منتدى دعوة الحق  

العودة   منتدى دعوة الحق > الأقسـام العامة > المنتديات > المنتدى الشرعي العام > الدوحة الرمضانية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 06-02-2015, 10:27 PM
الصورة الرمزية غربة التوحيد
غربة التوحيد غربة التوحيد غير متواجد حالياً
مشرف عام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2014
الدولة: دار الفناء
المشاركات: 154
Lightbulb وقفات تدبرية مع آيات الصيام


الحمد لله رب العالمين ، منزل الكتاب المستبين على نبيه الأمين – محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله والأصحاب الغر الميامين .
أمــــا بعد :
فقد أمر الله عباده المؤمنين بتدبر كتابه الكريم في آيات كثيرة في كتابه فقال:

[ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ]
وتدبر كتاب الله من أعظم أسباب السعادة ؛ كما أن تركه من أسباب الخسران والشقاوة وفي ذلك يقول ابن القيم رحمه الله :
[ فما أشدها من حسرة ، وأعظمها من غِبْنة على من أفنى أوقاته في طلب العلم ، ثم يخرج من الدنيا وما فهم حقائق القرآن ولا باشر قلبه أسراره ومعانيه] ..

وبما أننا مشرفون على استقبال شهر عظيم هو شهر القرآن ؛ يحسن بنا أن نقف على آيات الصيام نتدبرها ونستخرج منها اللطائف والفوائد ؛ فكانت هذه محاولة العبد الفقير مستفيداً من كلام العلماء الجهابذة رحمهم الله ؛ لعل الله ينفعني بها وإخواني الموحدين .
وقد وردت أحكام الصيام العظيم في خمس آيات في أعظم سورة من كتاب الله ؛ ألا وهي سورة البقرة .

نبدأ على بركة الله في شرح الآية الكريمة الأولى منها ؛ وهي قوله تعالى :



ابتدأ الله الخطاب بقوله : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ]وقد وردت صيغة النداء هذه في 89 موضعاً في كتاب الله تعالى ؛ وهو نداء مدح للعصبة المؤمنة .

وقد أورد الزمخشري السر في كثرة نداء الله للمؤمنين بهذا فقال :
فإن قلتَ لِمَ كثر في كتاب اللَّه النداء على هذه الطريقة ما لم يكثر في غيره؟
قلتُ – الزمخشري - : لاستقلاله بأوجه من التأكيد وأسباب من المبالغة ؛ لأن كل ما نادى اللَّه له عباده من أوامره ونواهيه، وعظاته وزواجره ووعده ووعيده ، واقتصاص أخبار الأمم الدارجة عليهم ، وغير ذلك مما أنطق به كتابه أمور عظام، وخطوب جسام ، ومعان عليهم أن يتيقظوا لها، ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها ، وهم عنها غافلون. فاقتضت الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ.

وعن ابْن عَبَّاس رضي الله عنه أَن رجلاً أَتَاهُ فَقَالَ : اعهد إِلَيّ ؛ فَقَالَ : إِذا سَمِعت الله يَقُول : [ يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ] فأوعها سَمعك ؛ فَإِنَّهُ خير يَأْمر بِهِ أَو شَرّ ينْهَى عَنهُ

فلَمَّا أَرَادَ الله جلّ جَلَاله أَن يكفلهم الصّيام الشاق عَلَيْهِم بَدَأَ بأخص أَسمَاء الْمُؤمنِينَ وَأجل صِفَات العارفين وأعلى مقَام المحبين حتى يسهل الخطاب عليهم.


[كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ]
كُتِبَ : أي فُرِضَ ووَجَبَ ؛
وكل لفظ في القرآن بهذا اللفظ فهو للوجوب ؛ والمقصود بها هنا الكتابة الشرعية لأن ثمةَ كتابة قَدَرِيَّة كما في قوله تعالى : {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي}


وقد فُرِض الصيام على المسلمين في السنة الثانية الهجرية ؛وهو معلوم بالضَّرُورةِ منِ دينِ الإِسْلامِ , فمَنْ أنكر وجوبَه فقد كفَر ، فَيُسْتَتَاب ؛ فإن تابَ وأقرَّ بِوُجوبِه وإلاَّ قُتِلَ كَافراً مُرْتَدًّا عن الإِسلامِ .

وجيء به على لفظ لم يُسَمَّ فاعله ، وإن كان قد علم أنه هو الكاتب ؛ وهذا من لطف الله بعباده أن لا يواجههم بأعظم المشاق ؛ فقال في آيات أخرى :
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ } ؛ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} ؛ فلما جاء إلى ما يوجب الراحة ، قال عز شأنه : {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}.


وفي قوله تعالى : [ عليكم] تأكيد آخر لوجوب الصيام .

والصيام لغة : من الفعل ( صَوَمَ) فالصَّادُ وَالْوَاوُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ ؛ يَدُلُّ عَلَى إِمْسَاكٍ وَرُكُودٍ فِي مَكَانٍ ، وَيَكُونُ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْكَلَامِ صَوْمًا كما فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} ، وَأَمَّا الرُّكُودُ فَيُقَالُ لِلْقَائِمِ صَائِمٌ . وَالصَّوْمُ : رُكُودُ الرِّيحِ. وَالصَّوْمُ : اسْتِوَاءُ الشَّمْسِ انْتِصَافَ النَّهَارِ ، كَأَنَّهَا رَكَدَتْ عِنْدَ تَدْوِيمِهَا .

