بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

Þeyh Ziyaeddin El- Kudsi'nin Ebu Meryem El Kuveyt'e Reddiyesi

ARAPÇA

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين

الرد الثاني على أبي مريم في موضوع التبعية

هذا ردي على رد أبي مريم على ما كتبته  ردا على ما كتبه  في حكم التبعية وسوف يكون ردي باللون الأحمر تحته خط .

ملاحظة : (ردي الأول باللون الأزرق أما الرد الثاني فهو باللون الأحمر تحته خط )

 

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين

حكم التبعية

هذا ردي أنا ضياء الدين القدسي على رد أبو مريم حول مسالة حكم التبعية .

أسال الله العلي القدير أن يقرأ هذا الرد هو وتلامذته بتجرد وحب معرفة الحق وعدم التعصب للرأي . ويعلم الله أني من الذين يتمنون لهذا الشخص وتلامذته الهداية والرجوع للحق . لهذا سوف لا أكون قاسياً في الرد . والله المستعان .

و لكن " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء "

سيكون كلامي باللون الأزرق . و كلام أبي مريم باللون الأسود و كلام العلماء الذي استشهد بهم أبو مريم باللون الأخضر . و كلام الأخ الذي كان أبو مريم يرد عليه باللون الأحمر .

 

يقول الأخ :

" فلنعد للسؤال جواب وللمقام مقالا فإنه والله الذي لا إله غيره لمقام عظيم في يوم عظيم ...

فماذا يأخوتي ستحيبوا إن سؤلتم عن :

ماهي أدلتكم في تكفير من لم تعلموا منه كفر ولا إسلام ؟ ؟

أما نحن و أسئل الله الثبات  لي ولأخوتي في ذلك اليوم الثقيل فسنقول ياربنا أنت أعلم بمعتقدنا منا وأنت على كل شيء شهيد .. فقد كنا نستند إلى أحكام التبعية فيمن لا نعلم حاله إستقلالا ،  فنلحق الأطفال دون سن الرشد بأبائهم وسابيهم ، ونلحق البالغين بحكم الدار والمكان الذي هم فيه .. تغليبا للظن أنه سيكون منهم  ولم نكن لنقطع بكفر ولابإسلام لأحد لانعرف معتقده  . معاذ الله أن نقطع بما لم نحط به خبرا ولم يصلنا عنه علم بكفر أو إسلام .. فضلا عن تكفير من لا يكفره ..

و قد أتانا من  فضلك العلم أن غالب الظن معمول به في الشريعة .. و أنت الرحمن الرحيم الخبير الحكيم و الحمد لله فقد وجدنا أن الحق في التعامل مع من لانعرفه هو إلحاقه بمن يكون معهم تغليبا للظن و ليس قطعا ، سبحان الله و من أين لنا القطع فيما لا نعلمه و كيف ، و لاينبغي أبدا إلا بوحي منك يارب و قد أنقطع قبلنا بخاتم المرسلين عليه السلام وقد شهدنا بما علمنا (  إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }الزخرف86 .. و قد سمعنا أمرك يا مولانا العظيم {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً }الإسراء36 فأنتهينا عنده وأطعنا ، وأنت أعلم بنا وبحالنا غفرانك .

فلا يمكن أن تكن لكم حجة أخرى غير غالب الظن المعمول به في الشريعة ( وهو الظن الراجع لأصل قطعي ) راجع كلام الشاطبي والقرطبي وأبن العربي ) .. يمكن أن تقولونها لربكم الحكيم الخبير سبحانه  في تكفير من لاتعلمون حاله ولم يظهر منه كفر ولا إسلام معتبر في حقه ..   اللهم قد بلغت الحق ونبهت عليه وذكرت به .. اللهم فأشهد .

 

يقول أبو مريم تعليقاً على هذا الكلام :

" الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله  : مسألة التبعية في غير المكلفين سواء تبعية الوالدين أو السابي أو الدار لغير المكلف مسألة خفية و ليست ظاهرة و إن كان مجمع عليها بين الفقهاء من جهة الأصل و لكن من جهة التفصيل فيها خلاف كثير لكنها قد تخفى على بعض الناس فلا يجوز جعلها من أصل دين الإسلام والحكم على من يعمل بها [1] فليس كل ما يعرفه الفقهاء يجب معرفته على جميع المسلمين ولا يصح الإسلام إلا به فمعلوم ضرورة من دين الأنبياء أنهم لم يعلموا الناس التبعية ولا يأمرون الناس أن يعرفوا هذه المسألة و أنه لا يصح الإسلام إلا بمعرفتها . فمن جهل التبعية وهو محقق للإسلام مجتنب للشرك والمشركين مسلم بل ما هو أبلغ من حقق الإسلام و جهل وجوب الصلاة أو الزكاة أو الحج أو الصوم لا يكفر إذا كان ناشئ في بادية بعيدة أو حديث عهد بإسلام مع أن هذه مباني الإسلام فكيف بمسألة التبعية فمن قال بأن التبعية غير مشروعة واحتج بقوله تعالى  {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } الروم30

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ كَمَا تُنَاتَجُ الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ) .

و قال بأن كل مولود مسلم لأنه يولد على الفطرة و الفطرة هي الإسلام و في الحديث القدسي (وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا ) .

و أن تغييره أنما يكون عند بلوغه فإنه يتأثر بالتربية فيصبح يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا أو مشركا أما قبل التكليف فإنه يبقى على الفطرة فلو احتج محتج بهذا و ظن أن المسألة ليس فيها إجماع لم يكفر بهذا ولا يكون قد حكم على المشرك بالإسلام لأن المقصود في الحكم على المشرك بالإسلام في المكلفين لا غير المكلفين لأن غير المكلف لا يؤاخذ بقوله وفعله حتى يحكم عليه به و في سنن أبو داود عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أُتِيَ عُمَرُ بِمَجْنُونَةٍ قَدْ زَنَتْ فَاسْتَشَارَ فِيهَا أُنَاسًا فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ أَنْ تُرْجَمَ مُرَّ بِهَا عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَقَالَ مَا شَأْنُ هَذِهِ قَالُوا مَجْنُونَةُ بَنِي فُلَانٍ زَنَتْ فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ أَنْ تُرْجَمَ قَالَ فَقَالَ ارْجِعُوا بِهَا ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْقَلَمَ قَدْ رُفِعَ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَبْرَأَ وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَعْقِلَ قَالَ بَلَى قَالَ فَمَا بَالُ هَذِهِ تُرْجَمُ قَالَ لَا شَيْءَ قَالَ فَأَرْسِلْهَا قَالَ فَأَرْسَلَهَا قَالَ فَجَعَلَ يُكَبِّرُ ) .

و الحديث علقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم قال البخاري رحمه الله (بَاب لَا يُرْجَمُ الْمَجْنُونُ وَالْمَجْنُونَةُ وَقَالَ عَلِيٌّ لِعُمَرَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْقَلَمَ رُفِعَ عَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ) و ذكره كذلك في باب (بَاب الطَّلَاقِ فِي الْإِغْلَاقِ وَالْكُرْهِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ وَأَمْرِهِمَا وَالْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فِي الطَّلَاقِ وَالشِّرْكِ وَغَيْرِهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى وَتَلَا الشَّعْبِيُّ { لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا }..... ) .

فمن جهة التأصيل مسألة التبعية ليست من المسائل المعلومة بالضرورة من دين الإسلام التي لا يعذر فيها المخالف إذا جهلها أو تأولها فضلا عن أنها من أصل الدين الذي لا يصح الإسلام إلا به .

 

أقول بعون الله : ومن قال لك أن مسألة التبعية من أصل الدين وأنها من المعلوم بالدين بالضرورة ؟

فلو كنا نقول أنها من أصل الدين أو من المعلوم بالدين بالضرورة لكفرنا المخالف فيها . ونحن و الحمد لله لا نكفر من توقف و لم يحكم بحكم التبعية فضلا أن نكفر من لا يكفره .

نحن نعتقد أن حكم التبعية حكم عملي صحيح مبني على غلبة الظن ليس حكماً عقدياً ،بل حكم لمجهول بناءا على معلوم لضرورة عملية ،  ولقد أختلف العلماء في هذا الحكم قديماً ولم يكفر بعضهم البعض .

قال أبو مريم : أما القول بأن العمل بالتبعية ليس من أصل الدين يلزم عدم تكفير من جهل التبعية فمن حكم بإسلام المكلف ممن لم يظهر منه شرك في دار الكفر بأنه مسلم عملا بخلاف بعض أهل العلم و قياسا على كلامهم بأن الطفل والمجنون إذا كان في دار الكفر و كان فيها مسلم واحد وقال بأن مجهول الحال هذا قد يكون هو المسلم الموجود في دار الكفر أو في دار فيها مسلمون منتشرون و حكم بإسلامه هل يكفر على أصلكم أم لا ؟

_________________

 [1]لعله أراد والحكم على من لا يعمل بها

 

أقول (  ضياء ) : ومن الذي كفر جاهل التبعية يا أبا مريم ؟

أما قضية الحكم على المكلف في مجتمعاتنا اليوم بالإسلام بمجرد أنه لم يظهر منه شرك أو بمجرد ان يظهر منه أي علامة من علامات الإسلام فهذه مسالة أخرى ليس لها علاقة بأحكام التبعية فلا تخلط ولقد نبهتك على هذا سابقا وما زلت تصر على الخلط بين المسألتين .

ثم لا يجوز قياس العاقل البالغ على  الطفل والمجنون . فهذا قياس مع الفارق . ومن حكم على مجهول الحال المكلف في دار الكفر الذي أغلب أهلها كفار أو مشركين بالإسلام لم يفهم أصل الدين ولا كيفية دخول الإسلام وكذلك لا يستطيع أن يأتي بدليل واحد يأيد قوله ، إلا إذا قال أنه قاسه على الطفل والمجنون وهذا القياس باطل . وتكفيرنا لمثل هذا الشخص غير مبني على أحكام التبعية بل مبني على أصل الدين ومدى معرفته له . فمن يفهم أصل الدين لا يحكم على من لا يعرفه في هذه المحتمعات المنتشر فيها الشرك والكفر بالإسلام وهو يعرف أن أغلبيت سكانها مشركين وكفار بل أقل ما يصل إليه بأن يتوقف في حكم من لا يعرفه حتى يتبين . وقياسه الكبير على الصغير والمجنون كقياس من يدخل البرلمانات اليوم على يوسف عليه السلام .

أنظر لهذه الحادثة المعبرة لشخص عامي فهم أصل الدين .

قال محمد بن عبد الوهاب  : " وما أحسن ما قال واحد من البوادي لما قدم علينا وسمع شيئاً من الإسلام قال : أشهد أننا كفار ، يعني هو وجميع البوادي وأشهد أن المطوع الذي يسمينا أهل إسلام إنه كافر " أهـ ( من كتاب مجموعه التوحيد ص 28 )

هذا العامي الموحد الذي دخل التو في الإسلام والذي فهم أصل الدين لم يتردد ولا لحظه واحدة بالشهادة على قومه بالكفر ، على من كان يعرفه من قومه ومن لا يعرفه ، وهم كانوا يتلفظون الشهادتين ويقومون بالشعائر التعبدية ، ومع ذلك حكم عليهم بالكفر ، لأنه بعد معرفته لأصل الدين وكيف يصبح الإنسان مسلما ، عرف أن الإسلام ليس مجرد كلمة تقال باللسان ولا هو إقامة شعيرة معينة ، وعرف أن هذه الشعائر ليست علامات على إسلام المرء من قومه ، وأن الفرد من قومه حتى يحكم عليه بالإسلام لا بد له أن يتبرأ من كل شركيات قومه .

 

سؤال : ما الحكم عندك على من يحكم اليوم على من لا يظهر منه شرك ولا كفر بالإسلام قياسا على رأي بعض الفقهاء في الصغير والمجنون ؟

 

قولك :" فإن قلت لا يكفر إذا لم تكفرون من حكم بإسلام من ظهر منه شعائر الإسلام و لم يظهر منه شرك في دار الكفر مع أنه اعتمد على نصوص من الكتاب والسنة والإجماع على اعتبار الشعائر في الحكم بالإسلام ."

 

أقول ( ضياء) : من حكم على مجهول الحال في مجتمعاتنا اليوم بالإسلام ، ليس فقط يكفر هو لم يدخل الإسلام بعد . لأن حكمه على مجهول الحال في مجتمعاتنا اليوم بالإسلام يدل على أنه لم يفهم الإسلام ولا كيفية دخول الإسلام بعد . فمثل هذا عقيدته مشكوك بها

أما من حكم على مجهول الحال في مجتمعاتنا اليوم بالإسلام لأي شعيرة من شعائر الإسلام ، فهذا أيضا لم يفهم كيفية دخول الإسلام ولم يفهم ما هي الشعيرة التي تدخل الإسلام . ولو عرف أصل الدين وكيفية دخول الإسلام كهذا الأعرابي الذي ذكره محمد بن عبد الوهاب لعرف أن الإسلام ليس مجرد كلمة تقال باللسان ولا هو إقامة شعيرة معينة . وسوف نبحث هذه المسألة في رسالة أخرى بإذن الله .

