|
يقول أبو مريم :
"
الخطأ الثاني جعل التبعية في المكلف
وهذا خلاف ما أجمع عليه
الفقهاء فإن
الفقهاء مجمعون على أن التبعية لغير المكلفين كالصبي و المجنون
و كذلك مجمعون على أن الصبي متى ما بلغ وعقل أنه يؤخذ بقوله و
فعله في الإيمان و الكفر و مختلفون في الصبي المميز هل يؤخذ
بقوله وفعله في الإيمان و الكفر ."
أقول بعون الله : قولك
" أن الفقهاء مجمعون على
أن التبعية لغير المكلفين
كالصبي والمجنون "
القول
هذا غير صحيح ولا يقوله من يعرف حكم التبعية وكلام الفقهاء فيه
. فالفقهاء لم يجمعوا على أن التبعية لغير المكلفين كالصبي
والمجنون فقط . ومن أين جئت بهذا الإجماع . فهم أيضاً مختلفون
في حكم التبعية للصبي .
أما
قولك أن حكم التبعية لغير المكلف فقط ، فهذا إن دل على شي فإنه
يدل على أنك لا تعرف حكم التبعية و فيما قيلت . فحكم التبعية
للدار كما هو لغير المكلف كذلك لمجهول الحال المكلف . فمجهول
الحال في دار الإسلام له حكم الدار حتى يثبت العكس ، وكذلك
مجهول الحال في دار الحرب له حكم الدار حتى يثبت العكس . وهذا
الحكم مأخوذ من حكم التبعية .
أما
غير المكلف فهو ينقسم إلى قسمين : 1- معلوم الوالدين 2- مجهول
الوالدين .
فمعلوم الوالدين له حكم الإسلام إذا كان أباه أو أمه مسلمين .
وهذا الحكم متفق عليه . أما إذا كانا غير مسلمين ففيه خلاف بين
العلماء ، منهم من أعطاه حكم الأبوين تبعاً ومنهم من أعطاه حكم
الفطرة ، والأرجح أن له حكم تبعية الوالدين .
أما
إن كان مجهول الحال وكان في دار الإسلام فيأخذ حكم الدار
إتفاقاً . وأما إن كان في دار الحرب ففيه إختلاف بين العلماء
منهم من يعطيه حكم تبعية الدار ومنهم من يعطيه حكم الفطرة .
وكل يستند لدليل صحيح ولم يكفر بعضهم البعض .
ولا
يحكم على الطفل أو المجنون بنص أو دلالة لأن مناط التكليف وهو
العقل غير موجود
فإذا
بلغ الصبي وعقل وكان بالإمكان معرفة حاله بنص أو دلالة ، يحكم
عليه في هذه الحالة بالنص أو الدلالة ولا يحكم عليه بحكم
التبعية أو حكم الفطرة . أما إذا لم يمكن أو تعذر معرفة حاله
بنص أو دلالة يحكم عليه بحكم تبعية الدار ، ولا يحكم عليه بحكم
الفطرة لأنه قد بلغ وعقل ، وحكم الفطرة للصغير فقط . والحكم
عليه ضروري من الناحية العملية .. لأن هناك أحكام عملية تستند
على هذا الحكم . فلا يوجد في الإسلام من ليس له حكم من الناحية
العملية ، لأن هذا سيعطل كثيراً من الأحكام العملية مثل الإرث
وأكل الذبيحة وغيره .
والمجنون إذا كان مسلماً قبل الجنون يحكم عليه بالإسلام وإذا
كان كافرا قبل الجنون يحكم عليه بالكفر ظاهراً استتباعاً للأصل
.
قال
أبو مريم : أما قوله أن العلماء مختلفون في مسألة تبعية الصبي
إن كان يقصد الصبي المميز لا أخالفه فيه أما إن كان غير
المميز فأهل العلم مجمعون على أنه يحكم له بحكم التبعية على
تفصيل وخلاف في هذه المسألة لا مجال لذكره هنا و قد ذكرته
في أكثر من رد في هذه المسألة و كلامي مقيد بغير المكلفين
كالصبي و المجنون أما من اختلف في تكليفه فهذا فيه الخلاف
فالإجماع إذا صحيح لأن علة التبعية التكليف فإذا وجد التكليف
انتفت التبعية و إذا انتفى التكليف وجدت التبعية فإن الحكم
يدور مع علته وجودا وعدما .
أقول
( ضياء) : اعلم أنه حتى الطفل غير المميز قد أختلف العلماء في
حكمه . ولا يوجد إجماع في ذلك. إلا إذا كان عندك أن من حكم على
الطفل بحكم الفطرة فهو قد حكم عليه بحكم التبعية . تبعية
الفطرة ، فهنا يستقيم القول بأن الطفل له حكم التبعية بالإجماع
. تبعية الأب ، تبعية السابي تبعية الواجد للقيط ، تبعية
الفطرة . في هذه الحالة لا أخالفك . ولكن هل الحكم استناداَ
على الفطرة هو حكم بالتبعية أم لا ؟ فإذا قلت نعم هو حكم
بالتبعية يكون عندها الخلاف بيني وبينك لفظي في هذه المسألة
وهذا ليس مهما . وأنا اعتبر الحكم حسب الفطرة هو حكم على الأصل
المخلوق عليه الطفل فهو عائد للطفل وهذا الحكم لا يشبه الحكم
بالتبعية لأن الحكم بالتبعية ليس له علافة بطبيعة الطفل فهو
شيئ منفصل عنه ، لهذا قلت لك هناك إختلاف في حكم الطفل غير
المميز أيضا بناء على الحكم بالفطرة . وحكم الفطرة يدخل الطفل
الجنة أما حكم التبعية فلا .
أما قولك : "
فإذا وجد التكليف انتفت التبعية
وإذا انتفى التكليف وجدت التبعية فإن الحكم يدور مع علته وجودا
و عدما ."
فكلام غير صحيح يدل على عدم
استيعابك لحكم التبعية .
فحكم التبعية لدار
أيضاَ يطبق على البالغ العاقل مجهول الحال . وإليك بعض الأدلة
من كلام العلماء :
يقول
ابن قدامة رحمه الله في الشرح الكبير : " (وإن اختلط من يصلى
عليه بمن لا يصلى عليه صلي على الجميع ينوي من يصلى عليه) قال
أحمد ويجعلهم بينه وبين القبلة ثم يصلي عليهم، وهذا قول مالك
والشافعي، وقال أبو حنيفة إن كان المسلمون أكثر صلى عليهم والا
فلا لأن الاعتبار بالاكثر
بدليل أن دار المسلمين الظاهر فيها الاسلام لكثرة المسلمين بها
وعكسها دار الحرب لكثرة الكفار بها ولنا أنه أمكن
الصلاة على المسلمين من غير ضرر فوجب كما لو كانوا أكثر ولانه
إذا جاز أن يقصد بصلاته ودعائه الاكثر جاز أن يقصد الاقل ويبطل
ما قالوه بما إذا اختلطت أخته بأجنبيات أو ميتة بمذكيات فانه
يثبت الحكم للاقل دون الأكثر *
(فصل) * وإن وجد ميت فلم يعلم
أمسلم هو أم كافر؟ نظر إلى العلامات من الختان والثياب والخضاب
فان لم يكن عليه علامة وكان في دار الاسلام غسل وصلي عليه، وإن
كان في دار الكفر لم يغسل ولم يصل عليه،
نص عليه أحمد لان الاصل أن من
كان في دار فهو من أهلها يثبت له حكمهم ما لم يقم على خلافه
دليل.
(الشرح الكبير لابن قدامة ج2ص:385 وكذلك انظر المغني )
ويقول ابن قدامة رحمه الله في المغني : " وَقَالَ أَبُو
حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ أَكْثَرَ ، صَلَّى
عَلَيْهِمْ ، وَإِلَّا فَلَا ؛
لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ
بِالْأَكْثَرِ ،بِدَلِيلِ أَنَّ دَارَ الْمُسْلِمِينَ
الظَّاهِرُ فِيهَا الْإِسْلَامُ ؛ لِكَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ
بِهَا ، وَعَكْسُهَا دَارُ الْحَرْبِ ، لِكَثْرَةِ مَنْ بِهَا
مِنْ الْكُفَّارِ . "
وجاء
أيضا في نفس الكتاب : " فَصْلٌ : وَإِنْ وُجِدَ مَيِّتٌ ،
فَلَمْ يُعْلَمْ أَمُسْلِمٌ هُوَ أَمْ كَافِرٌ ، نُظِرَ إلَى
الْعَلَامَاتِ ، مِنْ الْخِتَانِ ، وَالثِّيَابِ ،
وَالْخِضَابِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ ،
وَكَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، غُسِّلَ ، وَصُلِّيَ
عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْكُفْرِ ، لَمْ يُغَسَّلْ
، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ .نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛
لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ
مَنْ كَانَ فِي دَارٍ ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا ، يَثْبُتُ لَهُ
حُكْمُهُمْ مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى خِلَافِهِ دَلِيلٌ ."
المغني : ج4 ص24)
أقول ( ضياء ) : أنتبه هداك
الله للدليل المتفق عليه الذي قدمه الإمام أبو حنيفة رحمه الله
ليستدل به على مخالفيه "
لان الاعتبار بالاكثر بدليل أن
دار المسلمين الظاهر فيها الاسلام لكثرة المسلمين بها وعكسها
دار الحرب لكثرة الكفار
"
ألا
يدل هذا الكلام أن الحكم على الفرد مجهول الحال هو حكم تبعية
الدار وحكم الأكثرية ؟ وأن هذا هو الاصل المتفق عليه ؟
وانتبه ايضا لقول ابن قدامة رحمه الله "
لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ
مَنْ كَانَ فِي دَارٍ ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا ، يَثْبُتُ لَهُ
حُكْمُهُمْ مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى خِلَافِهِ دَلِيلٌ ."