وفي الشرع : الْإِمْسَاكُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْوِقَاعِ بِنِيَّةٍ خَالِصَةٍ لِلَّهِ في وقتٍ مخصوصٍ .

قوله تعالى : [كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ]
أي : على الأنبياء والأمم ؛ وفيه توكيد للحكم ، وترغيب في الفعل ، وتطييب على النفس فإن الشاقَّ إذا عمَّ سهل تحمله.
وكأنه سبحانه يقول : إن كان الصوم مفروضاً على من كان قبلكم فأنتم أحق بالصيام والفضيلة منهم لأنكم أشرف الأمم وخيرها ؛
قال تعالى : [ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ] .

وفي قوله تعالى : [لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ]
إيضاح لحكمة الصيام ؛ والفائدة الكبرى منه وهي حصول التقوى ؛ وحسبك به ؛ فهو وصية الله للأولين ؛ قال تعالى : [ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ]

وهو سبب البشرى من الله بالجنان ؛ قال تعالى :
[ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30)
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ]
.


وهكذا تبرز الغاية الكبيرة من الصوم .. إنها التقوى ؛ فالتقوى هو الذي يستيقظ في القلوب وهي تؤدي هذه الفريضة طاعة لله وإيثاراً لرضاه.
والتقوى هو الذي يحرس هذه القلوب من إفساد الصوم بالمعصية التي تهجس في البال.
والمخاطبون بهذا القرآن يعلمون مقام التقوى عند الله، ووزنها في ميزانه ؛ فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم.
وهذا الصوم أداة من أدواتها ، وطريق موصل إليها.
ومن ثم يرفعها السياق أمام عيونهم هدفاً وضيئاً يتجهون إليه عن طريق الصيام
[ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*المصادر والمراجع*
1) بدائع الفوائد لابن القيم
2) تفسير ابن كثير .
3) تفسير البيضاوي .
4) في ظلال القرآن لسيد / بتصرف .
5) لطائف المعارف لابن رجب.
6) بستان الواعظين لابن الجوزي .
7) مقاييس اللغة لابن فارس .
يتبع إن شاء الله تعالى
__________________

من مواضيع غربة التوحيد

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 06-08-2015, 12:47 PM
الصورة الرمزية غربة التوحيد
غربة التوحيد غربة التوحيد غير متواجد حالياً
مشرف عام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2014
الدولة: دار الفناء
المشاركات: 154
افتراضي

وقفة تدبرية مع الآية الثانية





بعد أن فرض الله الصيام على عباده المؤمنين شرع في بيان عدته فقال:
[أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ]

و [أَيَّامًا ] إما أنه منصوب على الظرفية : أي في أيام .
أو منصوب بفعل محذوف تقديره : صوموا أياماً معدوداتٍ
أو هي مفعول ثانٍ لكُتِبَ . أي : كُتب عليكم الصيامُ أياماً .

[ مَعْدُودَاتٍ] : تعدّ مبالغها وساعاتُ أوقاتها ؛ أي : أنهنَّ مُحْصَيَاتٍ.
وقد جاءت جمع مؤنث سالماً لتفيد القلة ؛ فصارت تأكيداً لقلة الأيام .
قال مقاتل : كل شيء في القرآن معدودة أو معدودات فهو دون الأربعين ، وما زاد على ذلك لا يقال معدودة.


وقد اختلف في تعيين الأيام المعدودات
فمن المفسرين من قال أن الأيام هي:
· يوم عاشوراء .
· ومنهم من قال : صوم ثلاثة أيام من كل شهر.
وعلى قولهم هذا تكون الآية منسوخة بالآية التي تليها التي تفيد تعيين شهر رمضان.
* والذي عليه المحققون من المفسرين وعلى رأسهم إمامهم ابن جرير رحمه الله أنه شهر رمضان ؛ وبذلك تكون الآية محكمة .


قوله تعالى :[ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ]
* المريض ؛ مأخوذ من (مَرِضَ) ؛ الْمِيمُ وَالرَّاءُ وَالضَّادُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى مَا يَخْرُجُ بِهِ الْإِنْسَانُ عَنْ حَدِّ الصِّحَّةِ فِي أَيِّ شَيْءٍ كَانَ .
*والسفر مشتق من سَفَرَ ؛ فالسِّينُ وَالْفَاءُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى الِانْكِشَافِ وَالْجَلَاءِ. وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ يَنْكَشِفُونَ عَنْ أَمَاكِنِهِمْ ؛ أو لأنه يكشف عن أخلاق المسافر

والآية من تعقيب حكم العزيمة بحكم الرخصة ؛ فهو كالاستثناء ؛ لأنه لما قال الله في الآية الأولى : [كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ]عمّ الخطاب كل المؤمنين .
والخطاب فيه إيجاز بالحذف ؛ إذ أن معنى الآية (من كان منكم مريضاً أو على سفر فأفطر فعليه عدة من أيام أخرَ .