قولك : " وإن قلتم يكفر إذا جعلتموها من أصل الإسلام الذي لا يدخل المسلم الإسلام إلا به فمن حكم بإسلام من لم يظهر منه شرك لم يعمل بالتبعية تأولا عندكم و مع ذلك تكفرونه من غير عذر لا بجهل و لا تأويل كما حدثني أكثر من واحد ممن يعتقد ما تعتقدونه في التبعية بل كفروني لأنني اعتقد بأن من أظهر شعائر الإسلام في دار الكفر ولم يظهر منه شرك أنه ظاهرا تنزل عليه أحكام الإسلام العامة فلا يجوز استحلال دمه وماله إلا أن يكون نقلهم غير صحيح عنك فإن كان هذا النقل غير صحيح أرجو أن تذكروا لي اعتقادكم الصحيح في هذه المسألة صريحا حتى نقطع الشك باليقين .

 

أقول ( ضياء ) : ليس تكفيرنا من يحكم على مجهول الحال بالإسلام إستناداً على  حكم التبعية حتى تفترض هذا الإفتراض يا أبا مريم هداك الله ، ولقد قلت أكثر من مرة أن تكفير من يحكم على مجهول الحال في مجتمعاتنا اليوم بالإسلام ، وكذلك تكفير من يحكم بالإسلام على مجهول الحال بمجرد صدور منه أي شعيرة من شعائر الإسلام ، هذا الحكم ليس له علاقة بأحكام التبعية . وإنما له علاقة بأمور أخرى لها علاقة بفهم أصل الدين . وسوف أبينها إن شاء الله في رسالة أخرى تتناول علامات الإسلام .

 

أما عن قولك " فمن حكم بإسلام من لم يظهر منه شرك لم يعمل بالتبعية تأولا عندكم ومع ذلك تكفرونه من غير عذر لا بجهل و لا تأويل كما حدثني أكثر من واحد ممن يعتقد ما تعتقدونه في التبعية بل كفروني لأنني اعتقد بأن من أظهر شعائر الإسلام في دار الكفر و لم يظهر منه شرك أنه ظاهرا تنزل عليه أحكام الإسلام العامة فلا يجوز استحلال دمه و ماله إلا أن يكون نقلهم غير صحيح عنك فإن كان هذا النقل غير صحيح أرجو أن تذكروا لي اعتقادكم الصحيح في هذه المسألة صريحا حتى نقطع الشك باليقين ."

 

فأقول (ضياء ) : أنا لم أقل أن من حكم بإسلام من لم يظهر منه شرك لم يعمل بالتبعية لهذا أكفره . لم أقل هذا أبداً . أنت من قولتني هذا . بل  قلت ان تكفير هذا الشخص  لا ينبني على أحكام التبعية .

نعم أنا اكفر من حكم بالإسلام على مجهول الحال في مجتمعاتنا اليوم وكذلك أكفر من حكم بالإسلام على مجهول الحال لأي شعيرة من شعائر الإسلام ولكن ليس إستنادا إلى أحكام التبعية . وسيأتي بيان ذلك في رسالة أخرى ، لأن هذه الرسالة في موضوع التبيعية .

أنا الذي قلته وهو موجود في هذه الرسالة انني لا أكفر من توقف ولم يأخذ بحكم التبعية

والتوقف في مجهول الحال مسألة تختلف عن إعطائه حكم الإسلام . لأن المتوقف لم يحكم بحكم لأجل أن يتبين . اما الذي حكم بالإسلام على مجهول الحال فله حكم آخر . لأن هذا الشخص لم يفهم أصل الدين ولا كيفية دخول الإسلام ولم يفهم كفر هذه المجتمعات . وما يستند عليه من أدلة لا تعذره ولا تسعفه بل تدل على جهله المركب  . وسوف أبين ذلك بالتفصيل في رسالة القرائن وعلامات الإسلام وسوف أبين في هذه الرسالة بعون الله أن من يحكم على مجهول الحال  اليوم بالإسلام أو يحكم على مجهول الحال بالإسلام بأي علامة أو شعيرة من علامات الإسلام  لم يفهم أصل الدين بعد .

 

قولك : " والقدسي يقرر في آخر رسالته أننا لا نفهم حقيقة الإسلام ولا نفهم بما يدخل فيه الرجل الإسلام بقوله  ( ومن اعتبر العلامات المشتركة بين الكافر والمسلم علامات فارقة يثبت فيها حكم الإسلام لمجهول الحال في دار الحرب ،  فهو لم يفهم كيفية دخول الإسلام في جميع الأحوال ، ولم يفهم كيفية التميز بين المسلم والكافر ، ولم يفهم لماذا كفر معظم الناس اليوم ، فضلا  على أنه لم يفهم الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع العلماء التي استند عليها وظنها دليلا له في المسألة . ) .

لأننا حكمنا لمن ظهر منه الإنتساب للإسلام بالإسلام مع أنه يقرر أن مسألة تبعية المكلف ليست من أصل الدين فمن أخطـأ في الحكم عليهم فإنه لا يكفر فهو يحكم على من توقف في مجهول الحال بالإسلام و لكنه يكفر من حكم بإسلام مجهول الحال "

 

أقول (ضياء) : سبحان ربي على هذا الفهم ! لماذا تربط مسألة التبعية بمسألة الحكم على مجهول الحال البالغ العاقل بالإسلام مع أنني قلت لك أن هذه المسألة ليست لها علاقة بالتبعية ؟ وليست لها علاقة بإختلاف العلماء في احكام التبعية .

المتوقف في الحكم على مجهول الحال ليس كمن يحكم عليه بالإسلام وكذلك ليس مثل من يحكم عليه بالإ سلام لأي شعيرة من شعائر الإسلام . الرجاء دقق في كلامي ولا تخلط بين المسائل .

المتوقف لا يحكم بحكم ،  بحجة أنه جاهل بحاله . وفي النتيجة لا يعطي لهذا المجهول حكم المسلم ، وهذا هو المهم من ناحية الأحكام العملية .  أما الذي يحكم بالإسلام فهو قد أصدر حكما يجب  عليه أن يأتي بالدليل حتى نعذره .

فالمتوقف عندما تسأله لِم لم تحكم ؟ سيقول لك لا يوجد عندي دليل للحكم على من لا أعرفه . كيف أحكم على من لا أعرفه ؟

ولكن ماهو جواب من يحكم بالإسلام على مجهول الحال ؟ القياس على الصبي أو على الميت أو على المجنون ؟ هذا الدليل غير مقبول .

أما من يحكم بأي شعيرة بالإسلام كذلك أدلته لا تسعفه وسوف أبين ذلك بالتفصيل عندما أتحدث عن القرائن والعلامات .

 

قولك : " و لنتفرض أن من حكم بإسلام مجهول الحال اعتمد على قول بعض أهل العلم أن من كان في دار الكفر و كان هناك مسلم واحد أنه يحكم على لقيطها بأنه مسلم لأنه قد يكون ولد هذا المسلم و قاس المكلف على غير المكلف كما كنتم تقيسون و تحتجون بكلام أهل العلم في التبعية في غير المكلف على المكلف وأن حكم تبعية الدار كما أنه يحكم على اللقيط في دار الكفر بالكفر كذلك يحكم عليه المكلف بالكفر و لكن هذا المخالف لكم قلب القياس و قال لكم أنا أحكم بإسلام مجهول الحال لأنه قد يكون هو من المسلمين المقيمين في دارالكفر هل هذا ناقض أصل دين الإسلام أم لا ؟

و هل جهل ما يدخل به المرء الإسلام أم لا ؟ "

أقول ( ضياء) : نحن عندما حكمنا على مجهول الحال في دار الكفر  بالكفر تبعاً للأغلبية في هذه  الدار لم نقس على الطفل  ولا على اللقيط ولا على المجنون وإنما أعملنا حكم التبعية للأغلبية المنصوص عليه من قبل العلماء والذي تأيده النصوص من القرآن والسنة .

جاء في  (الشرح الكبير لابن قدامة ج2ص:385 )

(وإن اختلط من يصلى عليه بمن لا يصلى عليه صلي على الجميع ينوي من يصلى عليه) قال أحمد ويجعلهم بينه وبين القبلة ثم يصلي عليهم، وهذا قول مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة إن كان المسلمون أكثر صلي عليهم والا فلا لان الاعتبار بالاكثر بدليل أن دار المسلمين الظاهر فيها الاسلام لكثرة المسلمين بها وعكسها دار الحرب لكثرة الكفار بها "

أقول ( ضياء ) الشاهد هو قول أبي حنيفة رحمه الله " لأن الاعتبار بالأكثر بدليل أن دار المسلمين الظاهر فيها الاسلام لكثرة المسلمين بها وعكسها دار الحرب لكثرة الكفار بها "

وجاء في   ( المغني : ج4 ص24)

" وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ أَكْثَرَ ، صَلَّى عَلَيْهِمْ ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْأَكْثَرِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ دَارَ الْمُسْلِمِينَ الظَّاهِرُ فِيهَا الْإِسْلَامُ ؛ لِكَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ بِهَا ، وَعَكْسُهَا دَارُ الْحَرْبِ ، لِكَثْرَةِ مَنْ بِهَا مِنْ الْكُفَّارِ ."

وكذلك جاء في نفس الكتاب : " فَصْلٌ : وَإِنْ وُجِدَ مَيِّتٌ ، فَلَمْ يُعْلَمْ أَمُسْلِمٌ هُوَ أَمْ كَافِرٌ ، نُظِرَ إلَى الْعَلَامَاتِ ، مِنْ الْخِتَانِ ، وَالثِّيَابِ ، وَالْخِضَابِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ ، وَكَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، غُسِّلَ ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْكُفْرِ ، لَمْ يُغَسَّلْ ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ .

نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي دَارٍ ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا ، يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُهُمْ مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى خِلَافِهِ دَلِيلٌ .

أقول (ضياء) : الشاهد قولهم : " لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْأَكْثَرِ" وقولهم " لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي دَارٍ ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا "

 

وجاء ايضا في نفس الكتاب : " (فصل) * وإن وجد ميت فلم يعلم أمسلم هو أم كافر؟ نظر إلى العلامات من الختان والثياب والخضاب فان لم يكن عليه علامة وكان في دار الاسلام غسل وصلي عليه، وإن كان في دار الكفر لم يغسل ولم يصل عليه، نص عليه أحمد لأن الأصل أن من كان في دار فهو من أهلها يثبت له حكمهم ما لم يقم على خلافه دليل." (الشرح الكبير لابن قدامة ج2ص:385 )

أقول ( ضياء ) : الشاهد قوله : الأصل أن من كان في دار فهو من أهلها يثبت له حكمهم ما لم يقم على خلافه دليل ."

وجاء في (كشاف القناع عن متن الإقناع ج4 ص 480 )

 

" لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي دَارٍ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا ، يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُهُمْ ، مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى خِلَافِهِ دَلِيلٌ "

أقول ( ضياء ) : وهذا الكلام في البالغ العاقل .

 

ثم الحكم على اللقيط والميت يختلف على الحكم على الكبير البالغ العاقل الحي . وكلام العلماء لا يقاس عليه مع الفارق . وخاصة مع عدم معرفة سبب هذه الفتوى . ولماذا حكموا بهذا الحكم . ثم هم إختلافهم في من وقع في أيديهم ولم يستطيعوا أن يتعرفوا عليه ، والحي إذا وقع في أيديهم يستطيعوا أن يتعرفوا عليه ولا حاجة للحكم عليه بحكم اللقيط أو الميت . ثم هم لم يختلفوا في الحكم على اللقيط الذي لم يقع في أيديهم أو الميت الذي لم يقع في أيديهم .

قبل القياس على كلام العلماء يجب فهم كلامهم جيدا .

ولو فهم هذا الذي حكم على مجهول الحال بالإسلام أصل الدين جيدا ، ، لما قاس هذا القياس ولما حكم بأي شعيرة من شعائر الإسلام بالإسلام على مجهول الحال . وهذا الشخص يختلف عن المتوقف في مجهول الحال .