وجاء في (كشاف
القناع عن متن الإقناع
)
" وَإِنْ وُجِدَ مَيِّتٌ فَلَمْ
يُعْلَمْ : أَمُسْلِمٌ هُوَ أَمْ كَافِرٌ ؟ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ
بِعَلَامَةٍ مِنْ خِتَانٍ وَثِيَابٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ
كَانَ فِي دَارِ إسْلَامٍ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَإِنْ
كَانَ فِي دَارِ كُفْرٍ لَمْ يُغْسَلْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ
) لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ
مَنْ كَانَ فِي دَارٍ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا ، يَثْبُتُ لَهُ
حُكْمُهُمْ ، مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى خِلَافِهِ دَلِيلٌ "
(كشاف القناع عن متن الإقناع ج4 ص 480 )
أقول
(ضياء) : أليس هذا الكلام واضح في أن الأصل من كان في دار فهو
من أهلها يثبت له حكمهم مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى خِلَافِهِ
دَلِيلٌ وأن هذا في المكلف ؟
والمقصود من كلام العالم هنا عند قوله " وَلَمْ يَتَمَيَّزْ
بِعَلَامَةٍ مِنْ خِتَانٍ وَثِيَابٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ " المقصود
هنا بالعلامة هي العلامة الخاصة بالمسلمين وليس العلامة
المشتركة ، لأن العلامة المشتركة لا تكون علامة مميزة ، لهذا
قال : " وَلَمْ
يَتَمَيَّزْ بِعَلَامَةٍ " فليس أي علامة يا أبا مريم
تميز بين الكافر والمسلم في دار الحرب ، فيجب أن تكون العلامة
مميزة غير مشتركة بين الكافر والمسلم لأن العلامة المشتركة لا
تعد مميزة .
ويقول الإمام النيسابوري عند
تفسيره للآية :]كان
الناس أمة واحدة[
(البقرة : 213) يقول:” ومتى كان الناس متفقين على الكفر ،
قالوا من وفاة آدم
u
إلى زمان نوح
u،
كانوا كفاراً بحكم الأغلب
وإن كان فيهم بعض المسلمين
كهابيل وشيت وإدريس عليهم السلام، كما يقال دار الكفر وإن كان
فيها مسلمين "
أقول
: ( ضياء ) : ألا تدل هذه النقولات وغيرها كثير على أن حكم
التبعية ليس فقط للطفل والمجنون ؟
قولك :
" نقول للقدسي هل الطفل غير المميز والمجنون قوله و فعله معتبر
في الحكم عليه بالإسلام و الكفر أم لا ؟
فإن
قال لا يعتبر هذا ما قررته و نقلت الإجماع عليه بل هو معلوم
ضرورة عند كل عاقل أن المجنون والطفل غير المميز لا يعتبر
كلامه وأن فعله و قوله لغو وهذا ما نقله شيخ الإسلام رحمه الله
بقوله ( و أما المجنون الذي رفع عنه القلم فلا يصح شيء من
عباداته باتفاق العلماء. ولا يصح منه إيمان و لا كفر و لا
صلاة و لا غير ذلك من العبادات ، بل لا يصلح هو عند عامة
العقلاء لأمور الدنيا كالتجارة و الصناعة . ) .
فإذا
كان لا يعتبر قوله و فعله لا بد إذا من أن يتبع غيره وهذا ما
قررته في هذه المسألة فإن كان هناك خلاف في هذه المسألة فلينقل
لنا القدسي من خالف في هذه المسألة ."
أقول
: ( ضياء ) : ومن قال لك أن الطفل والمجنون قوله وفعله معتبر
؟ بل لقد قلت لك عكس ذلك لأن مناط التكليف هو العقل. وهل
خلافنا على حكم الطفل أو المجنون ؟
من
حكم على الطفل الذي أبويه كافرين بالإسلام لم يحكم عليه من باب
أنه مكلف بل حكم عليه إستنادا لدليل الفطرة التي خلقه الله
عليها . ولقد قلت لك انك إذا اعتبرت حكم الفترة تابع لحكم
التبعية فلا مشكلة في هذا ويكون حينئذ الخلاف بيني وبينك في
هذه المسألة خلاف لفظي فقط وأنا لا أركز على مثل هذه الخلافات
فإنها غير مهمة من الناحية العملية. المهم أن الكبير البالغ
العاقل لا يأخذ حكم الفطرة . ومن أعطاه حكم الفطرة إستناداً
على دليل الفطرة فهو جاهل متعالم .
قولك
: " فمن جهة الإجمال العمل
بالتبعية لغير المكلف لا يخالف فيه عالم فهو إما أن يكون تبع
والديه أو تبع سابيه أو تبع داره لا يخرج عن هذا أبدا و
إلا كان مكلفا ."
أقول : ( ضياء )
:
قولك " لا يخرج عن هذا ابداً وإلا كان مكلفا"
قول غير دقيق .
لأن هناك حكم الاقط للقيطة وتبعية الكفيل وحكم الفطرة . وكذلك
هناك حكم الطفل المميز العاقل . فالمسألة ليست كما تقررها انت
هنا يا أبا مريم .
قال ابن القيم في نقلته انت عنه
: "
فإن الطفل يتبع مالكه وسابيه
فكذلك يتبع كافله وحاضنه "
فهناك تبعية الكفيل والحاضن وهي
غير ما ذكرته عند قولك
"
لا يخرج عن هذا أبدا وإلا
كان مكلفا "
فأنت لم تذكر إلا تبعية
الوالدين والسابي والدار ومع ذلك قلت
" لا يخرج عن هذا أبداً "
فهذا كلام غير دقيق
.
قولك :
" قال ابن القيم رحمه الله ( فإنه قد علم بالاضطرار من شرع
الرسول أن أولاد الكفار تبع لآبائهم في أحكام الدنيا و أن
أولادهم لا ينزعون منهم إذا كانوا ذمة فإن كانوا
محاربين استرقوا و لم يتنازع المسلمون في ذلك لكن تنازعوا في
الطفل إذا مات أبواه أو أحدهما هل يحكم بإسلامه وعن أحمد في
ذلك ثلاث روايات إحداهن يحكم بإسلامه بموت الأبوين أو أحدهما
لقوله فأبواه يهودانه وينصرانه و هذا ليس معه أبواه و هو على
الفطرة و هي الإسلام لما تقدم فيكون مسلما والثانية لا يحكم
بإسلامه بذلك وهذا قول الجمهور قال شيخنا : "وهذا القول هو
الصواب بل هو إجماع قديم من السلف والخلف بل هو ثابت بالسنة
التي لا ريب فيها فقد علم أن أهل الذمة كانوا على عهد رسول
الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة و وادي القرى و خيبر و نجران
و اليمن وغير ذلك وكان فيهم من يموت وله ولد صغير ولم يحكم
النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام أهل الذمة ولا خلفاؤه
وأهل الذمة كانوا في زمانهم طبق الأرض بالشام ومصر والعراق
وخراسان وفيهم من يتاماهم عدد كثير ولم يحكموا بإسلام واحد
منهم فإن عقد الذمة اقتضى أن يتولى بعضهم بعضا فهم يتولون
حضانة يتاماهم كما كان الأبوان يتولون تربيتهم" وأحمد يقول أن
الذمي إذا مات ورثه ابنه الطفل مع قوله في إحدى الروايات أنه
يصير مسلما لأن أهل الذمة ما زال أولادهم يرثوهم لأن الإسلام
حصل مع استحقاق الإرث لم يحصل قبله ونص على أنه إذا مات الذمي
عن حمل منه لم يرثه للحكم بإسلامه قبل وضعه وكذلك لو كان الحمل
من غيره كما إذا مات وخلف امرأة ابنه أو أخيه حاملا فأسلمت أمه
قبل وضعه لم يرثه لأنا حكمنا بإسلامه من حين أسلمت أمه وكذلك
هناك حكمنا بإسلامه من حين مات أبوه وقد وافق الإمام أحمد
الجمهور على أن الطفل إذا مات أبواه في دار الحرب لا يحكم
بإسلامه ولو كان موت الأبوين
يجعله مسلما بحكم الفطرة الأولى لم يفترق الحال بين دار الحرب
ودار الإسلام لوجود المقتضى للإسلام وهو الفطرة وعدم المانع
وهو الأبوان وقد التزم بعض أصحابه الحكم بإسلامه وهو باطل قطعا
إذ من المعلوم بالضرورة
أن أهل الحرب فيهم من بلغ يتيما لغيره وأحكام الكفار المحاربين
جارية عليهم والرواية الثالثة إن كفله أهل دينه فهو
باق على دين أبويه و إن كلفه المسلمون فهو مسلم نص عليه في
رواية يعقوب بن بحنان كما ذكره الخلال في جامعه عنه قال سئل
أبو عبد الله عن جارية نصرانية لقوم فولدت عندهم ثم ماتت ما
يكون الولد قال إذا كفله المسلمون ولم يكن له من يكفله إلا هم
فهم مسلمون قيل له فإن مات بعد الأم بقليل قال يدفنه المسلمون
وقال في رواية أبي الحارث في جارية نصرانية لرجل مسلم لها زوج
نصراني فولدت عنده وماتت عند المسلم وبقي ولدها عنده ما يكون
حكم هذا الصبي قال إذا كفله المسلمون فهو مسلم وهذه الرواية إن
لم يذكرها عامة الأصحاب وهي من جامع الخلال فهي أصح الأقوال في
هذه المسألة دليلا وهي التي نختارها وبها تجتمع الأدلة
فإن الطفل يتبع مالكه وسابيه
فكذلك يتبع كافله وحاضنه فإنه لا يستقل بنفسه بل لا بد له ممن
يتبعه ويكون معه فتبعيته لحاضنه وكافله أولى من جعله كافرا
بكون أبويه كافرين وقد انقطعت تبعيته لهما خلاف ما
إذا كفله أهل دين الأبوين فإنهم يقومون مقامهما ولا أثر لفقد
الأبوين إذا كفله جده أو جدته أو غيرهما من أقاربه فهذا القول
أرجح في النظر والله أعلم وليس المقصود ذكر هذه المسائل وما
يصير به الطفل مسلما فإنا قد استوفيناها في كتابنا في أحكام
أهل الملل بأدلتها واختلاف العلماء من السلف والخلف فيها وذكر
مأخذهم وإنما المقصود ذكر الفطرة وأنها هي الحنيفية وأنها لا
تنافي القدر ) .