وقد عَدَل عن اسمِ الفاعِل فَلَمْ يَقْل : أَوْ مُسَافِراً ؛ إشعاراً بالاسْتِعلاء على السَّفر ، لِما فيه مِنَ الاختيار للسفر ؛ بخلافِ المرض ، فإنه قَهْرِيٌّ .

(( الأحكـام الفقهية المتعلقة بالآية الكريمة ))

1.اختلف الفقهاء في المرض المبيح للإفطار .
ظاهر الآية يقتضي جواز الإفطار لمن لحقه الاسم سواء كان الصوم يضره أو لا وهذا ما قاله ابن سيرين والبخاري وعطاء رحمهم الله .
إلا أن الفقهاء الأربعة رحمهم الله تعالى اتفقوا على أن الرخصة في الإفطار للمريض موقوفة على زيادة المرض بالصوم والمشقة ، وأنه ما لم يخش الضرر فعليه أن يصوم.


قال القرافي رحمه الله في (الفرق الرابع عشر بين قاعدتي المشقة المسقطة للعبادة والمشقة التي لا تسقطها) وتحرير الفرق بينهما أن المشاق قسمان:
أحدهما : لا تنفك عنه العبادة ؛ كالوضوء والغسل في البرد والصوم في النهار الطويل والمخاطرة بالنفس في الجهاد ونحو ذلك فهذا القسم لا يوجب تخفيفا في العبادة لأنه قرر معها
وثانيهما : المشاق التي تنفك العبادة عنها ؛ وهي ثلاثة أنواع :
نوع في الرتبة العليا كالخوف على النفوس والأعضاء والمنافع فيوجب التخفيف لأن حفظ هذه الأمور هو سبب مصالح الدنيا والآخرة فلو حصلنا هذه العبادة لثوابها لذهب أمثال هذه العبادة .
ونوع في المرتبة الدنيا كأدنى وجع في أصبع ؛ فتحصيل هذه العبادة أولى من درء هذه المشقة لشرف العبادة وخفة هذه المشقة
النوع الثالث : مشقة بين هذين النوعين ؛ فما قرب من العليا أوجب التخفيف وما قرب من الدنيا لم يوجبه ، وما توسط يختلف فيه لتجاذب الطرفين له ؛
فعلى تحرير هاتين القاعدتين تتخرج الفتاوى في مشاق العبادات. اهـ


2. وكذلك اختلفوا في السفر المبيح للإفطار
فقيل : مسافة قصر الصلاة ، والخلاف في قدرها معروف ، وبه قال الجمهور.

والحق أن ما صدق عليه مسمى السفر ؛ فهو الذي يباح عنده الفطر
وهكذا ما صدق عليه مسمى المرض ؛ فهو الذي يباح عنده الفطر ؛ وكل هذا يتبع العُرْف .



3. وقع الإجماع على الفطر في سفر الطاعة؛ كالحج والجهاد وطلب المعاش الضروري وصلة الرحم.
واختلفوا في الأسفار المباحة و التجارات ، والحق أن الرخصة ثابتة فيه ،
وفي سفر المعصية ؛ قال الشافعي فيه المنع.


4. قال جماعة من العلماء : لا يجوز للمسافر أن يفطر حتى يأخذ في السير في السفر لا بمجرد النية ؛ وهذا ما يستفاد من حرف الجر (على) ؛ إذ إنها تستعمل مجازاً للتمكن ؛
فنبه الله تعالى بهذا اللفظ المستعمل في التلبس بالفعل ، والتمكن فيه .

وقد جاء في السنة ما يعضد ذلك ؛ فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
[ خَرَجَ فِي رَمَضَانَ مِنَ المَدِينَةِ وَمَعَهُ عَشَرَةُ آلاَفٍ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِ سِنِينَ وَنِصْفٍ مِنْ مَقْدَمِهِ المَدِينَةَ ، فَسَارَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَى مَكَّةَ ،
يَصُومُ وَيَصُومُونَ، حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ ، وَهُوَ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ ، وَقُدَيْدٍ أَفْطَرَ وَأَفْطَرُوا ]
قَالَ الزُّهْرِيُّ: «وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الآخِرُ فَالْآخِر
» (خ)


وعَنه أيضاً قَالَ:
[ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَرَفَعَهُ إِلَى يَدَيْهِ لِيُرِيَهُ النَّاسَ ، فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ ] متفق عليه.
قال القرطبي : (( وهذا نص في الباب ؛ فسقط كل من خالفه ))

5. اختلفوا رحمهم الله في الأفضل هل الصوم أم الفطر ؟
والتحقيق أن هذا يتبع حال الشخص :
أ‌. فمن كان الصوم يشق عليه ؛ فالأفضل أن يفطر ؛
وذلك لما رواه الشيخان عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» ، فَقَالُوا: صَائِمٌ
فَقَالَ: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ»

جاء الحديث عند الإمام مسلم تحت باب : جَوَازِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لِلْمُسَافِرِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ إِذَا كَانَ سَفَرُهُ مَرْحَلَتَيْنِ فَأَكْثَرَ ، وَأَنَّ الْأَفْضَلَ لِمَنْ أَطَاقَهُ بِلَا ضَرَرٍ أَنْ يَصُومَ ، وَلِمَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ.