ثم لماذا تقولنا ما لم نقل  ؟  من الذي قاس مجهول الحال الحي البالغ على اللقيط والمجنون والطفل ؟

الطفل والمجنون هي مجرد أمثلة على حكم التبعية ولم يقاس عليها . حكم التبعية حكم لم يثبت بالقياس . بل هو حكم عملي مبني على غلبة الظن التي تأيده النصوص الصحيحة .

مَن حكم على مجهول الحال بالإسلام لا نكفره لأنه قلب القياس ، بل نكفره لأن فعله هذا يدل على انه لم يفهم أصل الدين . وتكفيره غير معتمد على حكم التبعية .

أما سؤالك هل هذا ناقض لأصل الدين ؟ أقول : من فعل ذلك لم ينقض أصل الدين لأنه لم يحققه بعد حتى ينقضه . فلو فهم أصل الدين وحققه لما حكم هذا الحكم . فهو لم يصل لمستوى الأعرابي الذي ذكره الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله .

نعم وهذا جهل ما يدخل به المرء الإسلام .

 

قولك : " فإن قلتم ناقض أصل دينه قيل المسألة في أصلها كما تقرر خلافية وهذا متأول

 

أقول (ضياء) : يا رجل أنت تفترض فروضات ليس لها علاقة بالموضوع وتقرر ما تريد أن تقرره إعتماداَ على هذه الفروضات .

من حكم بهذا الحكم لم يفهم أصل الدين . وليس هذا الحكم مبني على حكم التبعية المختلف فيه كما فهمته أنت مع أني بينت عكسه .

 

قولك : " وإن قلتم أنه معذور بتأوله فنحن أصلنا أظهر من هذا المتأول عندكم فإنه حكم على رجل لم يظهر منه شئ من شعائر الإسلام بالإسلام وعذرتموه فمن باب أولى أن تعذرونا لأننا حكمنا على من ظهر منه شعائر الإسلام و لم يظهر منه شرك بنصوص من الكتاب و السنة و الإجماع فعذرنا أظهر من عذر هذا المتأول و مع ذلك يقول القدسي أن من اعتبر الشعائر اليوم لم يعرف ما يدخل به المرء الإسلام مع أن مسألتنا ليست في دخول المرء الإسلام إنما مسألتنا فيمن ظهر منه انتساب للإسلام و لم يظهر منه شرك أما من أراد الدخول بالإسلام و كان يقع في الشرك و عبادة غير الله لا يدخل الإسلام عندنا حتى يتبرأ مما وقع فيه من الشرك و يقول كذلك أن من عمل بشعائر الإسلام اليوم لم يفرق بين المسلم و الكافر ."

 

أقول ( ضياء) : نحن لم نقل معذور بتأويله . وليس تكفيره لأنه تأول . بل لأن هذا الحكم دل على أنه لم يدخل الإسلام بعد لأنه لم يفهم أصل الدين . فليس له علاقة بحكم التبعية والإختلاف فيها .

والمشكلة عندك يا أبا مريم انك تظن أن أصل الدين هو فقط عدم الوقوع في الشرك وإظهار الإسلام . وتنسى أن هناك شرط آخر له علاقة بأصل الدين وهو تكفير من وقع في الشرك وتكفير من لا يكفره . ومن يفهم اصل الدين يفهم أن إتيان الاشخاص في مجتمعنا اليوم بالشعائر التعبدية لا يعني أنهم فهموا أصل الدين ومن علم أنه لا يفهم أصل الدين لا يجوز الحكم عليه بالإسلام  وهذا ما فهمه الأعرابي الذي كفر أفراد مجتمعه بعد أن فهم اصل الدين والذي تحدث عنه الإمام محمد بن عبد الوهاب .

أما عن عدم عذرك ووصفك بأنك لم تفهم أصل الدين بعد ، لأنك حكمت بالإسلام على مجهول الحال بأي شعيرة من شعائر الإسلام فهذه مسألة أخرى ليس لها علاقة بعدم فهمك حكم التبعية . فأنت لم تصل في فهم أصل الدين إلى  مستوى فهم الأعرابي العامي  الذي كفر قومه ولم يعتبر أي شعيرة من شعائر الإسلام علامة على الإسلام .

اما إدعاؤك أنك استندت على نصوص من الكتاب والسنة والإجماع فهذا ما سوف أبين خطأءه في الرسالة القادمة بعون الله .

 

يقول أبو مريم  :

" الخطأ الثاني جعل التبعية في المكلف وهذا خلاف ما أجمع عليه الفقهاء فإن الفقهاء مجمعون على أن التبعية لغير المكلفين كالصبي و المجنون و كذلك مجمعون على أن الصبي متى ما بلغ وعقل أنه يؤخذ بقوله و فعله في الإيمان و الكفر و مختلفون في الصبي المميز هل يؤخذ بقوله وفعله في الإيمان و الكفر ."

أقول بعون الله : قولك " أن الفقهاء مجمعون على أن التبعية لغير المكلفين كالصبي والمجنون " القول هذا غير صحيح ولا يقوله من يعرف حكم التبعية وكلام الفقهاء فيه .  فالفقهاء لم يجمعوا على أن التبعية لغير المكلفين كالصبي والمجنون فقط . ومن أين جئت بهذا الإجماع  . فهم أيضاً مختلفون في حكم التبعية للصبي .

أما قولك أن حكم التبعية لغير المكلف فقط ، فهذا إن دل على شي فإنه يدل على أنك لا تعرف حكم التبعية و فيما قيلت . فحكم التبعية للدار كما هو لغير المكلف كذلك لمجهول الحال المكلف . فمجهول الحال في دار الإسلام له حكم الدار حتى يثبت العكس ، وكذلك مجهول الحال في دار الحرب له حكم الدار حتى يثبت العكس . وهذا الحكم مأخوذ من حكم التبعية .

أما غير المكلف فهو ينقسم إلى قسمين : 1- معلوم الوالدين 2- مجهول الوالدين .

فمعلوم الوالدين له حكم الإسلام إذا كان أباه أو أمه مسلمين . وهذا الحكم متفق عليه . أما إذا كانا غير مسلمين ففيه خلاف بين العلماء ، منهم من أعطاه حكم الأبوين تبعاً ومنهم من أعطاه حكم الفطرة ، والأرجح أن له حكم تبعية الوالدين .

أما إن كان مجهول الحال وكان في دار الإسلام فيأخذ حكم الدار إتفاقاً . وأما إن كان في دار الحرب ففيه إختلاف بين العلماء منهم من يعطيه حكم تبعية الدار ومنهم من يعطيه حكم الفطرة . وكل يستند لدليل صحيح ولم يكفر بعضهم البعض .

ولا يحكم على الطفل أو المجنون بنص أو دلالة لأن مناط التكليف وهو العقل غير موجود

فإذا بلغ الصبي وعقل وكان بالإمكان معرفة حاله بنص أو دلالة ، يحكم عليه في هذه الحالة بالنص أو الدلالة ولا يحكم عليه بحكم التبعية أو حكم الفطرة  . أما إذا لم يمكن أو تعذر معرفة حاله بنص أو دلالة يحكم عليه بحكم تبعية الدار ، ولا يحكم عليه بحكم الفطرة لأنه قد بلغ وعقل ، وحكم الفطرة للصغير فقط  . والحكم عليه ضروري من الناحية العملية .. لأن هناك أحكام عملية تستند على هذا الحكم . فلا يوجد في الإسلام من ليس له حكم من الناحية العملية ، لأن هذا سيعطل كثيراً من الأحكام العملية مثل الإرث وأكل الذبيحة وغيره .

والمجنون إذا كان مسلماً قبل الجنون يحكم عليه بالإسلام وإذا كان كافرا قبل الجنون يحكم عليه بالكفر ظاهراً استتباعاً للأصل .

 

قال أبو مريم : أما قوله أن العلماء مختلفون في مسألة تبعية الصبي إن كان يقصد الصبي المميز لا أخالفه فيه أما إن كان غير المميز فأهل العلم مجمعون على أنه يحكم له بحكم التبعية على تفصيل وخلاف في هذه المسألة لا مجال لذكره هنا و قد ذكرته في أكثر من رد في هذه المسألة و كلامي مقيد بغير المكلفين كالصبي و المجنون أما من اختلف في تكليفه فهذا فيه الخلاف فالإجماع إذا صحيح  لأن علة التبعية التكليف فإذا وجد التكليف انتفت التبعية و إذا انتفى التكليف وجدت التبعية فإن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما .

 

أقول ( ضياء) : اعلم أنه حتى  الطفل غير المميز قد أختلف العلماء في حكمه . ولا يوجد إجماع في ذلك. إلا إذا كان عندك أن من حكم على الطفل بحكم الفطرة فهو قد حكم عليه بحكم التبعية . تبعية الفطرة ، فهنا يستقيم القول بأن الطفل له حكم التبعية بالإجماع . تبعية الأب ، تبعية السابي تبعية الواجد للقيط ، تبعية الفطرة .  في هذه الحالة لا أخالفك . ولكن هل الحكم استناداَ على الفطرة هو حكم بالتبعية أم لا ؟ فإذا قلت نعم هو حكم بالتبعية يكون عندها الخلاف بيني وبينك لفظي في هذه المسألة وهذا ليس مهما . وأنا اعتبر الحكم حسب الفطرة هو حكم على الأصل المخلوق عليه الطفل فهو عائد للطفل وهذا الحكم لا يشبه الحكم بالتبعية لأن الحكم بالتبعية ليس له علافة بطبيعة الطفل فهو شيئ منفصل عنه ،  لهذا قلت لك هناك إختلاف في حكم الطفل غير المميز أيضا بناء على الحكم بالفطرة . وحكم الفطرة يدخل الطفل الجنة أما حكم التبعية فلا .

أما قولك : " فإذا وجد التكليف انتفت التبعية وإذا انتفى التكليف وجدت التبعية فإن الحكم يدور مع علته وجودا و عدما ." فكلام غير صحيح يدل على عدم استيعابك لحكم التبعية . فحكم التبعية لدار أيضاَ يطبق على البالغ العاقل مجهول الحال . وإليك بعض الأدلة من كلام العلماء  :

يقول ابن قدامة رحمه الله في الشرح الكبير : " (وإن اختلط من يصلى عليه بمن لا يصلى عليه صلي على الجميع ينوي من يصلى عليه) قال أحمد ويجعلهم بينه وبين القبلة ثم يصلي عليهم، وهذا قول مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة إن كان المسلمون أكثر صلى عليهم والا فلا لأن الاعتبار بالاكثر بدليل أن دار المسلمين الظاهر فيها الاسلام لكثرة المسلمين بها وعكسها دار الحرب لكثرة الكفار بها ولنا أنه أمكن الصلاة على المسلمين من غير ضرر فوجب كما لو كانوا أكثر ولانه إذا جاز أن يقصد بصلاته ودعائه الاكثر جاز أن يقصد الاقل ويبطل ما قالوه بما إذا اختلطت أخته بأجنبيات أو ميتة بمذكيات فانه يثبت الحكم للاقل دون الأكثر *

(فصل) * وإن وجد ميت فلم يعلم أمسلم هو أم كافر؟ نظر إلى العلامات من الختان والثياب والخضاب فان لم يكن عليه علامة وكان في دار الاسلام غسل وصلي عليه، وإن كان في دار الكفر لم يغسل ولم يصل عليه، نص عليه أحمد لان الاصل أن من كان في دار فهو من أهلها يثبت له حكمهم ما لم يقم على خلافه دليل.

(الشرح الكبير لابن قدامة ج2ص:385 وكذلك انظر المغني )

ويقول ابن قدامة رحمه الله في المغني : " وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ أَكْثَرَ ، صَلَّى عَلَيْهِمْ ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْأَكْثَرِ ،بِدَلِيلِ أَنَّ دَارَ الْمُسْلِمِينَ الظَّاهِرُ فِيهَا الْإِسْلَامُ ؛ لِكَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ بِهَا ، وَعَكْسُهَا دَارُ الْحَرْبِ ، لِكَثْرَةِ مَنْ بِهَا مِنْ الْكُفَّارِ . "

وجاء أيضا في نفس الكتاب : " فَصْلٌ : وَإِنْ وُجِدَ مَيِّتٌ ، فَلَمْ يُعْلَمْ أَمُسْلِمٌ هُوَ أَمْ كَافِرٌ ، نُظِرَ إلَى الْعَلَامَاتِ ، مِنْ الْخِتَانِ ، وَالثِّيَابِ ، وَالْخِضَابِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ ، وَكَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، غُسِّلَ ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْكُفْرِ ، لَمْ يُغَسَّلْ ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ .نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي دَارٍ ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا ، يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُهُمْ مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى خِلَافِهِ دَلِيلٌ ." المغني : ج4 ص24)

أقول ( ضياء ) : أنتبه هداك الله للدليل المتفق عليه الذي قدمه الإمام أبو حنيفة رحمه الله ليستدل به على مخالفيه  " لان الاعتبار بالاكثر بدليل أن دار المسلمين الظاهر فيها الاسلام لكثرة المسلمين بها وعكسها دار الحرب لكثرة الكفار "

ألا يدل هذا الكلام أن الحكم على الفرد مجهول الحال هو حكم تبعية الدار وحكم الأكثرية ؟ وأن هذا هو الاصل المتفق عليه ؟

وانتبه ايضا لقول ابن قدامة رحمه الله " لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي دَارٍ ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا ، يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُهُمْ مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى خِلَافِهِ دَلِيلٌ ."