فالمسألة إذا لا تخرج عن
التبعية لأنه غير مكلف فلا بد أن يكون تبع لغيره و هذه التبعية
إما أن يكون مسلما فيها تبع للمسلمين أو كافر تبع للكفار و هذا
هو الذي فيه التفصيل أما حكم التبعية من جهة الإجمال لا خلاف
فيه بين أهل العلم فلا وجه لذكر الخلاف أصلا لأنه لا خلاف
فيها
و المقدسي يرد على نفسه بقوله (
و لا يحكم على الطفل أو المجنون بنص أو دلالة لأن مناط التكليف
وهو العقل غير موجود . ) فهذا التعليل هو الذي ذكره أهل العلم
عندما احتجوا عند العمل بالتبعية .
أقول (ضياء ) : قولك:
"
فلا بد أن يكون تبع لغيره وهذه
التبعية إما أن يكون مسلما فيها تبع للمسلمين أو كافر تبع
للكفار "
قولك هذا غير دقيق يا أبا مريم
. فمن حكم على الطفل بالفطرة هل حكم عليه بتبعية المسلمين أم
بتيعية الكفار ؟ لا شك أن حكم الفطرة يختلف عن حكم التبعية فهو
حكم للأصل المخلوق عليه . وكون دخول الطفل الجنة حسب فطرته يدل
على أنها تختلف عن حكم التبعية لأن بحكم التبعية لا يتقرر جنة
ولا نار في الآخرة . على كل أنا لا أريد أن اطيل في هذه
المسالة فهي ليست موضوع خلافنا ولا بحثنا .
قولك :
"
والقدسي يناقض نفسه فيقر
الإجماع الذي نقله النووي و يقرره يقول القدسي
( أقول : من هذا الكلام نفهم أن
الإجماع الذي لا خلاف فيه أن المجنون والصبي غير المميز لا يصح
إسلامهما مباشرة بالنص أو الدلالة لأن مناط التكليف وهو العقل
غير موجود . ) .
و هذا هو معنى كلامي ( أن
الفقهاء مجمعون على
أن التبعية لغير المكلفين كالصبي والمجنون ) .
فما
هو وجه ذكر أن أهل العلم اختلفوا في الصبي ؟!!! .
أقول
: ( ضياء ) : أين التناقض يا أبا مريم ؟ القول بعدم صحة إسلام
المجنون والصبي غير المميز لا يعني عدم الحكم عليه بالإسلام
حسب الفطرة . صحة الإسلام شيء والحكم عليه بالإسلام شيء آخر .
فصحة الإسلام تعتمد على آلة التكليف وهي العقل . وهذه الآلة
غير موجودة في المجنون والصبي . أما الحكم عليهما حسب التبعية
فهذا أمر آخر له علاقة بالأحكام العملية الدنيوية وليس له
علاقة بأحكام الآخرة ولا بصحة إسلام أو كفر . وهذه الأمور ليس
مكانها هنا في هذا البحث لهذا لا أركز عليها كثيراً. وكون أن
أهل العلم أختلفوا في حكم إسلام الصبي غير المميز ، هذه حقيقة
موجودة في كلامهم ، حتى الكلام الذي نقلته أنت عنهم يا أبا
مريم . فيه ذكر لهذا الخلاف ، فقط هو من باب تنبيهي لك على عدم
دقتك في تعميمم الأحكام والمسائل .
جاء
في فتاوى الرملي ما يلي :
" (
سُئِلَ ) هَلْ الْأَصْلُ فِي كُلِّ مَوْلُودٍ الْإِسْلَامُ
أَوْ عَدَمُهُ وَيَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى
الْفِطْرَةِ } ؟ ( فَأَجَابَ )
بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ
مَوْلُودٍ الْإِسْلَامُ لِلْحَدِيثِ ثُمَّ إنْ كَانَ
لَهُ أَصْلٌ مُسْلِمٌ فَهُوَ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ فِي
الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَإِلَّا فَفِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ
دُونَ الدُّنْيَا وَأَمَّا
فِي حَقِّ كُلِّ بَالِغٍ فَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ مَنْ
بِدَارِنَا الْإِسْلَامُ ." ( فتاوي الرملي )
أقول
(ضياء ) : يفهم من هذا الكلام أن الأصل في حكم كل مولود
الإسلام لحديث الفطرة وهذا الحكم هو للآخرة . وأحكام التبعية
للطفل هي أحكام دنيوية عملية ليس لها علاقة بأحكام الآخرة .
فحكم الفطرة يختلف عن أحكام التبعية ومن أدخل حكم الفطرة في
أحكام التبعية فهو لا شك مخطأ . وكذلك يفهم من هذا الكلام أن
البالغ العاقل مجهول الحال له حكم الدار التي يعيش فيها .
قولك :
" و أما قول القدسي (
أما إن كان مجهول الحال وكان في دار الإسلام فيأخذ حكم الدار
إتفاقاً . )
إن كان يقصد بدارالإسلام أي
التي يغلب على أهلها الإنتساب للإسلام فمجهول الحال من غير
المكلفين حكمه حكم المسلمين أما إن كانت دار ذمة فهي دار إسلام
لأن الكفار أقروا بحكم الإسلام عليهم مقابل دفع الجزية ولكن
أهل العلم اختلفوا في حكم اللقيط فيها و لم يجتمعوا قال
الشافعية في روضة الطالبين (
الجهة الثالثة تبعية الدار
فاللقيط يوجد في دار الإسلام أو دار الكفر.
الحال الأول دار الإسلام وهي ثلاثة أضرب .
أحدها دار يسكنها المسلمون فاللقيط الموجود فيها مسلم وإن كان
فيها أهل ذمة تغليباً للإسلام .
الثاني دار فتحها المسلمون و
أقروها في يد الكفار بجزية فقد ملكوها أو صالحوهم و لم يملكوها
فاللقيط فيها مسلم إن كان فيها مسلم واحد فأكثر وإلا فكافر على
الصحيح و قيل مسلم لاحتمال أنه ولد من يكتم إسلامه منهم . )
.
فسمى النووي رحمه الله دار
الذمة دار إسلام و مع ذلك لم يجعل حكم من فيها حكم الإسلام بل
ذكر الخلاف و قيد الحكم بإسلامه إذا كان فيها مسلم
واحد فأكثر و بعضهم
حكم بإسلامه حتى لو لم يعلم فيها مسلم لاحتمال وجود مسلم يكتم
إيمانه .
قال
ابن القيم رحمه الله ( و قالت الحنفية : إن التقطه في دار
الإسلام فهو مسلم تبعاً للدار، إلا أن يلتقطه من بيعة أو كنيسة
أو قرية من قراهم، فيكون ذمياً ، لأن الظاهر أن أولاد المسلمين
لا يكونون في مواضع أهل الذمة ، و كذلك بالعكس . قالوا : ففي
ظاهر الرواية اعتبر المكان دون الواجد، كاللقيط إذا وجده
مسلم في دار الحرب. وروى أبو سليمان عن محمد: أنه اعتبر الواجد
دون المكان، لأن اليد أقوى، وفي رواية: اعتبر الإسلام
نظراً للصغير . ) .
قال
ابن قدامة في المغنى (فَصْلٌ : وَلَا يَخْلُو اللَّقِيطُ مِنْ
أَنْ يُوجَدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، أَوْ فِي دَارِ
الْكُفْرِ ، فَأَمَّا دَارُ الْإِسْلَامِ فَضَرْبَانِ ؛
أَحَدُهُمَا ، دَارٌ اخْتَطَّهَا الْمُسْلِمُونَ ، كَبَغْدَادَ
وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ ، فَلَقِيطُ هَذِهِ مَحْكُومٌ
بِإِسْلَامِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ
تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ وَلِظَاهِرِ الدَّارِ ، وَلِأَنَّ
الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ .
الثَّانِي دَارٌ فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ ، كَمَدَائِنِ
الشَّامِ ، فَهَذِهِ إنْ كَانَ فِيهَا مُسْلِمٌ وَاحِدٌ حُكِمَ
بِإِسْلَامِ لَقِيطِهَا ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ
لِذَلِكَ الْمُسْلِمِ ، تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ .
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا
مُسْلِمٌ ، بَلْ كُلُّ أَهْلِهَا ذِمَّةٌ حُكِمَ بِكُفْرِهِ
؛ لِأَنَّ تَغْلِيبَ
حُكْمِ الْإِسْلَامِ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الِاحْتِمَالِ .) .