ب‌. أما من لا يشق عليه ؛ ولا يتضرر فالأفضل له أن يصوم ؛ لقوله تعالى : [وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ] ؛ وإن أفطر فلا بأس عليه .
فعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا، فَحَسَنٌ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ» متفق عليه


وفي مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ:
«كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، فَلَا يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ
يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا، فَأَفْطَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ»


هذا إن كان منفرداً ؛ فإن كان مع جماعة استحب له الفطر حتى يتقوى على القيام بأموره ومصالحه ؛ فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، قَالَ : فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ، أَكْثَرُنَا ظِلًّا صَاحِبُ الْكِسَاءِ ، وَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ
قَالَ: فَسَقَطَ الصُّوَّامُ، وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ، فَضَرَبُوا الْأَبْنِيَةِ وَسَقَوْا الرِّكَابَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ» .
رواه الشيخان واللفظ لمسلم



قوله تعالى : [ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ]
أي : فعليه صوم عدد الأيام التي أفطرها في مرضه أو في سفره .
واللفظ مطلق لم يخصص بالتتابع وهذا من رحمة الله أيضاً .



[ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ]
قراءة كافة المسلمين : [ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ] ، وعلى ذلك خطوط مصاحفهم. وهي القراءة التي لا يجوز لأحد من أهل الإسلام خلافُها ، لنقل جميعهم تصويبَ ذلك قرنًا عن قرن قاله الطبري .
وكان ابن عباس يقرؤها فيما روي عنه : [ وعلى الذين يُطوَّقونه ] .


والفعل (( يطيقونه )) : مأخوذ من الطَّوْقِ وأصله حَلْيٌ يُجْعَلُ فِي الْعُنُقِ.
والطَّوْقُ والإِطاقةُ : الْقُدْرَةُ عَلَى الشَّيْءِ .
والطَّوْقُ : الطاقةُ ؛ أَي أَقصى الغاية ، وَالطَّاقَةُ : اسمٌ لمقدار ما يمكن للإنسان أن يفعله بمشقّة ، وذلك تشبيهاً بالطَّوْقِ المحيطِ بالشيء .


وقد اختلف السلف رحمهم الله فيها أهي منسوخة أم مُحْكَمةٌ ؛ لورود أحاديث في الصحيحين تثبت الأمرين
فكيف يجمع بينهما ؟!

ففي الحديث المتفق عليه عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ :
لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ، حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا.
وفي رواية : «كُنَّا فِي رَمَضَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ فَافْتَدَى بِطَعَامِ مِسْكِينٍ» ، حَتَّى أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}.

وفي البخاري عن ابْنُ أَبِي لَيْلَى قال : حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
نَزَلَ رَمَضَانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ ، فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ، وَرُخِّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ ،
فَنَسَخَتْهَا: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} فَأُمِرُوا بِالصَّوْمِ .


إذن : من قال أنها منسوخة حمل معنى ( يُطِيقونه) على القدرة.
فيكون المعنى : على الذين يستطيعون الصومَ المطيقين له ولا عذر لهم الفديةُ إن هم أفطروا



أما الأحاديث التي تثبت أنها محكمة ؛ فما رواه البخاري عَنْ عَطَاءٍ أنه سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقْرَأُ وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فَلاَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: « لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هُوَ الشَّيْخُ الكَبِيرُ ، وَالمَرْأَةُ الكَبِيرَةُ لاَ يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا، فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا»
وقال البخاري قَالَ الحَسَنُ ، وَإِبْرَاهِيمُ : «فِي المُرْضِعِ أَوِ الحَامِلِ، إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَوْ وَلَدِهِمَا تُفْطِرَانِ ثُمَّ تَقْضِيَانِ ، وَأَمَّا الشَّيْخُ الكَبِيرُ إِذَا لَمْ يُطِقِ الصِّيَامَ
فَقَدْ أَطْعَمَ أَنَسٌ بَعْدَ مَا كَبِرَ عَامًا أَوْ عَامَيْنِ ، كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، خُبْزًا وَلَحْمًا ، وَأَفْطَرَ »
ثم قال أبو عبد الله : قِرَاءَةُ العَامَّةِ: {يُطِيقُونَهُ} وَهْوَ أَكْثَرُ
يقصد بذلك أنها القراءة المتواترة المشهورة , والراجح أن قراءة ابن عباس رضي الله عنه كانت قراءة تفسيرية.



وعلى هذا : من لم يقل بالنسخ جعل معنى ( يطيقونه) : يتكلفون صومه ويجدون الجَهْدَ والمشقة فيه .
فيكون المعنى : على الذين يشق عليهم الصيام فدية طعام مسكين .


· والفِدية : ما يقي به الإنسان نفسه من مال يبذله في عبادة قصّر فيها.
وقد قُرِئ [ فديةُ طعامِ مساكينَ ] بالإضافة و جمع مساكين .
فيكون الجمع إما لاعتبار عدد المطيقينَ ؛ أو إرجاعاً إلى اليوم الواحد بالإفراد ( مِسكين) ، وبالجمع إرجاعاً إلى مجموع الأيام لكل يوم طعام واحد.



ثم بعد أن شرع الله تعالى الفدية لهؤلاء المطيقين حبَّبهم في التطوع بإطعام المساكين فقال :[ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ] ؛ أي فمن زاد بالإطعام على مسكين فهو خيرٌ له بزيادة أجره .

