عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 07-05-2011, 01:59 PM
ضياء الدين القدسي ضياء الدين القدسي غير متواجد حالياً
الشيخ حفظه الله
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
المشاركات: 417
افتراضي

الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين

قولك :شيخنا الفاضل لقد تتبعت أقوال المجيزين لابتداء المشرك بالسلام فلمأجدهم قد ذكروا حديث "لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام"
ألا يدل هذا على عدم وصول الحديث إليهم؟
وإذا كان قد وصلهم الحديث فماذا كان تعليقهم عليه ؟

الجواب : بل ذكروه وعللوه . وكان تعليل بعضهم على الحديث كما يلي :
قالوا : ( لا تبدؤوهم بالسلام ) إذا كان لغير سبب يدعوكم إلى أن تبدؤوهم بالسلام ، من قضاء ذمام أو حاجة تعرض لكم قبلهم ، أو حق صحبة أو جوار أو سفر.
وقال بعضهم : النهي عن مبادرة أهل الكتاب بالسلام ، معلل بكونهم يردون بـ ( وعليكم السام) يعني الموت.‏
‎‎ يؤخذ هذا التعليل مما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها ، أن رهطًا ( جماعة ) من اليهود دخلوا على النبي صلى الله عليه و سلم فقالوا : ( السام عليك ) ، ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام : ( إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا : وعليكم )، وفي رواية أخرى : ( فإن أحدهم يقول : (السام عليك)

‎‎وقال بعضهم : لقد نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن السلام على أهل الكتاب حتى لا يكون هناك مقابل ( إلقاء السلام ) دعاء علينا بالموت ، فإذا انتفى ذلك فلا مانع من بدئهم في السلام .
‎‎وقد سئل الأوزاعي عن مسلم مر بكافر فسلّم عليه ، فقال : إن سلمتَ فقد سلّم الصالحون ، وإن تركتَ فقد ترك الصالحون قبلك .‏( ذكره النووي في شرح مسلم )

جاء في تفسير القرطبي لقوله تعالى : " قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا " (مريم : 47)
" قوله تعالى: "قال سلام عليك" لم يعارضه إبراهيم عليه السلام بسوء الرد ؛ لأنه لم يؤمر بقتاله على كفره . والجمهور على أن المراد بسلامه المسالمة التي هي المتاركة لا التحية ؛ قال الطبري : معناه أمنة مني لك . وعلى هذا لا يبدأ الكافر بالسلام . وقال النقاش: حليم خاطب سفيها ؛ كما قال : "وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما " [الفرقان: 63]. وقال بعضهم في معنى تسليمه : هو تحية مفارق ؛ وجوز تحية الكافر وأن يبدأ بها. قيل لابن عيينة : هل يجوز السلام على الكافر ؟ قال : نعم ؛ قال الله تعالى : " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم أن الله يحب المقسطين" [الممتحنة: 8]. وقال " قد كانت " لكم أسوة حسنة في إبراهيم " [الممتحنة:4] الآية ؛ وقال إبراهيم لأبيه "سلام عليك".
قلت: الأظهر من الآية ما قاله سفيان بن عيينة ؛ وفي الباب حديثان صحيحان : روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه ) خرجه البخاري ومسلم . وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حمارا عليه إكاف تحته قطيفة فدكيه ، وأردف وراءه أسامة بن زيد ؛ وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن الخزرج ، وذلك قبل وقعة بدر ، حتى مر في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود ، وفيهم عبد الله بن أبي بن سلول ، وفي المجلس عبد الله بن رواحة ، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة ، خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه ، ثم قال : لا تغبروا علينا ، فسلم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ الحديث . فالأول يفيد ترك السلام عليهم ابتداء لأن ذلك إكرام ، والكافر ليس أهله . والحديث الثاني يجوز ذلك . قال الطبري : ولا يعارض ما رواه أسامة بحديث أبي هريرة فإنه ليس في أحدهما خلاف للأخر وذلك أن حديث أبي هريرة مخرجه العموم ، وخبر أسامة يبين أن معناه الخصوص. وقال النخعي : إذا كانت لك حاجة عند يهودي أو نصراني فابدأه بالسلام ، فبان بهذا أن حديث أبى هريرة ( لا تبدؤوهم بالسلام ) إذا كان لغير سبب يدعوكم إلى أن تبدؤوهم بالسلام ، من قضاء ذمام أو حاجة تعرض لكم قبلهم ، أو حق صحبة أو جوار أو سفر. قال الطبري : وقد روي عن السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب . وفعله ابن مسعود بدهقان صحبه في طريقه ؛ قال علقمة : فقلت له يا أبا عبد الرحمن أليس يكره أن يبدؤوا بالسلام ؟! قال نعم ، ولكن حق الصحبة. وكان أبو أسامة إذا انصرف إلى بيته لا يمر بمسلم ولا نصراني ولا صغير ولا كبير إلا سلم عليه ؛ قيل له في ذلك فقال : أمرنا أن نفشي السلام . وسئل الأوزاعي عن مسلم مر بكافر فسلم عليه ، فقال: إن سلمت فقد سلم الصالحون قبلك ، وإن تركت فقد ترك الصالحون قبلك . وروي عن الحسن البصري أنه قال : إذا مررت بمجلس فيه مسلمون وكفار فسلم عليهم ." اهـ ( تفسير القرطبي )