قال ابن القيم نقلا عن شيخه شيخ
الإسلام بن تيمية رحمه الله (
قال شيخنا : "وهذا القول هو
الصواب بل هو إجماع قديم من السلف والخلف بل هو ثابت بالسنة
التي لا ريب فيها فقد علم أن أهل الذمة كانوا على عهد رسول
الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة و وادي القرى وخيبر ونجران
واليمن وغير ذلك وكان فيهم من يموت وله ولد صغير ولم يحكم
النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام أهل الذمة ولا خلفاؤه وأهل
الذمة كانوا في زمانهم طبق الأرض بالشام ومصر والعراق وخراسان
وفيهم من يتاماهم عدد كثير ولم يحكموا بإسلام واحد منهم فإن
عقد الذمة اقتضى أن يتولى بعضهم بعضا فهم يتولون حضانة يتاماهم
كما كان الأبوان يتولون تربيتهم"
) .
فابن
تيمية رحمه الله يجعل أبناء أهل الذمة و هم في دار الإسلام
كفار و ليسوا بمسلمين حتى لو مات الأبوان و أنهم تبع لقومهم
حتى لو كانوا في دار الإسلام .
فأهل
العلم يجعلون دار الإسلام أكثر من قسم و لا يحكمون لجميعها
بنفس الحكم فالشافعية جعلوها ثلاثة أقسام و الحنابلة جعلوها
قسمين فالدار التي غالب أهلها مسلمون يحكمون على اللقيط فيها
بالإسلام وأما إن كان غالب أهلها أهل ذمة ففيها التفصيل
والأحناف فصلوا في المسألة فجعلوا من وجد في مواضع أهل الذمة
كبيعة أو كنيسة أو قرية معروفة بأن أهلها أهل ذمة كافر لأن
غالب الظن أنه يكون منهم .
أقول
(ضياء ): أنا هنا يا أبا مريم أتكلم عن مجهول الحال العاقل
البالغ ولا أتكلم عن الطفل سؤاء كان لقيطا أو معروف الوالدين .
فلا داعي هنا بالإستشهاد بكلام العلماء حول اللقيط
فالبالغ العاقل مجهول الحال يأخذ حكم الأغلبية وهذا متفق عليه
بين العلماء .
"وقال أبو حنيفة إن كان
المسلمون أكثر صلي عليهم والا فلا لأن الاعتبار بالاكثر بدليل
أن دار المسلمين الظاهر فيها الاسلام لكثرة المسلمين بها
وعكسها دار الحرب لكثرة الكفار "
(الشرح الكبير لابن قدامة
ج2ص:385 )
"لأن الأصل أن من كان في دار
فهو من أهلها يثبت له حكمهم ما لم يقم على خلافه دليل."
(الشرح الكبير لابن قدامة
ج2ص:385 )
"
لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي دَارٍ فَهُوَ مِنْ
أَهْلِهَا ، يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُهُمْ ، مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى
خِلَافِهِ دَلِيلٌ " (كشاف القناع عن متن الإقناع ج4 ص 480 )
"
لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي دَارٍ ، فَهُوَ مِنْ
أَهْلِهَا ، يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُهُمْ مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى
خِلَافِهِ دَلِيلٌ ." ( المغني : ج4 ص24)
يقول
الإمام الجصاص :
" ألَا تَرَى أَنَّ الْحُكْمَ
فِي كُلِّ مَنْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الْحَرْبِ
يَتَعَلَّقُ بِالْأَعَمِّ
الْأَكْثَرِ دُونِ الْأَخَصِّ الْأَقَلِّ حَتَّى صَارَ
مَنْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَحْظُورًا قَتْلُهُ ، مَعَ
الْعِلْمِ بِأَنَّ فِيهَا مَنْ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ مِنْ
مُرْتَدٍّ وَمُلْحِدٍ وَحَرْبِيٍّ ؛ وَمَنْ فِي دَارِ
الْحَرْبِ يُسْتَبَاحُ قَتْلُهُ مَعَ مَا فِيهَا مِنْ مُسْلِمٍ
تاجِرٍ أَوْ أَسِيرٍ ؟ "
( أحكام القرآن للجصاص )
وقال
الإمام السرخسي : " وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ
حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ
أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ
كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُ
يُجْعَلُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ بِخِلَافِ مَنْ
كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يُجْعَلُ مِنْ
الْمُسْلِمِينَ إذَا لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُ . ( المبسوط )
أما
بالنسبة لأحكام الاشخاص تبعاً للدار فأقول :
1-دار
تجري فيها أحكام الإسلام وغالبية أهلها مسلمين .حكمها : يحكم
لكل من لا يعرف حاله فيها بالإسلام ما لم يثبت العكس .
2-دار تجري فيها أحكام الإسلام ، ولكن غالبية أهلها كفار
.حكمها :يجب فيها تميز الناس بشعارات ولباس خاص للكفار . وإذا
تعذر التميز فالحكم الراجح هو تبعاً للأغلبية .
3-دار تجري فيها أحكام الكفر وغالبية أهلها كفار . حكمها :
يحكم على كل من لا يعرف حاله ، بالكفر تبعاً للدار وللأغلبية
حتى يتبين العكس .
4-دار تجري فيها أحكام الكفر ، ولكن غالبية أهلها مسلمين .
ويحدث هذا في بداية تغلب الكفار على جزء من أرض المسلمين
ويجرون عليها أحكامهم. ولا يمكن في هذه الحالة فرض نظام
التمييز بين المسلمين والكفار ، لأن الحكم والسيطرة للكفار .
فهذه الدار دار مركبة يحكم على الأشخاص فيها كل حسب حاله
ويتوقف في الحكم على مجهول الحال فيها حتى يتبين حاله .
قولك :
" فقول المقدسي
( لأن هـذا سيعطل كثيراً من
الأحكام العملية مثل الإرث وأكل الذبـــيحة وغيره . ) .
يدل على جهل بكيفية أنزال أحكام
الشرع لأن علة العمل بالتبعية هي عدم اعتبار قول غير المكلف
فاعتبرت التبعية أما المكلف فإننا نستطيع أن نعرف دينه
بقوله و فعله فذبيحة المكلف مثلا إذا أردنا أن نأكلها
نستطيع أن نعرف دينه إذا شككنا في إسلامه بسؤاله أو بسؤال من
يعلم حاله و تسليم الإرث كذلك لا يمكن إلا بمعرفة دينه وسؤاله
فإذا احتاج المسلم إلى التبين وكان هذا التبين وسيلة إلى واجب
يكون هذا التبين واجبا قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ
وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ
مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ
اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ
فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً }النساء94
{يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ
فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا
عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }الحجرات6 .
و
قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ
الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ
أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ
فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ
لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا
أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا
آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ
الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا
أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }الممتحنة10
فإذا كانت هناك حاجة للتبين
والإختبار جاز ذلك فإن النبي صلى الله عليه و سلم كان يختبر
النساء اللاتي يهاجرون إليه من مكة خشية أن يكون بعضهن لا يردن
الهجرة من أجل الإسلام إما يردن الهجرة من باب الفرار من
أزواجهن
أو عشقا لبعض المسلمين مثلا
قال ابن جرير رحمه الله (
( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ ) النساء( الْمُؤْمِنَاتُ
مُهَاجِرَاتٍ ) من دار الكفر إلى دار الإسلام(
فَامْتَحِنُوهُنَّ ) وكانت محنة رسول الله صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَسَلَّم إياهن إذا قَدِمن مهاجرات .
كما
حدثنا أَبو كُريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن قيس بن الربيع،
عن الأغرّ بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن أَبي نصر الأسديّ،
قال: سُئِلَ ابن عباس: كيف كان امتحان رسول الله صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَسَلَّم النساء؟ قال: كان يمتحنهنّ بالله ما خرجت من
بغض زوج، وبالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، وبالله ما خرجت
التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا حبًّا لله ورسوله.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا الحسن بن عطية، عن قيس، قال:
أخبرنا الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن أَبي نصر، عن
ابن عباس، في( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ
الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ) قال كانت
المرأة إذا أتت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حلفها
بالله ما خرجت... ثم ذكر نحوه .
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ،
أن عائشة قالت: ما كان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَسَلَّم يمتحن المؤمنات إلا بالآية، قال الله:( إِذَا جَاءَكَ
الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ
بِاللَّهِ شَيْئًا ) ولا ولا".
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني
يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة زوج
النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قالت: كانت المؤمنات إذا
هاجرن إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يمتحنّ
بقول الله:( يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ
الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ ) ... إلى آخر الآية، قالت
عائشة: فمن أقرّ بهذا من المؤمنات، فقد أقرّ بالمحبة، فكان
رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إذا أقررن بذلك من
قولهنّ قال لهنّ: انطلقن فقد بايعتكنّ، ولا والله ما مست يد
رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يد امرأة قطّ، غير
أنه بايعهنّ بالكلام؛ قالت عائشة: والله ما أخذ رسول الله
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على النساء قطّ، إلا بما أمره
الله عزّ وجلّ، وكان يقول لهنّ إذا أخذ عليهنّ قد بايعتكنّ
كلامًا .
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبى، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي،
عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ ) ... إلى قوله:(
عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) كان امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا الله،
وأن محمدًا عبده ورسوله.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني
الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أبي
نجيح، عن مجاهد، قوله:( فَامْتَحِنُوهُنَّ ) قال: سلوهنّ ما
جاء بهنّ فإن كان جاء بهنّ غضب على أزواجهنّ، أو سخطة، أو
غيره، ولم يؤمنّ، فارجعوهنّ إلى أزواجهنّ.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة(
فَامْتَحِنُوهُنَّ ) كانت محنتهنّ أن يستحلفن بالله ما أخرجكنّ
النشوز، وما أخرجكنّ إلا حبّ الإسلام وأهله، وحِرْصٌ عليه،
فإذا قلن ذلك قُبل ذلك منهنّ.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة،
في قوله:( فَامْتَحِنُوهُنَّ ) قال: يحلفن ما خرجن إلا رغبة في
الإسلام، وحبًّا لله ورسوله.