ثم رغبَّهم في الصيام بقوله:[ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ]
أي :وصومكم خير لكم [ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ] ما في الصوم من الفضيلة وبراءة الذمة ، وجوابه محذوف دل عليه ما قبله أي اخترتموه .

وقيل : معناه إن كنتم من أهل العلم والتدبر علمتم أن الصوم خير لكم من ذلك.


(( الدلالات واللطائف المستفادة من الآية الكريمة ))
1) بيان رحمة الله ولطفه بعباده إذ شرع الصيام أياماً معدودات قلائلَ .
2) المشقة تجلب التيسير وهذه قاعدة فقهية كبرى يدور عليها الشرع ؛ وهذا ما نستفيده من الرخصة للمريض والمسافر ومن يطيق الصوم ويشقُّ عليه .
3) التدرج في التشريع ؛ حيث إن الصوم كان على التخيير بادئ الأمر ثم صار إلى الحتم والإلزام .
4) إن العبد كلما زاد في العبادة والطاعة فهو خير له في الدنيا والآخرة .
5) تفاضل الأعمال ؛ إذ إن الصوم أفضل من الفدية ؛ وبلا ريب ينشأ عن ذلك تفاضل العاملين.
6) التنبيه إلى فضيلة العلم ؛ وأنه دالٌّ على الخير .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
** المصادر والمراجع **
تفسير الطبري .
تفسير البيضاوي .
معاني القرآن للفراء.
تفسير القرطبي .
المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي .
تفسير الثعالبي
صحيح البخاري .
صحيح مسلم.
لسان العرب لابن منظور .
مقاييس اللغة .
الفروق للقرافي
فتح القدير للشوكاني.
في ظلال القرآن .
التحرير والتنوير لابن عاشور

يتبع بعون الله ومشيئته
__________________

من مواضيع غربة التوحيد

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 06-10-2015, 01:28 PM
الصورة الرمزية غربة التوحيد
غربة التوحيد غربة التوحيد غير متواجد حالياً
مشرف عام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2014
الدولة: دار الفناء
المشاركات: 154
افتراضي

وقفة تدبرية مع الآية الثالثة




في الآية السابقة بيَّن عز شأنه أن الصيامَ أيامٌ معدودات
وفي هذه الآية الكريمة زاد الأمر بياناً بتعيين هذه الأيام بقوله [شَهْرُ] ؛
لأن الأيام المعدودات - كما سلف - لفظ محتمل العدد.

والشهر مأخوذ من (شَهَرَ) فالشِّينُ وَالْهَاءُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى وُضُوحٍ فِي الْأَمْرِ وَإِضَاءَةٍ ...وَهُوَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْهِلَالُ ، ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا بَاسِمِ الْهِلَالِ، فَقِيلَ شَهْرٌ.


ثم زاد بياناً آخر بتعيين أيِّ شهر هو ؛ فقال : [ رَمَضانَ] .
واسمه مشتق من الفعل : (رَمَضَ) فالرَّاءُ وَالْمِيمُ وَالضَّادُ أَصْلٌ مُطَّرِدٌ يَدُلُّ عَلَى حِدَّةٍ فِي شَيْءٍ مِنْ حَرٍّ وَغَيْرِهِ. فَالرَّمَضُ : حَرُّ الْحِجَارَةِ مِنْ شِدَّةِ حَرِّ الشَّمْسِ. وَأَرْضٌ رَمِضَةٌ: حَارَّةُ الْحِجَارَةِ.
وَذَكَرَ قَوْمٌ أَنَّ رَمَضَانَ اشْتِقَاقُهُ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ ; لِأَنَّهُمْ لَمَّا نَقَلُوا اسْمَ الشُّهُورِ عَنِ اللُّغَةِ الْقَدِيمَةِ سَمَّوْهَا بِالْأَزْمِنَةِ ، فَوَافَقَ رَمَضَانُ أَيَّامَ رَمَضِ الْحَرِّ.
وَيُجْمَعُ عَلَى رَمَضَانَاتٍ وَأَرْمِضَاءُ.

وقد وافقت التسمية اللغوية حقيقة هذا الشهر الفضيل .
إذ إنه يرمض الذُّنُوب ويحرقها بالأعمال الصالحة
لما يَأْخُذ الْقُلُوب من حرارة الموعظة والفكرة وَالِاعْتِبَار بِأَمْر الْآخِرَةِ.


ثم أردف سبحانه ببيان فضيلة هذا الشهر الكريم بقوله :[ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ]
وقد اختلف المفسروف في حقيقة هذا الإنزال على ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه أنزل القرآن فيه جملة واحدة ، وذلك في ليلة القدر إلى بيت العزة من السماء الدنيا ، قاله ابن عباس رضي الله عنه .
وهذا مطابق لقوله تعالى : [ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ] و [ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ]

قال السيوطي في الإتقان : نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة .
ثم نزل بعد ذلك منجماً في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين على حسب الخلاف في مدة إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بمكة بعد البعثة.

والثاني : أنّ معناه : أنزل القرآن بفرض صيامه ، وروي عن مجاهد، والضحاك.
والثالث : أن معناه : إن القرآن ابتدئ بنزوله فيه على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ؛ قاله ابن إسحق ، وأبو سليمان الدمشقي.