وجاء في (كشاف القناع عن متن الإقناع ) " وَإِنْ وُجِدَ مَيِّتٌ فَلَمْ يُعْلَمْ : أَمُسْلِمٌ هُوَ أَمْ كَافِرٌ ؟ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ بِعَلَامَةٍ مِنْ خِتَانٍ وَثِيَابٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ فِي دَارِ إسْلَامٍ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ كُفْرٍ لَمْ يُغْسَلْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ ) لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي دَارٍ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا ، يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُهُمْ ، مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى خِلَافِهِ دَلِيلٌ "    (كشاف القناع عن متن الإقناع ج4 ص 480 )

أقول (ضياء) : أليس هذا الكلام واضح في أن الأصل من كان في دار فهو من أهلها يثبت له حكمهم مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى خِلَافِهِ دَلِيلٌ وأن هذا في المكلف ؟

والمقصود من كلام العالم هنا عند قوله " وَلَمْ يَتَمَيَّزْ بِعَلَامَةٍ مِنْ خِتَانٍ وَثِيَابٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ " المقصود هنا بالعلامة هي العلامة الخاصة بالمسلمين وليس العلامة المشتركة ، لأن العلامة المشتركة لا تكون علامة مميزة ، لهذا قال :   " وَلَمْ يَتَمَيَّزْ بِعَلَامَةٍ " فليس أي علامة يا أبا مريم تميز بين الكافر والمسلم في دار الحرب ، فيجب أن تكون العلامة مميزة غير مشتركة بين الكافر والمسلم لأن العلامة المشتركة لا تعد مميزة .

ويقول الإمام النيسابوري عند تفسيره للآية :]كان الناس أمة واحدة[ (البقرة : 213) يقول:” ومتى كان الناس متفقين على الكفر ، قالوا من وفاة آدم u إلى زمان نوح u، كانوا كفاراً بحكم الأغلب وإن كان فيهم بعض المسلمين كهابيل وشيت وإدريس عليهم السلام، كما يقال دار الكفر وإن كان فيها مسلمين "

أقول : ( ضياء ) : ألا تدل هذه النقولات وغيرها كثير على أن حكم التبعية ليس فقط للطفل والمجنون ؟

 

قولك : " نقول للقدسي هل الطفل غير المميز والمجنون قوله و فعله معتبر في الحكم عليه بالإسلام و الكفر أم لا ؟

فإن قال لا يعتبر هذا ما قررته و نقلت الإجماع عليه بل هو معلوم ضرورة عند كل عاقل أن المجنون والطفل غير المميز لا يعتبر كلامه وأن فعله و قوله لغو وهذا ما نقله شيخ الإسلام رحمه الله بقوله ( و أما المجنون الذي رفع عنه القلم فلا يصح شيء من عباداته باتفاق العلماء‏.‏ ولا يصح منه إيمان و لا كفر و لا صلاة و لا غير ذلك من العبادات ، بل لا يصلح هو عند عامة العقلاء لأمور الدنيا كالتجارة و الصناعة‏ .‏ ) .

فإذا كان لا يعتبر قوله و فعله لا بد إذا من أن يتبع غيره وهذا ما قررته في هذه المسألة فإن كان هناك خلاف في هذه المسألة فلينقل لنا القدسي من خالف في هذه المسألة ."

 

أقول : (  ضياء ) : ومن قال لك أن الطفل والمجنون قوله وفعله معتبر ؟ بل لقد قلت لك عكس ذلك لأن مناط التكليف هو العقل. وهل خلافنا على حكم الطفل أو المجنون ؟

من حكم على الطفل الذي أبويه كافرين بالإسلام لم يحكم عليه من باب أنه مكلف بل حكم عليه إستنادا لدليل الفطرة التي خلقه الله عليها . ولقد قلت لك انك إذا اعتبرت حكم الفترة تابع لحكم التبعية فلا مشكلة في هذا ويكون حينئذ الخلاف بيني وبينك في هذه المسألة خلاف لفظي فقط وأنا لا أركز على مثل هذه الخلافات فإنها غير مهمة من الناحية العملية.  المهم أن الكبير البالغ العاقل لا يأخذ حكم الفطرة . ومن أعطاه حكم الفطرة إستناداً على دليل الفطرة فهو جاهل متعالم .

قولك : " فمن جهة الإجمال العمل بالتبعية لغير المكلف لا يخالف فيه عالم فهو إما أن يكون تبع والديه أو تبع سابيه أو تبع داره لا يخرج عن هذا أبدا و إلا كان مكلفا ."

أقول : ( ضياء ) : قولك " لا يخرج عن هذا ابداً وإلا كان مكلفا" قول غير دقيق . لأن هناك حكم الاقط للقيطة وتبعية الكفيل وحكم الفطرة . وكذلك هناك حكم الطفل المميز العاقل . فالمسألة ليست كما تقررها انت هنا يا أبا مريم .

قال ابن القيم في نقلته انت عنه : "  فإن الطفل يتبع مالكه وسابيه فكذلك يتبع كافله وحاضنه " فهناك تبعية الكفيل والحاضن وهي غير ما ذكرته عند قولك " لا يخرج عن هذا أبدا وإلا كان مكلفا " فأنت لم تذكر إلا تبعية الوالدين والسابي والدار ومع ذلك قلت  " لا يخرج عن هذا أبداً " فهذا كلام غير دقيق .

قولك : " قال ابن القيم رحمه الله ( فإنه قد علم بالاضطرار من شرع الرسول أن أولاد الكفار تبع لآبائهم في أحكام الدنيا و أن أولادهم لا ينزعون منهم إذا كانوا ذمة فإن كانوا محاربين استرقوا و لم يتنازع المسلمون في ذلك لكن تنازعوا في الطفل إذا مات أبواه أو أحدهما هل يحكم بإسلامه وعن أحمد في ذلك ثلاث روايات إحداهن يحكم بإسلامه بموت الأبوين أو أحدهما لقوله فأبواه يهودانه وينصرانه و هذا ليس معه أبواه و هو على الفطرة و هي الإسلام لما تقدم فيكون مسلما والثانية لا يحكم بإسلامه بذلك وهذا قول الجمهور قال شيخنا : "وهذا القول هو الصواب بل هو إجماع قديم من السلف والخلف بل هو ثابت بالسنة التي لا ريب فيها فقد علم أن أهل الذمة كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة و وادي القرى و خيبر و نجران و اليمن وغير ذلك وكان فيهم من يموت وله ولد صغير ولم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام أهل الذمة ولا خلفاؤه وأهل الذمة كانوا في زمانهم طبق الأرض بالشام ومصر والعراق وخراسان وفيهم من يتاماهم عدد كثير ولم يحكموا بإسلام واحد منهم فإن عقد الذمة اقتضى أن يتولى بعضهم بعضا فهم يتولون حضانة يتاماهم كما كان الأبوان يتولون تربيتهم" وأحمد يقول أن الذمي إذا مات ورثه ابنه الطفل مع قوله في إحدى الروايات أنه يصير مسلما لأن أهل الذمة ما زال أولادهم يرثوهم لأن الإسلام حصل مع استحقاق الإرث لم يحصل قبله ونص على أنه إذا مات الذمي عن حمل منه لم يرثه للحكم بإسلامه قبل وضعه وكذلك لو كان الحمل من غيره كما إذا مات وخلف امرأة ابنه أو أخيه حاملا فأسلمت أمه قبل وضعه لم يرثه لأنا حكمنا بإسلامه من حين أسلمت أمه وكذلك هناك حكمنا بإسلامه من حين مات أبوه وقد وافق الإمام أحمد الجمهور على أن الطفل إذا مات أبواه في دار الحرب لا يحكم بإسلامه ولو كان موت الأبوين يجعله مسلما بحكم الفطرة الأولى لم يفترق الحال بين دار الحرب ودار الإسلام لوجود المقتضى للإسلام وهو الفطرة وعدم المانع وهو الأبوان وقد التزم بعض أصحابه الحكم بإسلامه وهو باطل قطعا إذ من المعلوم بالضرورة أن أهل الحرب فيهم من بلغ يتيما لغيره وأحكام الكفار المحاربين جارية عليهم والرواية الثالثة إن كفله أهل دينه فهو باق على دين أبويه و إن كلفه المسلمون فهو مسلم نص عليه في رواية يعقوب بن بحنان كما ذكره الخلال في جامعه عنه قال سئل أبو عبد الله عن جارية نصرانية لقوم فولدت عندهم ثم ماتت ما يكون الولد قال إذا كفله المسلمون ولم يكن له من يكفله إلا هم فهم مسلمون قيل له فإن مات بعد الأم بقليل قال يدفنه المسلمون وقال في رواية أبي الحارث في جارية نصرانية لرجل مسلم لها زوج نصراني فولدت عنده وماتت عند المسلم وبقي ولدها عنده ما يكون حكم هذا الصبي قال إذا كفله المسلمون فهو مسلم وهذه الرواية إن لم يذكرها عامة الأصحاب وهي من جامع الخلال فهي أصح الأقوال في هذه المسألة دليلا وهي التي نختارها وبها تجتمع الأدلة فإن الطفل يتبع مالكه وسابيه فكذلك يتبع كافله وحاضنه فإنه لا يستقل بنفسه بل لا بد له ممن يتبعه ويكون معه فتبعيته لحاضنه وكافله أولى من جعله كافرا بكون أبويه كافرين وقد انقطعت تبعيته لهما   خلاف ما إذا كفله أهل دين الأبوين فإنهم يقومون مقامهما ولا أثر لفقد الأبوين إذا كفله جده أو جدته أو غيرهما من أقاربه فهذا القول أرجح في النظر والله أعلم وليس المقصود ذكر هذه المسائل وما يصير به الطفل مسلما فإنا قد استوفيناها في كتابنا في أحكام أهل الملل بأدلتها واختلاف العلماء من السلف والخلف فيها وذكر مأخذهم وإنما المقصود ذكر الفطرة وأنها هي الحنيفية وأنها لا تنافي القدر  ) .

فالمسألة إذا لا تخرج عن التبعية لأنه غير مكلف فلا بد أن يكون تبع لغيره و هذه التبعية إما أن يكون مسلما فيها تبع للمسلمين أو كافر تبع للكفار و هذا هو الذي فيه التفصيل أما حكم التبعية من جهة الإجمال لا خلاف فيه بين أهل العلم فلا وجه لذكر الخلاف أصلا لأنه لا خلاف فيها  و المقدسي يرد على نفسه بقوله ( و لا يحكم على الطفل أو المجنون بنص أو دلالة لأن مناط التكليف وهو العقل غير موجود . ) فهذا التعليل هو الذي ذكره أهل العلم عندما احتجوا عند العمل بالتبعية .

أقول (ضياء ) : قولك: " فلا بد أن يكون تبع لغيره وهذه التبعية إما أن يكون مسلما فيها تبع للمسلمين أو كافر تبع للكفار " قولك هذا غير دقيق يا أبا مريم . فمن حكم على الطفل بالفطرة هل حكم عليه بتبعية المسلمين أم بتيعية الكفار ؟ لا شك أن حكم الفطرة يختلف عن حكم التبعية فهو حكم للأصل المخلوق عليه . وكون دخول الطفل الجنة حسب فطرته يدل على أنها تختلف عن حكم التبعية لأن بحكم التبعية لا يتقرر جنة ولا نار في الآخرة . على كل أنا لا أريد أن اطيل في هذه المسالة فهي ليست موضوع خلافنا ولا بحثنا .

 

قولك : " والقدسي يناقض نفسه فيقر الإجماع الذي نقله النووي و يقرره يقول القدسي ( أقول : من هذا الكلام نفهم أن الإجماع الذي لا خلاف فيه أن المجنون والصبي غير المميز لا يصح إسلامهما مباشرة بالنص أو الدلالة لأن مناط التكليف وهو العقل غير موجود . ) .

و هذا هو معنى كلامي ( أن الفقهاء مجمعون على أن التبعية لغير المكلفين كالصبي والمجنون ) .

فما هو وجه ذكر أن أهل العلم اختلفوا في الصبي ؟!!! .