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبيه أو
عكرِمة( إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ
فَامْتَحِنُوهُنَّ ) قال: يقال: ما جاء بك إلا حبّ الله، ولا
جاء بك عشق رجل منا، ولا فرارا من زوجك، فذلك قوله:(
فَامْتَحِنُوهُنَّ ) .
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد:" كانت
المرأة من المشركين إذا غضبت على زوجها، وكان بينه وبينها
كلام، قالت: والله لأهاجرنّ إلى محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَسَلَّم وأصحابه، فقال الله عز وجل:( إِذَا جَاءَكُمُ
الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ) إن كان الغضب
أتى بها فردّوها، وإن كان الإسلام أتى بها فلا تردّوها .
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عمرو بن الحارث، عن
بكير بن الأشجّ، قال: كان امتحانهنّ إنه لم يخرجك إلا الدين .
و
قوله : ( اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ) يقول: الله أعلم
بإيمان من جاء من النساء مهاجرات إليكم .
وقوله:( فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا
تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ) يقول : فإن أقررن عند
المحنة بما يصحّ به عقد الإيمان لهنّ، والدخول في الإسلام، فلا
تردوهنّ عند ذلك إلى الكفار. وإنما قيل ذلك للمؤمنين، لأن
العهد كان جرى بين رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم
وبين مشركي قريش في صلح الحديبية أن يرد المسلمون إلى المشركين
من جاءهم مسلمًا، فأبطل ذلك الشرط في النساء إذا جئن مؤمنات
مهاجرات فامتحنّ، فوجدهنّ المسلمون مؤمنات، وصح ذلك عندهم مما
قد ذكرنا قبل، وأمروا أن لا يردّوهنّ إلى المشركين إذا علم
أنهنّ مؤمنات، وقال جل ثناؤه لهم:( فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ
مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ
حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ) يقول: لا
المؤمنات حل للكفار، ولا الكفار يحلون للمؤمنات .) انتهى النقل
من تفسير بن جرير .
فإذا
كانت هناك حاجة للإختبار والإمتحان جاز ذلك فمن علمنا عنه
الإنتساب للإسلام و لم نعلم عنه شرك و كانت له ذبيحة أو إرث أو
غيرها من الأحكام الشرعية جاز لنا سؤاله واختباره و أهل العلم
أنزلوا أحكام التبعية على غير المكلف لأن قوله و فعله غير
معتبر فلو سأل مثلا وقال أنا مسلم و كان أبواه كفار لا يجوز
بالإجماع الحكم بإسلامه كما أنه من تكلم بالكفر من أطفال
المسلمين و مجانينهم لا يجوز الحكم بكفرهم و إنزال أحكام
الكفار عليهم أما المكلف إذا سأل و تكلم بالإسلام أو الكفر
اعتبر قوله و فعله .
أقول (ضياء ): قولك
" يدل على جهل بكيفية إنزال أحكام
الشرع
"
أقول
لك يا أبا مريم : رمتني بدائها وانسلت .
سأثبت لك هنا من الجاهل في كيفية إنزال الأحكام .
المشكلة عندك أنك لا تتصور شخص عاقل بالغ لا يمكن الوصول إليه
لمعرفة عقيدته وتعتبر ان علة العمل بالتبعية هي فقط عدم اعتبار
قول غير المكلف ، فاعتبرت حكم التبعية فقط للطفل والمجنون .
ولم تتصور وجود شخص بالغ عاقل لا يمكن الوصول لحاله ونحتاج
إنزال حكم عليه من الناحية العملية . هذا هو سبب جهلك وسبب
نسبة الجهل لغيرك .
اسمع
لهذا القول وتفكر به لترى مدى جهلك وتسرعك بالحكم علي بالجهل .
قال الإمام النووي رحمه الله في
كتاب
( روضة الطالبين وعمدة المفتين
) (كتاب اللُّقَطة)
" فأما
إذا بلغ ومات له قريب
مسلم قبل أن يفصح بشيء
أو أعتق عن الكفارة في هذا
الحال فإن قلنا لو أفصح بالكفر كان مرتداً
أمضينا أحكام الإسلام
ولا تنقض
وإن جعلناه كافراً أصلياً
فإن أفصح بالكفر تبينا أنه لا إرث ولا إجزاء عن الكفارة
وإن فات الإفصاح بموت أو قتل
فوجهان أحدهما إمضاء أحكام
الإسلام كما لو مات في الصغر وأصحهما نتبين الانتقاض لأن
سبب التعبية الصغر وقد زال ولم يظهر في الحال حكمه في نفسه
فيرد الأمر إلى الكفر الأصلي
وعن القاضي حسين أنه إن مات
قبل الإفصاح وبعد البلوغ ورثه قريبه المسلم ولو مات له قريب
مسلم فإرثه عنه موقوف
قال الإمام أما التوريث
منه فيخرج على أنه لو مات قبل الإفصاح هل ينقض الحكم
وأما توريثه فإن أراد بالتوقف أنه يقال لو أفصح بالإسلام
فهو قريب ويستفاد به الخروج من الخلاف
أما لو مات القريب ثم مات هو
وفات الإفصاح فلا سبيل إلى الفرق بين توريثه والتوريث عنه
ولو قتل بعد البلوغ وقبل
الإفصاح ففي تعلق القصاص بقتله قولان أحدهما نعم كما لو
قتل قبل البلوغ وأظهرهما
لا للشبهة وانقطاع التبعية
وأما الدية فالذي أطلقوه
وحكوه عن نص الشافعي رضي الله عنه تعلق الدية الكاملة بقتله
وقياس قولنا إنه لو أفصح بالكفر كان كافراً أصلياً أن لا نوجب
الدية الكاملة على رأي كما أنه إذا فات الإفصاح بالموت يرد
الميراث على رأي.
قلت
الصواب ما قاله الشافعي والأصحاب رضي الله عنهم والله أعلم.
أقول
( ضياء ) : أنت يا أبا مريم لم تتخيل شخص بالغ عاقل لا نستطيع
الوصول لعقيدته لأنزال بعض الإحكام عليه واعتبرت وجود مثل من
له هذا الوصف هو محض خيال وهو عدم
فانظر هداك الله لقول الأمام النووي : " فأما إذا بلغ ومات له
قريب مسلم قبل أن يفصح بشيء " " وإن فات الإفصاح بموت أو قتل
" " إن مات قبل الإفصاح وبعد البلوغ " " أما لو مات القريب ثم
مات هو وفات الإفصاح " " ولو قتل بعد البلوغ وقبل الإفصاح "
ما
رأيك في هذه الحالة العملية التي يتحدث عنها العلماء ويعطونها
أحكام عملية ؟ أليس هو شخص بالغ عاقل لا نعرف حاله عن طريق
النص أو الدلالة ؟ فهل أعتبر عدما كما اعتبرته أنت أم اعطي
أحكاماً عملية بغض النظر عن الأختلاف فيها . ؟
إذن ثبت خطأ قولك أنني لا أعرف
كيفية إنزال أحكام الشرع ، وأن
من لا يعرف هو أنت لأنك لم تتخيل أن هناك شخص بالغ عاقل لا
نستطيع أن نصل لعقيدته بنص أو دلالة ونحتاج مع ذلك للحكم
عليه حكما عملياً كأحكام الميراث والعتق وما شابه .
أما
عن إتيانك بأدلة تبين مشروعية التبين فهذه لا نختلف فيها ولا
نختلف بأن من نستطيع أن نعرف عقيدته بنص أو دلالة لا يعطى حكم
التبعية . وإنما موصوعنا هو الحكم على الشخص مجهول الحال
المكلف الذي تعذر الحكم عليه بنص أو دلالة وهذا الشخص موجود
وله أحكام بينها أئمة الأمة في كتبهم كما بينته لك في المثال
السابق ، وإليك مثال آخر ولولا ضيق الوقت وخشية الاسهاب لنقلت
لك نقولات كثيرة حول هذه المسألة .
قال الإمام الشافعي رحمه الله :
" فلأنَّا لو أوْجَبْنا الدِّيَة في قَتْل المُسْلِم السَّاكِن
في دَارِ الحَرْب ، لاحْتَاج مَنْ يريدُ غَزْوَ دَارِ الحَرْب
، إلى أنْ يَبْحَث عَنْ كُلِّ أحدٍ أنه هَلْ هُوَ من
المُسْلِمِيِن أمْ لا ،
وذَلِكَ مما يَصْعب وَيشقُّ ،
فيفضي إلى اْحترازِ النَّاسِ
عن الغَزْوِ ، فالأوْلَى سُقُوط الدِّيَة عن قاتِله ؛
لأنَّه الذي أهْدَرَ دَمَ نَفْسِه باخْتِيَار السُّكْنَى في
دَارِ الحَرْب " (تفسير الرازي وتفسير اللباب لابن عادل)
أقول
(ضياء ) : ألا يدل هذا الكلام على حل دم كل من في دار الحرب
ممن لا يعرف إسلامه؟
أم
أنك ستقول لي أن هذا الحكم حين تكون هناك دار إسلام ؟
قولك :
" وأما قول المقدسي
( أما قولك أن حكم التبعية لغير
المكلف فقط ، فهذا إن دل على شي فإنه يدل على أنك لا تعرف حكم
التبعية وفيما قيلت . فحكم التبعية للدار كما هو لغير المكلف
كذلك لمجهول الحال المكلف . فمجهول الحال في دار الإسلام له
حكم الدار حتى يثبت العكس ، وكذلك مجهول الحال في دار الحرب له
حكم الدار حتى يثبت العكس . وهذا الحكم مأخوذ من حكم التبعية .