قولك :ثم إني قد وجدت من قال أن النقل عن كثير منهم ( أي الذين قالوا بجواز ابتداء المشرك بالسلام ) لا يثبت ، وما ثبت فإنه محجوج بحديث " لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام" .

الجواب : بل هو مروي عن ‎‎ جمع من السلف .
فقد نقل النووي في شرح مسلم وغيره جواز ابتدائهم بالسلام عن ابن عباس وأبي أمامة وابن محيريز . قال : وهو وجه لأصحابنا. كما نقل عن الأوزاعي قوله : إن سلّمت فقد سلّم الصالحون ، وإن تركت فقد ترك الصالحون . وقال - أي النووي -: حكى القاضي عياض عن جماعة أنه يجوز ابتداؤهم بالسلام للضرورة والحاجة أو لسبب ، وهو قول علقمة والنخعي.
ونقل ابن حجر العسقلاني في فتح الباري عن ابن أبي شيبة عن طريق عون بن عبد الله عن محمد بن كعب أنه سأل عمر بن عبد العزيز عن ابتداء أهل الذمة بالسلام فقال : نرد عليهم ولا نبدأهم . قال عون : فقلت له : كيف تقول أنت ؟ قال : ما أرى بأساً أن نبدأهم . قلت : لم ؟ قال : لقوله تعالى: { فاصفح عنهم وقل سلام } [سورة الزخرف، الآية 89].


قولك :ألا يعد الإحتجاج على جواز ابتدائهم بالسلام بقوله تعالى : { فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } وبقوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام مخاطباً أباه : { سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي } لا دلالة فيه ؟
أما الآية الأولى : فقد نسخت بآية السيف وهي قوله تعالى في سورة { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } وعلي تقدير عدم النسخ فليس المراد بقوله (( سلام )) التحية ، وإنما المراد المتاركة ، والمباعدة ، وعدم مخاطبتهم بما يخاطبوننا به من الكلام الرديء , وأما الآية الثانية : فإن جمهور العلماء يرون أن معنى سلام إبراهيم : المسالمة التي هي المتاركة لا التحية . قال الطبري : معناه : أمنة مني لك .