 

أقول : ( ضياء ) : أين التناقض يا أبا مريم ؟ القول بعدم  صحة إسلام المجنون والصبي غير المميز لا  يعني عدم  الحكم عليه بالإسلام حسب الفطرة .  صحة الإسلام شيء والحكم عليه بالإسلام شيء آخر . فصحة الإسلام تعتمد على آلة التكليف وهي العقل . وهذه الآلة غير موجودة في المجنون والصبي . أما الحكم عليهما حسب التبعية فهذا أمر آخر له علاقة بالأحكام العملية الدنيوية وليس له علاقة بأحكام الآخرة ولا بصحة إسلام أو كفر . وهذه الأمور ليس مكانها هنا في هذا البحث لهذا لا أركز عليها كثيراً. وكون أن أهل العلم أختلفوا في حكم إسلام الصبي غير المميز ، هذه حقيقة موجودة في كلامهم ، حتى الكلام الذي نقلته أنت عنهم يا أبا مريم . فيه ذكر لهذا الخلاف ، فقط هو من باب تنبيهي لك على عدم دقتك في تعميمم الأحكام والمسائل  .

جاء في فتاوى الرملي ما يلي :

" ( سُئِلَ ) هَلْ الْأَصْلُ فِي كُلِّ مَوْلُودٍ الْإِسْلَامُ أَوْ عَدَمُهُ وَيَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ } ؟ ( فَأَجَابَ ) بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ مَوْلُودٍ الْإِسْلَامُ لِلْحَدِيثِ ثُمَّ إنْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ مُسْلِمٌ فَهُوَ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَإِلَّا فَفِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ دُونَ الدُّنْيَا وَأَمَّا فِي حَقِّ كُلِّ بَالِغٍ فَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ مَنْ بِدَارِنَا الْإِسْلَامُ ." ( فتاوي الرملي )

أقول (ضياء ) : يفهم من هذا الكلام  أن الأصل في حكم كل مولود الإسلام لحديث الفطرة وهذا الحكم هو للآخرة . وأحكام التبعية للطفل هي أحكام دنيوية عملية ليس لها علاقة بأحكام الآخرة . فحكم الفطرة يختلف عن أحكام التبعية ومن أدخل حكم الفطرة في أحكام التبعية فهو لا شك مخطأ . وكذلك  يفهم من هذا الكلام  أن البالغ العاقل مجهول الحال له حكم الدار التي يعيش فيها .

 

قولك : " و أما قول القدسي ( أما إن كان مجهول الحال وكان في دار الإسلام فيأخذ حكم الدار إتفاقاً . ) إن كان يقصد بدارالإسلام أي التي يغلب على أهلها الإنتساب للإسلام فمجهول الحال من غير المكلفين حكمه حكم المسلمين أما إن كانت دار ذمة فهي دار إسلام لأن الكفار أقروا بحكم الإسلام عليهم مقابل دفع الجزية ولكن أهل العلم اختلفوا في حكم اللقيط فيها و لم يجتمعوا قال الشافعية في روضة الطالبين ( الجهة الثالثة تبعية الدار فاللقيط يوجد في دار الإسلام أو دار الكفر.

الحال الأول دار الإسلام وهي ثلاثة أضرب .

أحدها دار يسكنها المسلمون فاللقيط الموجود فيها مسلم وإن كان فيها أهل ذمة تغليباً للإسلام .

الثاني دار فتحها المسلمون و أقروها في يد الكفار بجزية فقد ملكوها أو صالحوهم و لم يملكوها فاللقيط فيها مسلم إن كان فيها مسلم واحد فأكثر وإلا فكافر على الصحيح و قيل مسلم لاحتمال أنه ولد من يكتم إسلامه منهم . ) .

فسمى النووي رحمه الله دار الذمة دار إسلام و مع ذلك لم يجعل حكم من فيها حكم الإسلام بل ذكر الخلاف و قيد الحكم بإسلامه إذا كان فيها مسلم واحد فأكثر و بعضهم حكم بإسلامه حتى لو لم يعلم فيها مسلم لاحتمال وجود مسلم يكتم إيمانه .

قال ابن القيم رحمه الله ( و قالت الحنفية : إن التقطه في دار الإسلام فهو مسلم تبعاً للدار، إلا أن يلتقطه من بيعة أو كنيسة أو قرية من قراهم، فيكون ذمياً ، لأن الظاهر أن أولاد المسلمين لا  يكونون في مواضع أهل الذمة ، و كذلك بالعكس . قالوا : ففي ظاهر الرواية اعتبر المكان دون الواجد، كاللقيط إذا وجده مسلم في دار الحرب. وروى أبو سليمان عن محمد: أنه اعتبر الواجد دون المكان، لأن اليد أقوى، وفي رواية: اعتبر الإسلام نظراً للصغير . ) .

قال ابن قدامة في المغنى (فَصْلٌ : وَلَا يَخْلُو اللَّقِيطُ مِنْ أَنْ يُوجَدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، أَوْ فِي دَارِ الْكُفْرِ ، فَأَمَّا دَارُ الْإِسْلَامِ فَضَرْبَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، دَارٌ اخْتَطَّهَا الْمُسْلِمُونَ ، كَبَغْدَادَ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ ، فَلَقِيطُ هَذِهِ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ وَلِظَاهِرِ الدَّارِ ، وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ .

الثَّانِي دَارٌ فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ ، كَمَدَائِنِ الشَّامِ ، فَهَذِهِ إنْ كَانَ فِيهَا مُسْلِمٌ وَاحِدٌ حُكِمَ بِإِسْلَامِ لَقِيطِهَا ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ الْمُسْلِمِ ، تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ .

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُسْلِمٌ ، بَلْ كُلُّ أَهْلِهَا ذِمَّةٌ حُكِمَ بِكُفْرِهِ ؛ لِأَنَّ تَغْلِيبَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الِاحْتِمَالِ .) .

قال ابن القيم نقلا عن شيخه شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله ( قال شيخنا : "وهذا القول هو الصواب بل هو إجماع قديم من السلف والخلف بل هو ثابت بالسنة التي لا ريب فيها فقد علم أن أهل الذمة كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة و وادي القرى وخيبر ونجران واليمن وغير ذلك وكان فيهم من يموت وله ولد صغير ولم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام أهل الذمة ولا خلفاؤه وأهل الذمة كانوا في زمانهم طبق الأرض بالشام ومصر والعراق وخراسان وفيهم من يتاماهم عدد كثير ولم يحكموا بإسلام واحد منهم فإن عقد الذمة اقتضى أن يتولى بعضهم بعضا فهم يتولون حضانة يتاماهم كما كان الأبوان يتولون تربيتهم" ) .

فابن تيمية رحمه الله يجعل أبناء أهل الذمة و هم في دار الإسلام كفار و ليسوا بمسلمين حتى لو مات الأبوان و أنهم تبع لقومهم حتى لو كانوا في دار الإسلام .

فأهل العلم يجعلون دار الإسلام أكثر من قسم و لا يحكمون لجميعها بنفس الحكم فالشافعية جعلوها ثلاثة أقسام و الحنابلة جعلوها قسمين فالدار التي غالب أهلها مسلمون يحكمون على اللقيط فيها بالإسلام وأما إن كان غالب أهلها أهل ذمة ففيها التفصيل والأحناف فصلوا في المسألة فجعلوا من وجد في مواضع أهل الذمة كبيعة أو كنيسة أو قرية معروفة بأن أهلها أهل ذمة كافر لأن غالب الظن أنه يكون منهم .

 

أقول (ضياء ): أنا هنا يا أبا مريم أتكلم عن مجهول الحال العاقل البالغ ولا أتكلم عن الطفل سؤاء كان لقيطا أو معروف الوالدين . فلا داعي هنا بالإستشهاد بكلام العلماء حول اللقيط

فالبالغ العاقل مجهول الحال يأخذ حكم الأغلبية وهذا متفق عليه بين العلماء  .

"وقال أبو حنيفة إن كان المسلمون أكثر صلي عليهم والا فلا لأن الاعتبار بالاكثر بدليل أن دار المسلمين الظاهر فيها الاسلام لكثرة المسلمين بها وعكسها دار الحرب لكثرة الكفار " (الشرح الكبير لابن قدامة ج2ص:385 )

"لأن الأصل أن من كان في دار فهو من أهلها يثبت له حكمهم ما لم يقم على خلافه دليل." (الشرح الكبير لابن قدامة ج2ص:385 )

" لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي دَارٍ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا ، يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُهُمْ ، مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى خِلَافِهِ دَلِيلٌ " (كشاف القناع عن متن الإقناع ج4 ص 480 )

" لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي دَارٍ ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا ، يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُهُمْ مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى خِلَافِهِ دَلِيلٌ ." ( المغني : ج4 ص24)

يقول الإمام الجصاص :

" ألَا تَرَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي كُلِّ مَنْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الْحَرْبِ يَتَعَلَّقُ بِالْأَعَمِّ الْأَكْثَرِ دُونِ الْأَخَصِّ الْأَقَلِّ حَتَّى صَارَ مَنْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَحْظُورًا قَتْلُهُ ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ فِيهَا مَنْ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ مِنْ مُرْتَدٍّ وَمُلْحِدٍ وَحَرْبِيٍّ ؛ وَمَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ يُسْتَبَاحُ قَتْلُهُ مَعَ مَا فِيهَا مِنْ مُسْلِمٍ تاجِرٍ أَوْ أَسِيرٍ ؟ " ( أحكام القرآن للجصاص )

وقال الإمام السرخسي : " وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُ يُجْعَلُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ بِخِلَافِ مَنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يُجْعَلُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُ . ( المبسوط )

أما بالنسبة لأحكام الاشخاص تبعاً للدار فأقول :

1-دار تجري فيها أحكام الإسلام وغالبية أهلها مسلمين .حكمها : يحكم لكل من لا يعرف حاله فيها بالإسلام ما لم يثبت العكس .

2-دار تجري فيها أحكام الإسلام ، ولكن غالبية أهلها كفار .حكمها :يجب فيها تميز الناس بشعارات ولباس خاص للكفار . وإذا تعذر التميز فالحكم الراجح هو تبعاً للأغلبية .

3-دار تجري فيها أحكام الكفر وغالبية أهلها كفار . حكمها : يحكم على كل من لا يعرف حاله ، بالكفر تبعاً للدار وللأغلبية حتى يتبين العكس .

4-دار تجري فيها أحكام الكفر ، ولكن غالبية أهلها مسلمين . ويحدث هذا في بداية تغلب الكفار على جزء من أرض المسلمين ويجرون عليها أحكامهم. ولا يمكن في هذه الحالة فرض نظام التمييز بين المسلمين والكفار ، لأن الحكم والسيطرة للكفار . فهذه الدار دار مركبة يحكم على الأشخاص فيها كل حسب حاله ويتوقف في الحكم على مجهول الحال فيها حتى يتبين حاله .

قولك : " فقول المقدسي ( لأن هـذا سيعطل كثيراً من الأحكام العملية مثل الإرث وأكل الذبـــيحة وغيره . ) . يدل على جهل بكيفية أنزال أحكام الشرع لأن علة العمل بالتبعية هي عدم اعتبار قول غير المكلف فاعتبرت التبعية أما المكلف فإننا نستطيع أن نعرف دينه بقوله و فعله فذبيحة المكلف مثلا إذا أردنا أن نأكلها نستطيع أن نعرف دينه إذا شككنا في إسلامه بسؤاله أو بسؤال من يعلم حاله و تسليم الإرث كذلك لا يمكن إلا بمعرفة دينه وسؤاله فإذا احتاج المسلم إلى التبين وكان هذا التبين وسيلة إلى واجب يكون هذا التبين واجبا قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً }النساء94

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }الحجرات6 .

و قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }الممتحنة10

فإذا كانت هناك حاجة للتبين والإختبار جاز ذلك فإن النبي صلى الله عليه و سلم كان يختبر النساء اللاتي يهاجرون إليه من مكة خشية أن يكون بعضهن لا يردن الهجرة من أجل الإسلام إما يردن الهجرة من باب الفرار من أزواجهن أو عشقا لبعض المسلمين مثلا قال ابن جرير رحمه الله ( ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ ) النساء( الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ ) من دار الكفر إلى دار الإسلام( فَامْتَحِنُوهُنَّ ) وكانت محنة رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إياهن إذا قَدِمن مهاجرات .

كما حدثنا أَبو كُريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن قيس بن الربيع، عن الأغرّ بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن أَبي نصر الأسديّ، قال: سُئِلَ ابن عباس: كيف كان امتحان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم النساء؟ قال: كان يمتحنهنّ بالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا حبًّا لله ورسوله.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا الحسن بن عطية، عن قيس، قال: أخبرنا الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن أَبي نصر، عن ابن عباس، في( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ) قال كانت المرأة إذا أتت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حلفها بالله ما خرجت... ثم ذكر نحوه .