) .
فهذه
دعوى نستطيع أن ندعي أكبر منها و لكن لا بد من دليل على صحة
هذه الدعوى فهذا هو الخلاف الذي بيننا و بينك فأنت تبرأت من
قولك أن الإحتجاج بكلام أهل العلم في مسألة التبعية لغير
المكلفين لأن كلامهم في الطفل غير المميز وفي المجنون لكن
لم تذكر لنا ما هو الدليل من الكتاب والسنة على أن المكلف حكمه
حكم الدار و يكون تبع للدار وكان الواجب إذا كان عندك الدليل
على صحة أصلك أن تذكره هنا لأنك سقت كلاما مجردا من غير
دليل و مثل هذا لا يلزم أحد أبدا بل لو جلست بينك و بين
نفسك لتقنعها بهذا الكلام بمجرد هذه الدعوى لا تستطيع إقناعها
.
فأنت
تقول بأنني لا أعرف حكم التبعية و ما قيلت فيه و لكن لم
تذكر لنا قول واحد قال بأن حكم التبعية يدخلها المكلف كذلك
فاتهام الغير بالجهل من غير دليل من أسهل الأمور و لكن الصعب
هو الإثبات بالدليل أن مخالفك جاهل إذا لم يكن عندك الدليل على
هذا .
أقول
: ( ضياء ) : كن متأكدا أنني لا أتهمك جزافاً وليس هذا من شيمي
والحمد لله ، وكونك تجهل هذه المسألة لا يعني أنك تجهل غيرها ،
ولكن لا بد من وصف الحقائق كما هي. وكونك تجهل حكم التبعية يا
أبا مريم هذا امر واضح سهل الأثبات , ولقد نقلت لك أكثر من
قول وهنا بعون الله سوف أثبت لك أن هناك من هو مجهول الحال
بالغ عاقل وأنه يأخذ حكم الأغلبية في الدار .
1-
حادثة أصحاب الكهف :
حدثنا الله سبحانه وتعالى عن فتية آمنوا بربهم الإيمان الصحيح
وسط مجتمع أكثر أهله مشركين ، وكان هؤلاء الفتية يكتمون
إيمانهم حتى عن بعضهم البعض قبل تعرفهم على بعضهم ، فقد كانوا
يخفون إيمانهم عن قومهم وعن كل من لا يعرفون بيقين إسلامه .
والمجتمع الذي كانوا يعيشون فيه مجتمع أكثر أهله مشركين ولكن
يوجد فيه مسلمون يخفون إيمانهم . كيف تصرفوا حيال الأفراد
الذين كانوا يعيشون في مجتمعهم ؟ لا شك أنهم كانوا يحكمون على
كل من لا يعرفوه في هذه البلاد بالكفر حتى يثبت لهم براءته من
دين قومه . وهذا ثابت في ما ذكره الله عنهم في القرآن .
قال
تعالى عنهم : فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ
إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا
فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا
يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19)
قال
القرطبي رحمه الله في تفسير " فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى
طَعَامًا " :
"
قوله تعالى: "فلينظر أيها أزكى طعاما" قال ابن عباس: أحل
ذبيحة؛ لأن أهل بلدهم كانوا يذبحون على اسم الصنم، وكان فيهم
قوم يخفون إيمانهم. ابن عباس: كان عامتهم مجوسا."
وجاء
في تفسير فتح القدير للشوكاني عند تفسيره لهذه الأية قوله
تعالى (" فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا " :) واستدل
بالآية على حل ذبائح أهل الكتاب لأن عامة أهل المدينة كانوا
كفاراً وفيهم قوم يخفون إيمانهم ] .
أقول
(ضياء ) : فهذه الآية وأقوال المفسرين فيها يدل على أنهم
كانوا يحكمون على كل فرد من قومهم بالكفر ما لم يتبينوا من
إيمانه . لهذا وصوا من أرسلوه لشراء اللحم أن يتحقق من الذابح
. وهذا أكبر دليل على أن الحكم دائماً حسب الأغلبية .ثم إنهم
عندما حكموا على قومهم قالوا : "{هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه
آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين} حكموا على قومهم بإنهم
اتخذوا من دون الله آلهة مع العلم أنه كان من قومهم من يكتم
إسلامه . وهذا دليل على أن الحكم دائما للأغلبية .
قال
الأمام ابن تيمية رحمه الله :[ وكون الأرض دار كفر أو دار
إيمان أو دار فاسقين .. ليست صفة لازمة لها ، بل هى صفة عارضة
بحسب سُكانها ؛ فكل أرض سكانها المؤمنون المتقون ، هى دار
أولياء الله فى ذلك الوقت ، وكل أرض سكانها الكفار فهى دار كفر
فى ذلك الوقت ، وكل أرض سكانها الفُساق فهى دار فسوق فى ذلك
الوقت ، فإن سكنها غير ماذكرنا وتبدلت بغيرهم فهى دارهم ..
وكذلك المسجد إذا تبدل بخمارة أو صار دار فسوق أو دار ظلم أو
كنيسة يشرك فيها بالله ، كان بحسب سكانه .. وكذلك دار الخمر
والفسوق ونحوها إذا جعلت مسجداً يعبد الله فيه عز وجل كان بحسب
ذلك .. وكذلك الرجل الصالح يصير فاسقاً ، والكافر يصير مؤمنا ،
أو المؤمن يصير كافر أو نحو ذلك .. كل بحسب إنـتـقـال الأحوال
من حال إلى حال .. وقد قال تعالى :( وضرب الله مثلا قرية كانت
آمنة مطمئنة..)الآية. نزلت فى مكة لما كانت دار كفر وهى مازالت
فى نفسها خير أرض الله وأحب أرض الله إليه ، وإنما أراد سكانها
..
وقد
قال الله تعالى لموسى عليه السلام :( سأوريكم دار الفاسقين )
وهى الدار التى كان بها أولئك العمالقه ، ثم صارت بعد هذا دار
المؤمنين وهى الدار التى دل عليها القرآن من الأرض المقدسه ،
أرض مصر التى أورثها الله بنى اسرائيل ، ..
..
فأحوال البلاد كأحوال العباد ، فيكون الرجل تارة مسلماً وتارة
كافراً ، وتارة مؤمناً وتارة منافقاً ، وتارة بِراً تقياً
وتارة فاسقا ، وتارة فاجراً شقياً .. وهكذا المساكن بحسب
سُكانها ، فهجرة الأنسان من مكان الكفر والمعاصى إلى مكان
الإيمان والطاعة ، كتوبته وانتقاله من الكفر والمعصية إلى
الإيمان والطاعة ..وهذا أمر باقي إلى يوم القيامة ، والله
تعالى يقول:( والذين امنوا وهاجروا وجاهدوا معكم فاؤلئك منكم)
][مجموع الفتاوى ـ ج18]
أسأل
هنا : الفتية أصحاب الكهف ماذا كانوا يحكمون على من لا يعرفونه
من قومهم ؟ وكيف كانوا يحكمون عليه بالإسلام ؟
إنظر
ماذا يقول ابن كثير رحمه الله : :" ذكر غير واحد من المفسرين
من السلف والخلف أنهم كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم,
وأنهم خرجوا يوماً في بعض أعياد قومهم وكان لهم مجتمع في السنة
يجتمعون فيه في ظاهر البلد, وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت,
ويذبحون لها, وكان لهم ملك جبار عنيد يقال له دقيانوس,. وكان
يأمر الناس بذلك ويحثهم عليه ويدعوهم إليه, فلما خرج الناس
لمجتمعهم ذلك, وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم, ونظروا إلى
ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم, عرفوا أن هذا الذي يصنعه قومهم من
السجود لأصنامهم والذبح لها لا ينبغي إلا الله الذي خلق
السموات والأرض, فجعل كل
واحد منهم يتخلص من قومه وينحاز منهم ويتبرز عنهم ناحية,
فكان أول من جلس منهم وحده أحدهم, جلس تحت ظل شجرة فجاء الاَخر
فجلس إليها عنده, وجاء الاَخر فجلس إليهما, وجاء الاَخر فجلس
إليهم, وجاء الاَخر وجاء الاَخر, ولا يعرف واحد منهم الاَخر,
وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإيمان.كما جاء في
الحديث الذين رواه البخاري تعليقاً من حديث يحيى بن سعيد عن
عمرة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: «الأرواح جنود مجندة, فما تعارف منها ائتلف وما
تناكر منها اختلف» وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث سهيل عن أبي
هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, والناس يقولون:
الجنسية علة الضم, والغرض
أنه جعل كل أحد منهم يكتم ما هو عليه عن أصحابه خوفاً منهم,
ولا يدري أنهم مثله حتى قال أحدهم:
تعلمون والله يا قوم إنه ما
أخرجكم من قومكم وأفردكم عنهم إلا شيء, فليظهر كل واحد
منكم بأمره, فقال آخر: أما
أنا فإني والله رأيت ما قومي عليه فعرفت أنه باطل, وإنما الذي
يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به شيء هو الله الذي خلق السموات
والأرض وما بينهما, وقال الاَخر: وأنا والله وقع لي كذلك, وقال
الاَخر كذلك, حتى توافقوا كلهم على كلمة واحدة, فصاروا
يداً واحدة, وإخوان صدق, فاتخذوا لهم معبداً يعبدون الله فيه
." تفسر ابن كثير
أقول
( ضياء ) : الشاهد قوله :"
فجعل كل واحد منهم يتخلص من قومه وينحاز منهم ويتبرز عنهم
ناحية"
هذه
إحدى العلامات على الإيمان : التخلص من القوم والإنحياز عنهم .