وإنما سمي القرآن قرآناً لأنه يجمع السور الكثيرة ، من قولهم : قَرَاْتُ الماءَ في الإناءِ ، أي جمعته وضممته.

وقال بعض العلماء : سمي هذا الكتاب قُرْآناً من بين كتب الله ؛ لكونه جامعا لثمرة كتبه ؛ بل لجمعه ثمرة جميع العلوم .
وقد خُصّ بالكتاب المنزّل على سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلم ، فصار له كالعَلَم.

ثم أتبع سبحانه ببيان حال هذا الكتاب العظيم بقوله :
[هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ]


[ هُدىً لِلنَّاسِ] : أي القرآن هدىً للناس كافَّة من الضلالة وبياناً لهم.
[ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ ] : آيات واضحاتٍ فيها بيان الحلال والحرام مرشدة إلى الحق .
فيها الفرقان بين الحق والباطل في الاعتقاد والصدق والكذب في المقال ، والجميل والقبيح في الأفعال .


اعلم رحمك الله أنه تعالى لما خص هذا الشهر بهذه العبادة بيَّن العلة لهذا التخصيص ، وذلك هو أن الله سبحانه خصه بأعظم آيات الربوبية ،
وهو أنه أنزل فيه القرآن ، فلا يبعد أيضاً تخصيصه بنوع عظيم من آيات العبودية وهو الصوم ؛ وكأنه قيل :
لما عُلِم اختصاص هذا الشهر بهذه الفضيلة فأنتم أيضاً خصوه بهذه العبادة.


فلما عرّف سبحانه الشهر بأحسن ما يكون التعريف أتبع ذلك بقوله سبحانه :
[ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ]
والفاء فاء التفريع ؛ أي أن ما بعدها متفرع عما قبلها ؛
فيكون المعنى : إن كان الأمر كذلك فمن كان منكم حاضراً فيه
وعلم بدخول الشهر بشهود الهلالِ فليصم أيامَه.
وهذا المقطع من الآية ناسخ لحكم الصيام بالتخيير ؛ وهذا ما يفيده الفعل المضارع المقرون بلام الأمر.

وفي الآية نكتة لطيفة من روائع علم البيان وهي
(( الإظهار في مقام الإضمار ))
وتفسير ذلك : أن الله سبحانه أظهر كلمة ( الشهر) ولم يُضمرها؛
فلم يقل سبحانه : ( فمن شهده منكم )
لما في ذلك من تعظيم الشهر والتنويه بشرفه وفضله .
وحتى لا يتوهم متوهم أن الصيام واجب على من كان شهد الشهر الذي أنزل فيه القرآن فقط .

ثم إن في قوله سبحانه : [ فليصمه ] كمال البيان ؛ إذ لو قال سبحانه مثلاً
[ فليصم فيه ] لأوهم أن صيامَ بعضه كافٍ في أداء الفرض.
فتنبه – علمني الله وإياك - لمثل هذا فإنه نافع في فهم كتاب الله سبحانه .


ثم إنه سبحانه لما فرض على الحاضرين صيام الشهر شمل ذلك المريض والمسافر ؛
ولكن من رحمة الله سبحانه أن أبقى الرخصة لهم فلم يعمها النسخ ؛
فأتبع جل وعلا الحكم السابق بقوله :
[وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ]
وقد حذف قوله [ منكم] في هاته إيجازاً ؛ وإحالةً على ما مضى .

وقد علَّلَ سبحانه إبقاءه الرخصة على ما هي عليه بقوله :
[ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ]
و ((الْيُسْرُ)) : ضدّ (( الْعُسْرِ)) الذي يدل على الصعوبة والشدة.
والإرادة هنا تفسر بالإرادة الشرعية : أي المحبة ؛ أي يحبُّ الله لكم اليسر ولا يحب لكم العسر .

ثم لما كانت (( محبة اليسر )) غير مستلزمة لعدم إرادة العسر قال سبحانه : [وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ]
فحصل بذلك فائدتان :
1) عدم احتمال إرادة العسر.
2) التأكيد

وقوله : [ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]
عِلَلٌ لفعل محذوف دل عليه السياق والمعنى : شُرِع لكم ما سبق
1. [لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ]
قال الكلبي : يعني لتتموا عدة ما أفطرتم من الصوم في السفر أو في المرض.
وقال الضحاك : إذا غمّ عليكم هلال شوال فأكملوا الشهر ثلاثين يوماً.

2. [ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ ]
أي لتعظموا الله على مَا هداكم لشرائعه وسننه وأمر دينه .
وعُدِّي التكبير بـِ (( على)) لتضمنه معنى الحمد ؛ كأنه قيل لتكبروا الله : أي لتعظموه حامدين على ما هداكم إليه
وفيه مشروعية التكبير في العيد .


3. [ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]
أي لتشكروا الله تعالى على هذه النعمة حيث رخص لكم الفطر في المرض والسفر. وهداكم لأمر دينه.