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، أن عائشة قالت: ما كان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يمتحن المؤمنات إلا بالآية، قال الله:( إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ) ولا ولا".

حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قالت: كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يمتحنّ بقول الله:( يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ ) ... إلى آخر الآية، قالت عائشة: فمن أقرّ بهذا من المؤمنات، فقد أقرّ بالمحبة، فكان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إذا أقررن بذلك من قولهنّ قال لهنّ: انطلقن فقد بايعتكنّ، ولا والله ما مست يد رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يد امرأة قطّ، غير أنه بايعهنّ بالكلام؛ قالت عائشة: والله ما أخذ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على النساء قطّ، إلا بما أمره الله عزّ وجلّ، وكان يقول لهنّ إذا أخذ عليهنّ قد بايعتكنّ كلامًا .

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبى، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ ) ... إلى قوله:( عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) كان امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله:( فَامْتَحِنُوهُنَّ ) قال: سلوهنّ ما جاء بهنّ فإن كان جاء بهنّ غضب على أزواجهنّ، أو سخطة، أو غيره، ولم يؤمنّ، فارجعوهنّ إلى أزواجهنّ.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة( فَامْتَحِنُوهُنَّ ) كانت محنتهنّ أن يستحلفن بالله ما أخرجكنّ النشوز، وما أخرجكنّ إلا حبّ الإسلام وأهله، وحِرْصٌ عليه، فإذا قلن ذلك قُبل ذلك منهنّ.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله:( فَامْتَحِنُوهُنَّ ) قال: يحلفن ما خرجن إلا رغبة في الإسلام، وحبًّا لله ورسوله.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبيه أو عكرِمة( إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ) قال: يقال: ما جاء بك إلا حبّ الله، ولا جاء بك عشق رجل منا، ولا فرارا من زوجك، فذلك قوله:( فَامْتَحِنُوهُنَّ ) .

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد:" كانت المرأة من المشركين إذا غضبت على زوجها، وكان بينه وبينها كلام، قالت: والله لأهاجرنّ إلى محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأصحابه، فقال الله عز وجل:( إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ) إن كان الغضب أتى بها فردّوها، وإن كان الإسلام أتى بها فلا تردّوها .

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشجّ، قال: كان امتحانهنّ إنه لم يخرجك إلا الدين .

و قوله : ( اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ) يقول: الله أعلم بإيمان من جاء من النساء مهاجرات إليكم .

وقوله:( فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ) يقول : فإن أقررن عند المحنة بما يصحّ به عقد الإيمان لهنّ، والدخول في الإسلام، فلا تردوهنّ عند ذلك إلى الكفار. وإنما قيل ذلك للمؤمنين، لأن العهد كان جرى بين رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وبين مشركي قريش في صلح الحديبية أن يرد المسلمون إلى المشركين من جاءهم مسلمًا، فأبطل ذلك الشرط في النساء إذا جئن مؤمنات مهاجرات فامتحنّ، فوجدهنّ المسلمون مؤمنات، وصح ذلك عندهم مما قد ذكرنا قبل، وأمروا أن لا يردّوهنّ إلى المشركين إذا علم أنهنّ مؤمنات، وقال جل ثناؤه لهم:( فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ) يقول: لا المؤمنات حل للكفار، ولا الكفار يحلون للمؤمنات .) انتهى النقل من تفسير بن جرير .

فإذا كانت هناك حاجة للإختبار والإمتحان جاز ذلك فمن علمنا عنه الإنتساب للإسلام و لم نعلم عنه شرك و كانت له ذبيحة أو إرث أو غيرها من الأحكام الشرعية جاز لنا سؤاله واختباره و أهل العلم أنزلوا أحكام التبعية على غير المكلف لأن قوله و فعله غير معتبر فلو سأل مثلا وقال أنا مسلم و كان أبواه كفار لا يجوز بالإجماع الحكم بإسلامه كما أنه من تكلم بالكفر من أطفال المسلمين و مجانينهم لا يجوز الحكم بكفرهم و إنزال أحكام الكفار عليهم أما المكلف إذا سأل و تكلم بالإسلام أو الكفر اعتبر قوله و فعله .

 

أقول (ضياء ): قولك " يدل على جهل بكيفية إنزال أحكام الشرع "

أقول لك يا أبا مريم :  رمتني بدائها وانسلت .

سأثبت لك هنا من الجاهل في كيفية إنزال الأحكام .

المشكلة عندك أنك لا تتصور شخص عاقل بالغ لا يمكن الوصول إليه لمعرفة عقيدته وتعتبر ان علة العمل بالتبعية هي فقط عدم اعتبار قول غير المكلف ، فاعتبرت حكم التبعية فقط للطفل والمجنون . ولم تتصور وجود شخص بالغ عاقل لا يمكن الوصول لحاله ونحتاج إنزال حكم عليه من الناحية العملية . هذا هو سبب جهلك وسبب نسبة الجهل لغيرك .

اسمع لهذا القول وتفكر به لترى مدى جهلك وتسرعك بالحكم علي بالجهل .

قال الإمام النووي رحمه الله في كتاب ( روضة الطالبين وعمدة المفتين ) (كتاب اللُّقَطة)

" فأما إذا بلغ ومات له قريب مسلم قبل أن يفصح بشيء أو أعتق عن الكفارة في هذا الحال فإن قلنا لو أفصح بالكفر كان مرتداً أمضينا أحكام الإسلام ولا تنقض وإن جعلناه كافراً أصلياً فإن أفصح بالكفر تبينا أنه لا إرث ولا إجزاء عن الكفارة وإن فات الإفصاح بموت أو قتل فوجهان أحدهما إمضاء أحكام الإسلام كما لو مات في الصغر وأصحهما نتبين الانتقاض لأن سبب التعبية الصغر وقد زال ولم يظهر في الحال حكمه في نفسه فيرد الأمر إلى الكفر الأصلي وعن القاضي حسين أنه إن مات قبل الإفصاح وبعد البلوغ ورثه قريبه المسلم ولو مات له قريب مسلم فإرثه عنه موقوف قال الإمام أما التوريث منه فيخرج على أنه لو مات قبل الإفصاح هل ينقض الحكم وأما توريثه فإن أراد بالتوقف أنه يقال لو أفصح بالإسلام فهو قريب ويستفاد به الخروج من الخلاف أما لو مات القريب ثم مات هو وفات الإفصاح فلا سبيل إلى الفرق بين توريثه والتوريث عنه ولو قتل بعد البلوغ وقبل الإفصاح ففي تعلق القصاص بقتله قولان أحدهما نعم كما لو قتل قبل البلوغ وأظهرهما لا للشبهة وانقطاع التبعية وأما الدية فالذي أطلقوه وحكوه عن نص الشافعي رضي الله عنه تعلق الدية الكاملة بقتله وقياس قولنا إنه لو أفصح بالكفر كان كافراً أصلياً أن لا نوجب الدية الكاملة على رأي كما أنه إذا فات الإفصاح بالموت يرد الميراث على رأي.

قلت الصواب ما قاله الشافعي والأصحاب رضي الله عنهم والله أعلم.

أقول ( ضياء ) : أنت يا أبا مريم لم تتخيل شخص بالغ عاقل لا نستطيع الوصول لعقيدته لأنزال بعض الإحكام عليه واعتبرت وجود مثل من له هذا الوصف هو محض خيال وهو عدم

فانظر هداك الله لقول الأمام النووي : " فأما إذا بلغ ومات له قريب مسلم قبل أن يفصح بشيء "  " وإن فات الإفصاح بموت أو قتل " " إن مات قبل الإفصاح وبعد البلوغ " " أما لو مات القريب ثم مات هو وفات الإفصاح " " ولو قتل بعد البلوغ وقبل الإفصاح "

ما رأيك في هذه الحالة العملية التي يتحدث عنها العلماء ويعطونها أحكام عملية ؟ أليس هو شخص بالغ عاقل لا نعرف حاله عن طريق النص أو الدلالة ؟ فهل أعتبر عدما كما اعتبرته أنت أم اعطي أحكاماً عملية بغض النظر عن الأختلاف فيها . ؟

إذن ثبت خطأ قولك أنني لا أعرف كيفية إنزال أحكام الشرع ، وأن من لا يعرف هو أنت لأنك لم تتخيل أن هناك شخص بالغ عاقل لا نستطيع أن نصل لعقيدته بنص أو دلالة  ونحتاج مع ذلك  للحكم عليه حكما عملياً كأحكام  الميراث والعتق وما شابه .

أما عن إتيانك بأدلة تبين مشروعية التبين فهذه لا نختلف فيها ولا نختلف بأن من نستطيع أن نعرف عقيدته بنص أو دلالة لا يعطى حكم التبعية . وإنما موصوعنا هو الحكم على الشخص مجهول الحال المكلف الذي تعذر الحكم  عليه بنص أو دلالة وهذا الشخص موجود وله أحكام بينها أئمة الأمة في كتبهم كما بينته لك في المثال السابق ، وإليك مثال آخر ولولا ضيق الوقت وخشية الاسهاب لنقلت لك نقولات كثيرة حول هذه المسألة .

قال الإمام الشافعي رحمه الله : " فلأنَّا لو أوْجَبْنا الدِّيَة في قَتْل المُسْلِم السَّاكِن في دَارِ الحَرْب ، لاحْتَاج مَنْ يريدُ غَزْوَ دَارِ الحَرْب ، إلى أنْ يَبْحَث عَنْ كُلِّ أحدٍ أنه هَلْ هُوَ من المُسْلِمِيِن أمْ لا ، وذَلِكَ مما يَصْعب وَيشقُّ ، فيفضي إلى اْحترازِ النَّاسِ عن الغَزْوِ ، فالأوْلَى سُقُوط الدِّيَة عن قاتِله ؛ لأنَّه الذي أهْدَرَ دَمَ نَفْسِه باخْتِيَار السُّكْنَى في دَارِ الحَرْب " (تفسير الرازي وتفسير اللباب لابن عادل)

أقول (ضياء ) : ألا يدل هذا الكلام على حل دم كل من في دار الحرب ممن لا يعرف إسلامه؟

أم أنك ستقول لي أن هذا الحكم حين تكون هناك دار إسلام ؟

 

قولك : " وأما قول المقدسي ( أما قولك أن حكم التبعية لغير المكلف فقط ، فهذا إن دل على شي فإنه يدل على أنك لا تعرف حكم التبعية وفيما قيلت . فحكم التبعية للدار كما هو لغير المكلف كذلك لمجهول الحال المكلف . فمجهول الحال في دار الإسلام له حكم الدار حتى يثبت العكس ، وكذلك مجهول الحال في دار الحرب له حكم الدار حتى يثبت العكس . وهذا الحكم مأخوذ من حكم التبعية . ) .

 

فهذه دعوى نستطيع أن ندعي أكبر منها و لكن لا بد من دليل على صحة هذه الدعوى فهذا هو الخلاف الذي بيننا و بينك فأنت تبرأت من قولك أن الإحتجاج بكلام أهل العلم في مسألة التبعية لغير المكلفين لأن كلامهم في الطفل غير المميز وفي المجنون لكن لم تذكر لنا ما هو الدليل من الكتاب والسنة على أن المكلف حكمه حكم الدار و يكون تبع للدار وكان الواجب إذا كان عندك الدليل على صحة أصلك أن تذكره هنا لأنك سقت كلاما مجردا من غير دليل و مثل هذا لا يلزم أحد أبدا بل لو جلست بينك و بين نفسك لتقنعها بهذا الكلام بمجرد هذه الدعوى لا تستطيع إقناعها .

فأنت تقول بأنني لا أعرف حكم التبعية و ما قيلت فيه و لكن لم تذكر لنا قول واحد قال بأن حكم التبعية يدخلها المكلف كذلك فاتهام الغير بالجهل من غير دليل من أسهل الأمور و لكن الصعب هو الإثبات بالدليل أن مخالفك جاهل إذا لم يكن عندك الدليل على هذا .

 

أقول : ( ضياء ) : كن متأكدا أنني لا أتهمك جزافاً وليس هذا من شيمي والحمد لله ، وكونك تجهل هذه المسألة لا يعني أنك تجهل غيرها ، ولكن لا بد من وصف الحقائق كما هي. وكونك تجهل حكم التبعية يا أبا مريم هذا امر واضح سهل الأثبات  , ولقد  نقلت لك أكثر  من قول وهنا بعون الله سوف أثبت لك أن هناك من هو مجهول الحال بالغ عاقل وأنه يأخذ حكم الأغلبية في الدار .