والشاهد أيضاً قوله : "
والغرض أنه جعل كل أحد منهم يكتم ما هو عليه عن أصحابه خوفاً
منهم, ولا يدري أنهم مثله "
فهذا
القول يدل على أنهم كانوا يخفون إيمانهم عن بعضهم البعض
ويحكمون على من لا يعرفون إيمانه بالكفر وحتى من إنحاز عن قومه
كانوا لا يتسرعون بالحكم عليه حتى يسألوه لماذا تحيز . لهذا "
قال أحدهم: تعلمون والله يا قوم إنه ما أخرجكم من قومكم
وأفردكم عنهم إلا شيء "
كيف
تعرفوا على بعضهم وأنهم على دين واحد ؟ هذا ظاهر في قولهم : "
أما أنا فإني والله رأيت ما قومي عليه فعرفت أنه باطل, وإنما
الذي يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به شيء هو الله الذي خلق
السموات والأرض وما بينهما, وقال الاَخر: وأنا والله وقع لي
كذلك, وقال الاَخر كذلك "
أقول
( ضياء ) : ألا يدل هذا الكلام أنهم تعرفوا على إيمان بعضهم
البعض عن طريق ردهم لدين قومهم ؟ وهذا ما يجب أن يفعله الموحد
في هذه المجتمعات التي ينتشر فيها الشرك . حتى يحكم على الشخص
الذي لا يعرفه بالإسلام يجب أن يعرف منه براءته من دين قومه
أولاً ودخوله لدين الله الحق . أما أن يحكم عليه بالإسلام بدون
أن يعرف عنه ذلك أو يحكم عليه بالإسلام بمجرد سماعه منه أي
شعيرة من شعائر الإسلام المشتركة بين المشركين من قومه فهذا لا
يقدم عليه إلا متلاعب في دين الله أو من لا يفهم أصل الدين .
2-
سيرة الصحابة والتابعين في حروبهم .فقد كانوا يعاملون كل من في
دار الحرب معاملة غير المسلم ما لم يثبت العكس ولم يتحروا عن
كل شخص بعينه .
والدليل على ذلك :
- قال ابن قدامة رحمه الله :
(فصل) * وإن وجد ميت فلم يعلم
أمسلم هو أم كافر؟ نظر إلى العلامات من الختان والثياب والخضاب
فان لم يكن عليه علامة وكان في دار الاسلام غسل وصلي عليه، وإن
كان في دار الكفر لم يغسل ولم يصل عليه، نص عليه أحمد لأن
الأصل أن من كان في دار فهو من أهلها يثبت له حكمهم ما لم يقم
على خلافه دليل.
(الشرح الكبير لابن قدامة
ج2ص:385 )
- ""
وَإِنْ وُجِدَ مَيِّتٌ فَلَمْ يُعْلَمْ : أَمُسْلِمٌ هُوَ أَمْ
كَافِرٌ ؟ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ بِعَلَامَةٍ مِنْ خِتَانٍ
وَثِيَابٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ فِي دَارِ إسْلَامٍ
غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ كُفْرٍ
لَمْ يُغْسَلْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ )
لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ
مَنْ كَانَ فِي دَارٍ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا ، يَثْبُتُ لَهُ
حُكْمُهُمْ ، مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى خِلَافِهِ دَلِيلٌ
" (كشاف القناع عن متن الإقناع ج4 ص 480 )
- "
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ أَكْثَرَ
، صَلَّى عَلَيْهِمْ ، وَإِلَّا فَلَا ؛
لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ
بِالْأَكْثَرِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ دَارَ الْمُسْلِمِينَ
الظَّاهِرُ فِيهَا الْإِسْلَامُ ؛ لِكَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ
بِهَا ، وَعَكْسُهَا دَارُ
الْحَرْبِ ، لِكَثْرَةِ مَنْ بِهَا مِنْ الْكُفَّارِ ."
( المغني : ج4 ص24)
-
يقول الإمام النيسابوري عند
تفسيره للآية :]كان
الناس أمة واحدة
[
( البقرة :213 ) يقول :( ومتى كان الناس متفقين على الكفر،
قالوا من وفاة آدم
u
إلى زمان نوح
u،
كانوا كفاراً بحكم الأغلب وإن كان فيهم بعض المسلمين كهابيل
وشيت وإدريس عليهم السلام،
كما يقال دار الكفر وإن كان
فيها مسلمين)
-
جاء في تفسير الطبري عند تفسير
قوله تعالى :"
فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ
عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ
مُؤْمِنَةٍ "
عن
ابن عباس:"فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن"، فإن كان في أهل
الحرب وهو مؤمن، فقتله خطأ، فعلى قاتله أن يكفّر بتحرير رقبة
مؤمنة، أو صيام شهرين متتابعين، ولا دية عليه.
وقال
آخرون: بل عنى به الرجلُ من أهل الحرب يقدَم دار الإسلام
فيسلم، ثم يرجع إلى دار الحرب، فإذا مرَّ بهم الجيش من أهل
الإسلام هَرَب قومه، وأقام ذلك المسلم منهم فيها،
فقتله المسلمون وهم يحسبونه
كافرًا." ( تفسير الطبري )
أقول
(ضياء) : القتل الخطأ هنا قتله ظانا أنه كافر لوجوده في دار
الحرب .
-
وجاء في تفسير الرازي :
"
إذا ثبت هذا فنقول : كلمة «من» في قوله : { مِن قَوْمٍ عَدُوّ
لَّكُمْ } إما أن يكون المراد منها كون هذا المقتول من
سكان دار الحرب ، أو
المراد كونه ذا نسب منهم ، والثاني باطل لانعقاد الاجماع على
أن المسلم الساكن في دار الاسلام ، وجميع أقاربه يكونون كفارا
، فاذا قتل على سبيل الخطأ وجبت الدية في قتله ، ولما بطل هذا
القسم تعين الأول فيكون المراد : وإن كان المقتول خطأ من سكان
دار الحرب وهو مؤمن ، فالواجب بسبب قتله الواقع على سبيل الخطأ
هو تحرير الرقبة ، فأما وجوب الدية فلا . قال الشافعي رحمه
الله : وكما دلت هذه الآية على هذا المعنى فالقياس يقويه ، أما
أنه لا تجب الدية فلأنا لو أوجبنا الدية في قتل المسلم الساكن
في دار الحرب لاحتاج من يريد
غزو دار الحرب إلى أن يبحث عن كل أحد أنه هل هو من المسلمين أم
لا ، وذلك مما يصعب
ويشق فيفضي ذلك إلى احتراز الناس عن الغزو ، فالأولى سقوط
الدية عن قاتله لأنه هو الذي أهدر دم نفسه بسبب اختياره السكنى
في دار الحرب "
-
وجاء ايضا في تفسير اللباب لابن عادل :
"
قال الشَّافِعِي : كما دَلَّت هذه الآيَةُ على هَذَا المَعْنَى
، فالقياس يُقَوِّيه فأمَّا أنَّه لا تَجِبُ الدِّية
، فلأنَّا لو أوْجَبْنا
الدِّيَة في قَتْل المُسْلِم السَّاكِن في دَارِ الحَرْب ،
لاحْتَاج مَنْ يريدُ غَزْوَ دَارِ الحَرْب ، إلى أنْ يَبْحَث
عَنْ كُلِّ أحدٍ أنه هَلْ هُوَ من المُسْلِمِيِن أمْ لا ،
وذَلِكَ مما يَصْعب وَيشقُّ ، فيفضي إلى اْحترازِ النَّاسِ عن
الغَزْوِ ، فالأوْلَى سُقُوط الدِّيَة عن قاتِله؛ لأنَّه الذي
أهْدَرَ دَمَ نَفْسِه باخْتِيَار السُّكْنَى في دَارِ الحَرْب
"
-
وجاء في أحكام القرآن للجصاص
"ألَا تَرَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي كُلِّ مَنْ فِي دَارِ
الْإِسْلَامِ وَدَارِ الْحَرْبِ يَتَعَلَّقُ بِالْأَعَمِّ
الْأَكْثَرِ دُونِ الْأَخَصِّ الْأَقَلِّ حَتَّى صَارَ مَنْ
فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَحْظُورًا قَتْلُهُ ، مَعَ الْعِلْمِ
بِأَنَّ فِيهَا مَنْ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ مِنْ مُرْتَدٍّ
وَمُلْحِدٍ وَحَرْبِيٍّ ؛وَمَنْ
فِي دَارِ الْحَرْبِ يُسْتَبَاحُ قَتْلُهُ مَعَ مَا فِيهَا
مِنْ مُسْلِمٍ تاجِرٍ أَوْ أَسِيرٍ؟"
-
وجاء في المبسوط لسرخسي :
"
وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ وَاجِبٌ حَتَّى يَتَبَيَّنَ
خِلَافُهُ أَلَا تَرَى أَنَّ
مَنْ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُ
يُجْعَلُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ بِخِلَافِ مَنْ
كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يُجْعَلُ مِنْ
الْمُسْلِمِينَ إذَا لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُ ."