وفي رأس الآية نكتة بلاغية من محاسن علم البيان
إذ إن ختم الآية الكريمة بِـ : [وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]
مناسب لما جاء قبله من التيسير الترخيص للمريض والمسافر بالفطر.
في حين أن الله سبحانه يختم الأمر الشاق بقوله : [ وَلَعَلَّكُمْ تَتَّقونَ]

كما قال في الآية الأولى :[كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]
وكما جاء في القصاص : [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ]


فالصوم نعمة تستحق التكبير والشكر
وهذه غاية من غايات الفريضة
أن يشعر الذين آمنوا بقيمة الهدى الذي يسره الله لهم.
وهم يجدون هذا في أنفسهم في فترة الصيام أكثر من كل فترة
وهم مكفوفو القلوب عن التفكير في المعصية ، ومكفوفو الجوارح عن إتيانها.
وهم شاعرون بالهدى ملموساً محسوساً.
ليكبروا الله على هذه الهداية ، وليشكروه على هذه النعمة.
ولتفيء قلوبهم إليه بهذه الطاعة.
كما قال لهم في مطلع الحديث عن الصيام: [لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]
وهكذا تبدو منة الله في هذا التكليف الذي يبدو شاقّاً على الأبدان والنفوس.
وتتجلى الغاية التربوية منه ، والإعداد من ورائه للدور العظيم الذي أخرجت هذه الأمة لتؤديه أداء تحرسه التقوى ورقابة الله وحساسية الضمير.



(( الدلالات واللطائف المستفادة من الآية الكريمة))
1. إظهار فضيلة الشهر الكريم باقترانه بأعظم هبة وهي إنزال القرآن العظيم .
2. ذكر وجوب الصيام .
3. إثبات الرخصة للمريض والمسافر .
4. وجوب القضاء على من أفطر بعذر .
5. بيان كمال رأفة الله ورحمته بعباده الموحدين .
6. الشريعة مبنية على اليسر في جميع أحكامها ؛ وهذا من كمال المِنّة نجده في قوله تعالى : [ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ]
وقوله تعالى : [مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ]
وقوله صلى الله عليه وسلم :
[ إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا ، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ ] متفق عليه .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(( المصادر والمراجع ))
تفسير الرازي
تفسير السمرقندي
مقاييس اللغة .
في ظلال القرآن .
تفسير النسفي .
زاد المسير في علم التفسير
تفسير الراغب الأصفهاني .
البحر المحيط في التفسير
المفردات في غريب القرآن
الإتقان في علوم القرآن للسيوطي

يتبع بعون الله ومشيئته
__________________

من مواضيع غربة التوحيد

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 06-13-2015, 01:42 PM
الصورة الرمزية غربة التوحيد
غربة التوحيد غربة التوحيد غير متواجد حالياً
مشرف عام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2014
الدولة: دار الفناء
المشاركات: 154
افتراضي

وقفة تدبرية مع الآية الرابعة




((مناسبة الآية لما قبلها ))
لما ختم الله سبحانه الآية السابقة الآمرة بالصيام ببيان العلل الداعية إلى تشريعه ومنها تكبيره وشكره بيَّن هنا
أنه بلطفه ورحمته قريب من العبد مطلع على ذكره وشكره فيسمع نداءه ويجيب دعاءه ولا يخيب رجاءه وهو أيضاً مجازيهم بأحسن ما يكون الجزاء.


كما أن إتيان هذه الآية بعد الأمر بالتكبير فيه تنبيه على أن الدعاء لا بد وأن يكون مسبوقا بالثناء الجميل على الله سبحانه
ألا ترى أن الخليل عليه السلام لما أراد الدعاء قدم عليه الثناء ، فقال :
[ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81)
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) ] .

ثم إن هناك علاقة وطيدة بين الدعاء والصيام ؛ فالصوم مظنة قبول الدعاء وفي ذلك يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم :

[ ثَلاَثَةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ : الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ ، وَالإِمَامُ العَادِلُ ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الغَمَامِ وَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ] رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد .
فهذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة ، بل وعند كل فطر .

وقد أورد المفسرون روايات عديدة في سبب نزول الآية الكريمة ؛ لم أورِدْها خشية الإطالة فراجعها من تفسير الطبري .

(( تفسيــــر الآيــة الكريمـة))
احتوت الآية الكريمة - مع قصرها - الكثير من اللطائف والدرر البلاغية المُعجِزة.
وأول وجوه البلاغة تلوين الخطاب؛ إذ إن الآية معطوفة على ما قبلها وقد كان ما قبلها خطاباً للجميع [لتكملوا . لتكبروا ...] ؛
فعدل عنه إلى خطاب النبي وحده صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى :[ سَأَلَكَ] ؛ لأنه في مقام التبليغ عن ربه ، ولا يخفى ما فيه من التشريف، ورفعة المقام.


وقد جاءت هذه الآية الكريمة لتجيب عن سؤال ؛ والعادة في القرآن أن يجيء السؤال بلفظ [يسألونك] ؛ ويكون الجواب مبدوءاً بلفظ [ قل ]
إلا هذه الآية الكريمة اختلفت في نظمها ؛ فابتدأت بـالشرط (إذا) وهو ظرف لما يستقبل من الزمان ؛ وجيء بجواب الشرط محذوفاً وتقديره : ((فقل لهم))
لأنه لا يترتب على الشرط القرب ، إنما يترتب الإخبار عن القرب .
فيكون تقدير الآية : وإذا سألوك - أي في المستقبل - فقل لهم إني قريب.