1- حادثة أصحاب الكهف :

حدثنا الله سبحانه وتعالى عن فتية آمنوا بربهم الإيمان الصحيح وسط مجتمع أكثر أهله مشركين ، وكان هؤلاء الفتية يكتمون إيمانهم حتى عن بعضهم البعض قبل تعرفهم على بعضهم ، فقد كانوا يخفون إيمانهم عن قومهم وعن كل من لا يعرفون بيقين إسلامه . والمجتمع الذي كانوا يعيشون فيه مجتمع أكثر أهله مشركين ولكن يوجد فيه مسلمون يخفون إيمانهم . كيف تصرفوا حيال الأفراد الذين كانوا يعيشون في مجتمعهم ؟ لا شك أنهم كانوا يحكمون على كل من لا يعرفوه في هذه البلاد بالكفر حتى يثبت لهم براءته من دين قومه . وهذا ثابت في  ما ذكره الله عنهم في القرآن .

قال تعالى  عنهم : فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19)

قال القرطبي رحمه  الله في تفسير " فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا " :

" قوله تعالى: "فلينظر أيها أزكى طعاما" قال ابن عباس: أحل ذبيحة؛ لأن أهل بلدهم كانوا يذبحون على اسم الصنم، وكان فيهم قوم يخفون إيمانهم. ابن عباس: كان عامتهم مجوسا."

وجاء في تفسير فتح القدير للشوكاني عند تفسيره لهذه الأية قوله تعالى (" فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا " :) واستدل بالآية على حل ذبائح أهل الكتاب لأن عامة أهل المدينة كانوا كفاراً وفيهم قوم يخفون إيمانهم ] .

أقول (ضياء ) : فهذه الآية وأقوال المفسرين فيها يدل على أنهم كانوا  يحكمون على كل فرد من قومهم بالكفر ما لم يتبينوا من إيمانه . لهذا وصوا من أرسلوه لشراء اللحم أن يتحقق من الذابح . وهذا أكبر دليل على أن الحكم دائماً حسب الأغلبية .ثم إنهم عندما حكموا على قومهم قالوا : "{هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين} حكموا على قومهم بإنهم اتخذوا من دون الله آلهة مع العلم أنه كان من قومهم من يكتم إسلامه . وهذا دليل على أن الحكم دائما للأغلبية .

قال  الأمام ابن تيمية رحمه الله :[ وكون الأرض دار كفر أو دار إيمان أو دار فاسقين .. ليست صفة لازمة لها ، بل هى صفة عارضة بحسب سُكانها ؛ فكل أرض سكانها المؤمنون المتقون ، هى دار أولياء الله فى ذلك الوقت ، وكل أرض سكانها الكفار فهى دار كفر فى ذلك الوقت ، وكل أرض سكانها الفُساق فهى دار فسوق فى ذلك الوقت ، فإن سكنها غير ماذكرنا وتبدلت بغيرهم فهى دارهم .. وكذلك المسجد إذا تبدل بخمارة أو صار دار فسوق أو دار ظلم أو كنيسة يشرك فيها بالله ،  كان بحسب سكانه .. وكذلك دار الخمر والفسوق ونحوها إذا جعلت مسجداً يعبد الله فيه عز وجل كان بحسب ذلك .. وكذلك الرجل الصالح يصير فاسقاً ، والكافر يصير مؤمنا ، أو المؤمن يصير كافر أو نحو ذلك .. كل بحسب إنـتـقـال الأحوال من حال إلى حال .. وقد قال تعالى :( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة..)الآية. نزلت فى مكة لما كانت دار كفر وهى مازالت فى نفسها خير أرض الله وأحب أرض الله إليه ، وإنما أراد سكانها ..

وقد قال الله تعالى لموسى عليه السلام :( سأوريكم دار الفاسقين )  وهى الدار التى كان بها أولئك العمالقه ، ثم صارت بعد هذا دار المؤمنين وهى الدار التى دل عليها القرآن من الأرض المقدسه ، أرض مصر التى أورثها الله بنى اسرائيل ، ..

.. فأحوال البلاد كأحوال العباد ، فيكون الرجل تارة مسلماً وتارة كافراً ، وتارة مؤمناً وتارة منافقاً ، وتارة بِراً تقياً وتارة فاسقا ، وتارة فاجراً شقياً .. وهكذا المساكن بحسب سُكانها ، فهجرة الأنسان من مكان الكفر والمعاصى إلى مكان الإيمان والطاعة ، كتوبته وانتقاله من الكفر والمعصية إلى الإيمان والطاعة ..وهذا أمر باقي إلى يوم القيامة ، والله تعالى يقول:( والذين امنوا وهاجروا وجاهدوا معكم فاؤلئك منكم) ][مجموع الفتاوى ـ ج18]

أسأل هنا : الفتية أصحاب الكهف ماذا كانوا يحكمون على من لا يعرفونه من قومهم ؟ وكيف كانوا يحكمون عليه بالإسلام ؟

إنظر ماذا يقول ابن كثير رحمه الله :  :" ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف أنهم كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم, وأنهم خرجوا يوماً في بعض أعياد قومهم وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه في ظاهر البلد, وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت, ويذبحون لها, وكان لهم ملك جبار عنيد يقال له دقيانوس,. وكان يأمر الناس بذلك ويحثهم عليه ويدعوهم إليه, فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك, وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم, ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم, عرفوا أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها لا ينبغي إلا الله الذي خلق السموات والأرض, فجعل كل واحد منهم يتخلص من قومه وينحاز منهم ويتبرز عنهم ناحية, فكان أول من جلس منهم وحده أحدهم, جلس تحت ظل شجرة فجاء الاَخر فجلس إليها عنده, وجاء الاَخر فجلس إليهما, وجاء الاَخر فجلس إليهم, وجاء الاَخر وجاء الاَخر, ولا يعرف واحد منهم الاَخر, وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإيمان.كما جاء في الحديث الذين رواه البخاري تعليقاً من حديث يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأرواح جنود مجندة, فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث سهيل عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, والناس يقولون: الجنسية علة الضم, والغرض أنه جعل كل أحد منهم يكتم ما هو عليه عن أصحابه خوفاً منهم, ولا يدري أنهم مثله حتى قال أحدهم: تعلمون والله يا قوم إنه ما أخرجكم من قومكم وأفردكم عنهم إلا شيء, فليظهر كل واحد منكم بأمره, فقال آخر: أما أنا فإني والله رأيت ما قومي عليه فعرفت أنه باطل, وإنما الذي يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به شيء هو الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما, وقال الاَخر: وأنا والله وقع لي كذلك, وقال الاَخر كذلك, حتى توافقوا كلهم على كلمة واحدة, فصاروا يداً واحدة, وإخوان صدق, فاتخذوا لهم معبداً يعبدون الله فيه ." تفسر ابن كثير

 

أقول ( ضياء ) : الشاهد قوله :" فجعل كل واحد منهم يتخلص من قومه وينحاز منهم ويتبرز عنهم ناحية"

هذه إحدى العلامات على الإيمان : التخلص من القوم والإنحياز عنهم .

والشاهد أيضاً قوله : " والغرض أنه جعل كل أحد منهم يكتم ما هو عليه عن أصحابه خوفاً منهم, ولا يدري أنهم مثله "

فهذا القول يدل على أنهم كانوا يخفون إيمانهم عن بعضهم البعض ويحكمون على من لا يعرفون إيمانه بالكفر وحتى من إنحاز عن قومه كانوا لا يتسرعون بالحكم عليه حتى يسألوه لماذا تحيز . لهذا " قال أحدهم: تعلمون والله يا قوم إنه ما أخرجكم من قومكم وأفردكم عنهم إلا شيء "

كيف تعرفوا على بعضهم وأنهم على دين واحد ؟ هذا ظاهر في قولهم : " أما أنا فإني والله رأيت ما قومي عليه فعرفت أنه باطل, وإنما الذي يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به شيء هو الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما, وقال الاَخر: وأنا والله وقع لي كذلك, وقال الاَخر كذلك "

أقول ( ضياء ) :  ألا يدل هذا الكلام أنهم تعرفوا على إيمان بعضهم البعض عن طريق ردهم لدين قومهم ؟  وهذا ما يجب أن يفعله الموحد في هذه المجتمعات التي ينتشر فيها الشرك . حتى يحكم على الشخص الذي لا يعرفه بالإسلام يجب أن يعرف منه براءته من دين قومه أولاً ودخوله لدين الله الحق . أما أن يحكم عليه بالإسلام بدون أن يعرف عنه ذلك أو يحكم عليه بالإسلام بمجرد سماعه منه أي شعيرة من شعائر الإسلام المشتركة بين المشركين من قومه فهذا لا يقدم عليه إلا متلاعب في دين الله أو من لا يفهم أصل الدين .

2-  سيرة الصحابة والتابعين في حروبهم .فقد كانوا يعاملون كل من في دار الحرب معاملة غير المسلم ما لم يثبت العكس ولم يتحروا عن كل شخص بعينه .

والدليل على ذلك :

- قال ابن قدامة رحمه الله :  (فصل) * وإن وجد ميت فلم يعلم أمسلم هو أم كافر؟ نظر إلى العلامات من الختان والثياب والخضاب فان لم يكن عليه علامة وكان في دار الاسلام غسل وصلي عليه، وإن كان في دار الكفر لم يغسل ولم يصل عليه، نص عليه أحمد لأن الأصل أن من كان في دار فهو من أهلها يثبت له حكمهم ما لم يقم على خلافه دليل. (الشرح الكبير لابن قدامة ج2ص:385 )

- "" وَإِنْ وُجِدَ مَيِّتٌ فَلَمْ يُعْلَمْ : أَمُسْلِمٌ هُوَ أَمْ كَافِرٌ ؟ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ بِعَلَامَةٍ مِنْ خِتَانٍ وَثِيَابٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ فِي دَارِ إسْلَامٍ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ كُفْرٍ لَمْ يُغْسَلْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ ) لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي دَارٍ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا ، يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُهُمْ ، مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى خِلَافِهِ دَلِيلٌ " (كشاف القناع عن متن الإقناع ج4 ص 480 )

- " وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ أَكْثَرَ ، صَلَّى عَلَيْهِمْ ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْأَكْثَرِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ دَارَ الْمُسْلِمِينَ الظَّاهِرُ فِيهَا الْإِسْلَامُ ؛ لِكَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ بِهَا ، وَعَكْسُهَا دَارُ الْحَرْبِ ، لِكَثْرَةِ مَنْ بِهَا مِنْ الْكُفَّارِ ." ( المغني : ج4 ص24)

- يقول الإمام النيسابوري عند تفسيره للآية :]كان الناس أمة واحدة [ ( البقرة :213 ) يقول :( ومتى كان الناس متفقين على الكفر، قالوا من وفاة آدم u إلى زمان نوح u، كانوا كفاراً بحكم الأغلب وإن كان فيهم بعض المسلمين كهابيل وشيت وإدريس عليهم السلام، كما يقال دار الكفر وإن كان فيها مسلمين)

جاء في تفسير الطبري عند تفسير قوله تعالى :" فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ "

عن ابن عباس:"فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن"، فإن كان في أهل الحرب وهو مؤمن، فقتله خطأ، فعلى قاتله أن يكفّر بتحرير رقبة مؤمنة، أو صيام شهرين متتابعين، ولا دية عليه.

وقال آخرون: بل عنى به الرجلُ من أهل الحرب يقدَم دار الإسلام فيسلم، ثم يرجع إلى دار الحرب، فإذا مرَّ بهم الجيش من أهل الإسلام هَرَب قومه، وأقام ذلك المسلم منهم فيها، فقتله المسلمون وهم يحسبونه كافرًا." ( تفسير الطبري )

أقول (ضياء) : القتل الخطأ هنا قتله ظانا أنه كافر لوجوده في دار الحرب .

