء عذبه بقدر سيئاته ثم بعد ذلك يدخل الجنة بفضل لا إله إلا الله ، وإن شاء عفى عنه وأدخله الجنة بدون دخوله للنار .
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:35 PM


جميع المشاركات تعبّر عن وجهة نظر صاحبها ولا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر إدارة المنتدى