- قال الإمام
الكاساني رحمه الله :
"
وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ
كُلَّ مَنْ كَانَ مِنْ
أَهْلِ الْقِتَالِ يَحِلُّ قَتْلُهُ ، سَوَاءٌ قَاتَلَ أَوْ
لَمْ يُقَاتِلْ ، وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ
الْقِتَالِ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ إلَّا إذَا قَاتَلَ حَقِيقَةً
أَوْ مَعْنًى بِالرَّأْيِ وَالطَّاعَةِ و َالتَّحْرِيضِ ،
وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، فَيُقْتَلُ
الْقِسِّيسُ وَالسَّيَّاحُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ ،
وَاَلَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ ، وَالْأَصَمُّ وَالْأَخْرَسُ ،
وَأَقْطَعُ الْيَدِ الْيُسْرَى ، وَأَقْطَعُ إحْدَى
الرِّجْلَيْنِ ، وَإِنْ لَمْ
يُقَاتِلُوا ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ ،
وَلَوْ قُتِلَ وَاحِدٌ
مِمَّنْ ذَكَرنَا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ فَلَا شَيْءَ
فِيهِ مِنْ دِيَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ ، إلَّا التَّوْبَةُ
وَالِاسْتِغْفَارُ ؛ لِأَنَّ دَمَ الْكَافِرِ لَا يَتَقَوَّمُ
إلَّا بِالْأَمَانِ وَلَمْ يُوجَدْ وَأَمَّا حَالَ مَا
بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْقِتَالِ ، وَهِيَ مَا بَعْدَ
الْأَسْرِ وَالْأَخْذِ ، فَكُلُّ مَنْ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ
فِي حَالِ الْقِتَالِ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ
مِنْ الْقِتَالِ ، وَكُلُّ مَنْ يَحِلُّ قَتْلُهُ فِي حَالِ
الْقِتَالِ إذَا قَاتَلَ حَقِيقَةً أَوْ مَعْنًى ، يُبَاحُ
قَتْلُهُ بَعْدَ الْأَخْذِ وَالْأَسْرِ إلَّا الصَّبِيَّ ،
وَالْمَعْتُوهَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ
قَتْلُهُمَا فِي حَالِ الْقِتَالِ إذَا قَاتَلَا حَقِيقَةً
وَمَعْنًى ، وَلَا يُبَاحُ قَتْلُهُمَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ
الْقِتَالِ إذَا أُسِرَا "
:( بدائع الصنائع في ترتيب
الشرائع )
- "
وَلَوْ أَسْلَمَ حَرْبِيٌّ فِي
دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا فَقَتَلَهُ
مُسْلِمٌ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا
الْكَفَّارَةُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي
الْخَطَأِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
عَلَيْهِ الدِّيَةُ مَعَ الْكَفَّارَةِ فِي الْخَطَأِ ،
وَالْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ ."
:( بدائع الصنائع في ترتيب
الشرائع )
--
وجاء في المبسوط لسرخسي ( كتاب التحري )
"
وَالْأَصْلُ فِي
الْمَسَائِلِ بَعْدَ هَذَا أَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ
لِأَنَّ الْمَغْلُوبَ يَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا فِي مُقَابَلَةِ
الْغَالِبِ ، وَالْمُسْتَهْلَكُ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومِ
، أَلَا تَرَى أَنَّ الِاسْمَ لِلْغَالِبِ فَإِنَّ الْحِنْطَةَ
لَا تَخْلُو عَنْ حَبَّاتِ الشَّعِيرِ ثُمَّ يُطْلَقُ عَلَى
الْكُلِّ اسْمُ الْحِنْطَةِ ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا فِي
قَرْيَةٍ عَامَّةُ أَهْلِهَا
الْمَجُوسُ : لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِيَ لَحْمًا
مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ ذَبِيحَةُ مُسْلِمٍ وَفِي
الْقَرْيَةِ الَّتِي عَامَّةُ أَهْلِهَا مُسْلِمُونَ يَحِلُّ
ذَلِكَ بِنَاءً لِلْحُكْمِ عَلَى الْغَالِبِ
وَيُبَاحُ لِكُلِّ أَحَدٍ
الرَّمْيُ فِي دَارِ الْحَرْبِ إلَى كُلِّ مَنْ يَرَاهُ مِنْ
بُعْدٍ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ
وَلَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَا لَمْ
يَعْلَمْ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ "( المبسوط )
أقول
(ضياء) : أنظر لقوله : "
وَالْأَصْلُ فِي الْمَسَائِلِ بَعْدَ هَذَا أَنَّ الْحُكْمَ
لِلْغَالِبِ لِأَنَّ الْمَغْلُوبَ يَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا فِي
مُقَابَلَةِ الْغَالِبِ ، وَالْمُسْتَهْلَكُ فِي حُكْمِ
الْمَعْدُومِ "
وقوله : " قَالُوا فِي قَرْيَةٍ
عَامَّةُ أَهْلِهَا
الْمَجُوسُ : لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِيَ لَحْمًا
مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ ذَبِيحَةُ مُسْلِمٍ .
قوله
: " وَيُبَاحُ لِكُلِّ
أَحَدٍ الرَّمْيُ فِي دَارِ الْحَرْبِ إلَى كُلِّ مَنْ يَرَاهُ
مِنْ بُعْدٍ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ
"
-
وجاء في كتاب المبسوط ( كتاب التحري ):
"
وَمِنْ الْمُخْتَلِطِ الَّذِي هُوَ مُنْفَصِلُ الْأَجْزَاءِ
مَسْأَلَةُ الْمَوْتَى إذَا اخْتَلَطَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ
بِمَوْتَى الْكُفَّارِ وَهِيَ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ
أَيْضًا : فَإِنْ كَانَتْ
الْغَلَبَةُ لِمَوْتَى الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يُصَلَّى
عَلَيْهِمْ وَيُدْفَنُونَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ
لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ وَالْغَالِبُ مَوْتَى
الْمُسْلِمِينَ ، إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ
يُصَلِّي عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْوِيَ بِصَلَاتِهِ الْمُسْلِمِينَ
خَاصَّةً لِأَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَى التَّمْيِيزِ فِعْلًا
كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَخُصَّ الْمُسْلِمِينَ بِالصَّلَاةِ
عَلَيْهِمْ فَإِذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ لَهُ أَنْ
يَخُصَّ الْمُسْلِمِينَ بِالنِّيَّةِ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي
وُسْعِهِ وَالتَّكْلِيفُ بِحَسَبِ الْوُسْعِ وَنَظِيرُهُ مَا
لَوْ تَتَرَّسَ الْمُشْرِكُونَ بِأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ
فَعَلَى مَنْ يَرْمِيهِمْ أَنْ يَقْصِدَ الْمُشْرِكِينَ وَإِنْ
كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُصِيبُ الْمُسْلِمَ ،
وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ
مَوْتَى الْكُفَّارِ لَا يُصَلَّى عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ إلَّا
مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ بِالْعَلَامَةِ لِأَنَّ
الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ وَالْغَلَبَةُ لِلْكُفَّارِ هُنَا
، وَإِنْ كَانَا
مُتَسَاوِيَيْنِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ لِأَنَّ
الصَّلَاةَ عَلَى الْكَافِرِ لَا تَجُوزُ بِحَالٍ قَالَ
اللَّهُ تَعَالَى { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ
أَبَدًا }"
-
فَأَمَّا دَارُ الْحَرْبِ ، فَلَا نَحْكُمُ بِإِسْلَامِ وَلَدِ
الْكَافِرَيْنِ فِيهَا بِمَوْتِهِمَا ، وَلَا مَوْتِ
أَحَدِهِمَا ؛ لِأَنَّ
الدَّارَ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ أَهْلِهَا ،
وَكَذَلِكَ لَمْ نَحْكُمْ بِإِسْلَامِ لَقِيطِهَا " ( المغني )
الشاهد قوله : " لِأَنَّ الدَّارَ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ
أَهْلِهَا "
ومثل
هذا الكلام موجود بكثرة في كتب الفقه وأكتفي هنا بهذه النقولات
خشية الإطالة . وفي هذا كفاية بل أكثر من كفاية لمن أراد الحق
.
3-
قال محمد بن إبراهيم عندما سئل عن حل الذبيحة : قال فى ( باب
الذكاة ) فصل - لابد من صحة معتقد المذكى - [ يشترط فى القصاب
فاضل الدين أن يكون مسلماً
صحيح المعتقد ينكر الخرافات
كعبادة القبور وغيرها مما يعبد من دون الله . وينكر جميع
المعتقدات والبدع الكفرية كمعتقد القادينية والرافضة الواثنية
وغيرها . ولا يكتفى فى حل ذبيحته بمجرد الإنتساب إلى الإسلام
والنطق بالشهادتين وفعل الصلاة وغيرها من أركان الإسلام مع عدم
الشروط التى ذكرناها .
فإن
كثيراً من الناس ينتسبون إلى الإسلام وينطقون بالشهادتين
ويؤدون أركان الإسلام الظاهرة ولايكتفى بذلك فى الحكم بإسلامهم
ولاتحل ذكاتهم لشركهم بالله فى العبادة بدعاء الأنبياء
والصالحين والإستغاثة بهم وغير ذلك من أسباب الردة عن الإسلام
. وهذا التفريق بين المنتسبين إلى الإسلام أمر معلوم بلأدلة من
الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها .
ثم
ماذكرنا من الأمور المطلوبة فى هذا القصاب ، يعتبرفى تبوثها ،
نقل عدل ثقة يعلم حقيقة ذلك من هذا الرجل وينقله الثقة عن هذا
العدل حتى يصل إلى من يثبت لديه ذلك حكماً ممن يعتمد على ثبوته
عنده شرعاً ] فتاوى الشيخ ج12 / و عقيدة الموحدين .
|