- وجاء في تفسير الرازي :

" إذا ثبت هذا فنقول : كلمة «من» في قوله : { مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ } إما أن يكون المراد منها كون هذا المقتول من سكان دار الحرب ، أو المراد كونه ذا نسب منهم ، والثاني باطل لانعقاد الاجماع على أن المسلم الساكن في دار الاسلام ، وجميع أقاربه يكونون كفارا ، فاذا قتل على سبيل الخطأ وجبت الدية في قتله ، ولما بطل هذا القسم تعين الأول فيكون المراد : وإن كان المقتول خطأ من سكان دار الحرب وهو مؤمن ، فالواجب بسبب قتله الواقع على سبيل الخطأ هو تحرير الرقبة ، فأما وجوب الدية فلا . قال الشافعي رحمه الله : وكما دلت هذه الآية على هذا المعنى فالقياس يقويه ، أما أنه لا تجب الدية فلأنا لو أوجبنا الدية في قتل المسلم الساكن في دار الحرب لاحتاج من يريد غزو دار الحرب إلى أن يبحث عن كل أحد أنه هل هو من المسلمين أم لا ، وذلك مما يصعب ويشق فيفضي ذلك إلى احتراز الناس عن الغزو ، فالأولى سقوط الدية عن قاتله لأنه هو الذي أهدر دم نفسه بسبب اختياره السكنى في دار الحرب "

- وجاء ايضا في  تفسير اللباب لابن عادل :

" قال الشَّافِعِي : كما دَلَّت هذه الآيَةُ على هَذَا المَعْنَى ، فالقياس يُقَوِّيه فأمَّا أنَّه لا تَجِبُ الدِّية ، فلأنَّا لو أوْجَبْنا الدِّيَة في قَتْل المُسْلِم السَّاكِن في دَارِ الحَرْب ، لاحْتَاج مَنْ يريدُ غَزْوَ دَارِ الحَرْب ، إلى أنْ يَبْحَث عَنْ كُلِّ أحدٍ أنه هَلْ هُوَ من المُسْلِمِيِن أمْ لا ، وذَلِكَ مما يَصْعب وَيشقُّ ، فيفضي إلى اْحترازِ النَّاسِ عن الغَزْوِ ، فالأوْلَى سُقُوط الدِّيَة عن قاتِله؛ لأنَّه الذي أهْدَرَ دَمَ نَفْسِه باخْتِيَار السُّكْنَى في دَارِ الحَرْب "

- وجاء في أحكام القرآن للجصاص

"ألَا تَرَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي كُلِّ مَنْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الْحَرْبِ يَتَعَلَّقُ بِالْأَعَمِّ الْأَكْثَرِ دُونِ الْأَخَصِّ الْأَقَلِّ حَتَّى صَارَ مَنْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَحْظُورًا قَتْلُهُ ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ فِيهَا مَنْ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ مِنْ مُرْتَدٍّ وَمُلْحِدٍ وَحَرْبِيٍّ ؛وَمَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ يُسْتَبَاحُ قَتْلُهُ مَعَ مَا فِيهَا مِنْ مُسْلِمٍ تاجِرٍ أَوْ أَسِيرٍ؟"

-  وجاء في المبسوط لسرخسي :

" وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُ يُجْعَلُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ بِخِلَافِ مَنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يُجْعَلُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُ ."

- قال الإمام  الكاساني رحمه الله  :

" وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ يَحِلُّ قَتْلُهُ ، سَوَاءٌ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ ، وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ إلَّا إذَا قَاتَلَ حَقِيقَةً أَوْ مَعْنًى بِالرَّأْيِ وَالطَّاعَةِ و َالتَّحْرِيضِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، فَيُقْتَلُ الْقِسِّيسُ وَالسَّيَّاحُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ ، وَاَلَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ ، وَالْأَصَمُّ وَالْأَخْرَسُ ، وَأَقْطَعُ الْيَدِ الْيُسْرَى ، وَأَقْطَعُ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ ، وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلُوا ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ ، وَلَوْ قُتِلَ وَاحِدٌ مِمَّنْ ذَكَرنَا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ فَلَا شَيْءَ فِيهِ مِنْ دِيَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ ، إلَّا التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ ؛ لِأَنَّ دَمَ الْكَافِرِ لَا يَتَقَوَّمُ إلَّا بِالْأَمَانِ وَلَمْ يُوجَدْ وَأَمَّا حَالَ مَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْقِتَالِ ، وَهِيَ مَا بَعْدَ الْأَسْرِ وَالْأَخْذِ ، فَكُلُّ مَنْ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ فِي حَالِ الْقِتَالِ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْقِتَالِ ، وَكُلُّ مَنْ يَحِلُّ قَتْلُهُ فِي حَالِ الْقِتَالِ إذَا قَاتَلَ حَقِيقَةً أَوْ مَعْنًى ، يُبَاحُ قَتْلُهُ بَعْدَ الْأَخْذِ وَالْأَسْرِ إلَّا الصَّبِيَّ ، وَالْمَعْتُوهَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ قَتْلُهُمَا فِي حَالِ الْقِتَالِ إذَا قَاتَلَا حَقِيقَةً وَمَعْنًى ، وَلَا يُبَاحُ قَتْلُهُمَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْقِتَالِ إذَا أُسِرَا " :( بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع )

- " وَلَوْ أَسْلَمَ حَرْبِيٌّ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا فَقَتَلَهُ مُسْلِمٌ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا الْكَفَّارَةُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَيْهِ الدِّيَةُ مَعَ الْكَفَّارَةِ فِي الْخَطَأِ ، وَالْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ ." :( بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع )

-- وجاء في المبسوط لسرخسي ( كتاب التحري )

" وَالْأَصْلُ فِي الْمَسَائِلِ بَعْدَ هَذَا أَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ لِأَنَّ الْمَغْلُوبَ يَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا فِي مُقَابَلَةِ الْغَالِبِ ، وَالْمُسْتَهْلَكُ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الِاسْمَ لِلْغَالِبِ فَإِنَّ الْحِنْطَةَ لَا تَخْلُو عَنْ حَبَّاتِ الشَّعِيرِ ثُمَّ يُطْلَقُ عَلَى الْكُلِّ اسْمُ الْحِنْطَةِ ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا فِي قَرْيَةٍ عَامَّةُ أَهْلِهَا الْمَجُوسُ : لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِيَ لَحْمًا مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ ذَبِيحَةُ مُسْلِمٍ وَفِي الْقَرْيَةِ الَّتِي عَامَّةُ أَهْلِهَا مُسْلِمُونَ يَحِلُّ ذَلِكَ بِنَاءً لِلْحُكْمِ عَلَى الْغَالِبِ وَيُبَاحُ لِكُلِّ أَحَدٍ الرَّمْيُ فِي دَارِ الْحَرْبِ إلَى كُلِّ مَنْ يَرَاهُ مِنْ بُعْدٍ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ وَلَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ "( المبسوط )

أقول (ضياء) : أنظر لقوله : " وَالْأَصْلُ فِي الْمَسَائِلِ بَعْدَ هَذَا أَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ لِأَنَّ الْمَغْلُوبَ يَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا فِي مُقَابَلَةِ الْغَالِبِ ، وَالْمُسْتَهْلَكُ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومِ "

وقوله : " قَالُوا فِي قَرْيَةٍ عَامَّةُ أَهْلِهَا الْمَجُوسُ : لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِيَ لَحْمًا مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ ذَبِيحَةُ مُسْلِمٍ .

قوله : " وَيُبَاحُ لِكُلِّ أَحَدٍ الرَّمْيُ فِي دَارِ الْحَرْبِ إلَى كُلِّ مَنْ يَرَاهُ مِنْ بُعْدٍ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ "

- وجاء في كتاب المبسوط ( كتاب التحري ):

" وَمِنْ الْمُخْتَلِطِ الَّذِي هُوَ مُنْفَصِلُ الْأَجْزَاءِ مَسْأَلَةُ الْمَوْتَى إذَا اخْتَلَطَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَى الْكُفَّارِ وَهِيَ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ أَيْضًا : فَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِمَوْتَى الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَيُدْفَنُونَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ وَالْغَالِبُ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ ، إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْوِيَ بِصَلَاتِهِ الْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً لِأَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَى التَّمْيِيزِ فِعْلًا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَخُصَّ الْمُسْلِمِينَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ فَإِذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ لَهُ أَنْ يَخُصَّ الْمُسْلِمِينَ بِالنِّيَّةِ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي وُسْعِهِ وَالتَّكْلِيفُ بِحَسَبِ الْوُسْعِ وَنَظِيرُهُ مَا لَوْ تَتَرَّسَ الْمُشْرِكُونَ بِأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَى مَنْ يَرْمِيهِمْ أَنْ يَقْصِدَ الْمُشْرِكِينَ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُصِيبُ الْمُسْلِمَ ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ مَوْتَى الْكُفَّارِ لَا يُصَلَّى عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ إلَّا مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ بِالْعَلَامَةِ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ وَالْغَلَبَةُ لِلْكُفَّارِ هُنَا ، وَإِنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْكَافِرِ لَا تَجُوزُ بِحَالٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا }"

- فَأَمَّا دَارُ الْحَرْبِ ، فَلَا نَحْكُمُ بِإِسْلَامِ وَلَدِ الْكَافِرَيْنِ فِيهَا بِمَوْتِهِمَا ، وَلَا مَوْتِ أَحَدِهِمَا ؛ لِأَنَّ الدَّارَ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ أَهْلِهَا ، وَكَذَلِكَ لَمْ نَحْكُمْ بِإِسْلَامِ لَقِيطِهَا " ( المغني )

الشاهد قوله : " لِأَنَّ الدَّارَ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ أَهْلِهَا "

ومثل هذا الكلام موجود بكثرة في كتب الفقه وأكتفي هنا بهذه النقولات خشية الإطالة . وفي هذا كفاية بل أكثر من كفاية لمن أراد الحق .

 

3- قال محمد بن إبراهيم  عندما سئل عن حل الذبيحة : قال فى ( باب الذكاة ) فصل - لابد من صحة معتقد المذكى - [ يشترط فى القصاب فاضل الدين أن يكون مسلماً صحيح                                   المعتقد ينكر الخرافات كعبادة القبور وغيرها مما يعبد من دون الله . وينكر جميع المعتقدات والبدع الكفرية كمعتقد القادينية والرافضة الواثنية وغيرها . ولا يكتفى فى حل ذبيحته بمجرد الإنتساب إلى الإسلام والنطق بالشهادتين وفعل الصلاة وغيرها من أركان الإسلام مع عدم الشروط التى ذكرناها .

فإن كثيراً من الناس ينتسبون إلى الإسلام وينطقون بالشهادتين ويؤدون أركان الإسلام الظاهرة ولايكتفى بذلك فى الحكم بإسلامهم ولاتحل ذكاتهم لشركهم بالله فى العبادة بدعاء الأنبياء والصالحين والإستغاثة بهم وغير ذلك من أسباب الردة عن الإسلام . وهذا التفريق بين المنتسبين إلى الإسلام أمر معلوم بلأدلة من الكتاب والسنة وإجماع  سلف الأمة وأئمتها .

ثم ماذكرنا من الأمور المطلوبة فى هذا القصاب ، يعتبرفى تبوثها ، نقل عدل ثقة يعلم حقيقة ذلك من هذا الرجل وينقله الثقة عن هذا العدل حتى يصل إلى من يثبت لديه ذلك حكماً ممن يعتمد على ثبوته عنده شرعاً ] فتاوى الشيخ ج12 / و عقيدة الموحدين .

 

نقل أبو مريم ما يلي بعد كلامه السابق يستشهد على صحة ما ذهب إليه :

"قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله ( و كذلك من لا يصح إيمانه وعباداته وإن قدر أنه لا إثم عليه مثل أطفال الكفار ومن لم تبلغه الدعوة ـ و إن قيل‏:‏ إنهم لا يعذبون حتى يرسل إليهم رسولًا ـ فلا يكونون من أولياء الله إلا إذا كانوا من المؤمنين المتقين ؛ فمن لم يتقرب إلى الله لا بفعل الحسنات ولا يترك السيئات لم يكن من أولياء الله‏.‏ و كذلك المجانين والأطفال ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏رفع القلم عن ثلاثة‏:‏ عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبى حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ‏)‏‏.‏

و هذا الحديث قد رواه أهل السـنن من حديث علي وعائشة ـ رضي الله عنهما ـ و اتفق أهل المعرفة على تلقيه بالقبول‏ .‏ لكن الصبي المميز تصح عباداته و يثاب عليها عند جمهور العلماء‏.‏ وأما المجنون الذي رفع عنه القلم فلا يصح شيء من عباداته باتفاق العلماء‏.‏ ولا يصح منه إيمان و لا كفر و لا صلاة و لا غير ذلك من العبادات ، بل لا يصلح هو عند عامة العقلاء لأمور الدنيا كالتجارة و الصناعة‏ .‏ فلا يصلح أن يكون بزازًا ولا عطارًا ولا حدادًا ولا نجارًا ولا تصح عقوده باتفاق العلماء‏.‏ فلا يصح بيعه ولا شراؤه ولا نكاحه ولا طلاقه ولا إقراره ولا شهادته، ولا غير ذلك من أقواله، بل أقواله كلها لغو لا يتعلق بها حكم شرعي، ولا ثواب ولا عقاب‏.‏ بخلاف الصبى المميز فإن له أقوالًا معت&