الجواب : بل فيه دلالة اعتبرها بعض الصحابة والمجتهدين من هذه الأمة . والقول بأنه لا يوجد فيها دلالة على ذلك وتعليل ذلك بالنسخ أو أن المراد بقوله ( سلام ) ليس التحية وإنما المراد المتاركة ، والمباعدة ، وعدم مخاطبتهم بما يخاطبوننا به من الكلام الرديء ، أيضا اجتهاد معتبر . وكل مجتهد يعلل ما ذهب إليه اجتهاده ويسعى لإثبات خطأ ما ذهب إليه المجتهد المخالف له . وكل هذا لا يمنع القول بأن المسألة خلافية .
قولك :نقولات إضافة إلى ما سبق منأقوال أهل العلم في مسألة ابتداء المشرك بالسلام :
جاء في أحكام القرآن للجصاص : قال مجاهد كان ناس من أهل الكتاب أسلموافآذاهم المشركون فصفحوا عنهم يقولون سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين قال أبو بكر هذاسلام متاركة وليس بتحية وهو نحو قوله وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما وقولهواهجرني مليا وقال إبراهيم سلام عليك سأستغفر لك ربي ومن الناس من يظن أن هذا يجوزعلى جواز ابتداء الكافر بالسلام وليس كذلك لما وصفنا من أن السلام ينصرف على معنيينأحدهما المسالمة التي هي المتاركة والثاني التحية التي هي دعاء بالسلامة والأمن نحوتسليم المسلمين بعضهم على بعض .
جاء في شرح صحيح مسلم للنووي : فمذهبنا تحريم ابتدائهم به ، ودليلنا في الابتداء قوله صلى الله عليه وسلم : " لاتبدءوا اليهود والنصارى بالسلام " ، وبهذا الذي ذكرناه عن مذهبنا ، قال أكثر العلماءوعامة السلف .
جاء في فتح الباري لابن حجر : أَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَرعَنْ قَتَادَة قَالَ " السَّلَام عَلَى أَهْل الْكِتَاب إِذَا دَخَلْت عَلَيْهِمْبُيُوتهمْ السَّلَام عَلَى مَنْ اِتَّبَعَ الْهُدَى " وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِيشَيْبَة عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ مِثْله . وَمِنْ طَرِيق أَبِي مَالِك : إِذَاسَلَّمْت عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَقُلْ " السَّلَام عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَاد اللَّهالصَّالِحِينَ فَيَحْسِبُونَ أَنَّك سَلَّمْت عَلَيْهِمْ وَقَدْ صَرَفْت السَّلَامعَنْهُمْ ... ونَقَلَ اِبْن الْعَرَبِيّ عَنْ مَالِك : لَوْ اِبْتَدَأَ شَخْصًابِالسَّلَامِ وَهُوَ يَظُنّهُ مُسْلِمًا فَبَانَ كَافِرًا كَانَ اِبْن عُمَريَسْتَرِدّ مِنْهُ سَلَامه ، وَقَالَ مَالِك : لَا . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : لِأَنَّ الِاسْتِرْدَاد حِينَئِذٍ لَا فَائِدَة لَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُل لَهُمِنْهُ شَيْء لِكَوْنِهِ قَصَدَ السَّلَام عَلَى الْمُسْلِم . وَقَالَ غَيْره لَهُفَائِدَة وَهُوَ إِعْلَام الْكَافِر بِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلِابْتِدَاءِبِالسَّلَامِ . قُلْت : وَيَتَأَكَّد إِذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يُخْشَى إِنْكَارهلِذَلِكَ أَوْ اِقْتِدَاؤُهُ بِهِ إِذَا كَانَ الَّذِي سَلَّمَ مِمَّنْ يُقْتَدَىبِهِ.

الجواب : هذه النقولات وغيرها كثير لا تمنع القول بأن المسألة فيها خلاف بين العلماء بل هي تثبت أن المسألة خلافية .
وإليك ما يثبت ذلك مما نقلت هنا :
" قال أكثر العلماء وعامة السلف."
فلا شك أن المسألة خلافية وستبقى خلافية ، لهذا يجب أن لا نجعلها مسألة خلاف وتشاحن بين المسلمين في دار الحرب . ولكل واحد من المسلمين أن يأخذ بالرأي الذي يناسب وضعه في دار الحرب . وهناك فرق كبير بين حال المسلم في دار الإسلام ودار الحرب وخاصة التي يعتقد أهلها المشركين أنهم على دين محمد صلى الله عليه وسلم .

كتبه : ضياء الدين القدسي

رد مع اقتباس