قال ابن عاشور :نظم الآية مؤذن بأن الله تعالى بعد أن أمرهم بما يجب له عليهم أكرمهم فقال : وإذا سألوا عن حقهم علي فإني قريب منهم أجيب دعوتهم ،
وجعل هذا الخير مرتبا على تقدير سؤالهم إشارة إلى أنهم يهجس هذا في نفوسهم بعد أن يسمعوا الأمر بالإكمال والتكبير والشكر أن يقولوا:هل لنا جزاء على ذلك ؟
وأنهم قد يحجمون عن سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك أدباً مع الله تعالى فلذلك قال تعالى : [وإذا سألك] .

والسر في حذف (قل ) أن :
العبد في حالة الدعاء مستغنٍ عن الواسطة ، وهو دليل على أنه أشرف المقامات فإن الله سبحانه لم يجعل بينه وبين الداعي واسطة .
وإخباره سبحانه وتعالى بنفسه الشريفة دون واسطة مشعرٌ بفرط قربه وحضوره مع كل سائل فقال : {فإني} دون فقل إني .
فإنه لو أثبت قل ، لأوهم بُعداً وليس المقام كذلك.
فإذا كان هذا التلطف بالسائلين ؛ فما ظنك بالسالكين السائرين!


إنه سبحانه وتعالى لما كان قد تعرَّف إلى عباده بأفعاله وآياته وما ركز في العقول من معرفته كان حذف الواسطة في الإخبار عنه أنسب .
بخلاف الأهلة ونحوها فإن العقول لا تستقل بمعرفتها ، فكان الإخبار عنها بواسطة الرسول الذي لا تعرف إلا من جهته أنسب.

وفي إضافته سبحانه العباد إلى نفسه العليَّة تشريف وتعظيم لهؤلاء السائلين فهم قوم مخصوصون مؤمنون استجابوا لنداء الله بأمره بالصيام .

ومعنى قوله تعالى : [ فَإِنِّي قَرِيبٌ]
قريبٌ من الكافة بالعلم والقدرة والسماع والرؤية ، وقريب من المؤمنين على وجه التبرية والنصرة وإجابة الدعوة .
وهذا نظير قوله تعالى : [ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ].


ثم أوضح سبحانه نتيجة هذا القرب في قوله :
[ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ ]
قدم سبحانه جواب الشرط على فعل الشرط فتقدير الآية : إذا دعانِ الداع أجيبه.
وهذا لطف منه سبحانه بتعجيله الإجابة لعبده فإنه العليم به قبل أن يدعوه ويرفع له حاجته.
وصدق عمر الفاروق رضي الله عنه حينما قال :إني لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل هم الدعاء فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه.
ثم إن إجابة الداعي مقيدة بمشيئته وحكمته سبحانه كما قال في آية أخرى:[ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ ]


قوله تعالى : [ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ]
الفاء فاء التفريع ؛ أي إذا كنت أجيب دعوة الداعي فليجيبوا أوامري إذا دعوتهم للإيمان والطاعة كما أجيبهم إذا دعوني لمهماتهم.


[ وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ]
أي : وليستقيموا وليعزموا على الاستجابة ، وليؤمنوا كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم ؛ إرادة أن يكونوا من الراشدين المهتدين إلى مصالح دينهم ودنياهم
فليس القصد من تكليفك ودعائك إلا وصولك إلى إرشادك.
وحاصل الكلام : أنا أجيب دعاءكم مع أني غني عنكم على الإطلاق فكونوا أنتم مجيبين دعوتي مع افتقاركم إليّ من جميع الوجوه.


وفي المقطع نكتة لطيفة :
وهي أنه تعالى لم يقل : أجب دعائي حتى أجيب دعاءك ؛ لئلا يصير المذنب محروماً عن هذا الإكرام.
بل قال : أنا أجيب دعاءك على جميع أحوالك فكن أنت مجيبا لدعائي
وهذا يدل على أن نعمه تعالى شاملة ورحمته كاملة تعم المطيعين والمذنبين والكاملين والناقصين.


قال ابن عطاء الله في «لطائف المنن» :
وإِذا أراد اللَّه أن يعطِيَ عبداً شيئاً وهبه الاضطرار إِلَيْهِ فيه فيطلبه بالاِضطرارِ فيعطى
وإِذا أراد اللَّه أن يمنع عبداً أمراً ، منعه الاضطرَار إِلَيْه فيه ، ثم منعه إِياه ،
فلا يُخَافُ علَيْكَ أن تضطرَّ وتطلب فلا تعطى ؛ بل يُخَافُ عليك أنْ تُحْرَمَ الاضطرارَ فتحرم الطَّلَب ، أو تَطْلُب بغير اضطرارٍ فتحرم العطاء.


وهكذا نجد في هذه الآية الكريمة لفتة عجيبة إلى أعماق النفس وخفايا السريرة
نجد العوض الكامل الحبيب المرغوب عن مشقة الصوم ، والجزاء المعجل على الاستجابة لله
نجد ذلك العوض وهذا الجزاء في القرب من الله ، وفي استجابته للدعاء
تصوره ألفاظ رفافة شفافة [ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ]
أية رقة ؟ وأي انعطاف ؟ وأية شفافية ؟ وأي إيناس ؟
وأين تقع مشقة الصوم ومشقة أي تكليف في ظل هذا الود ، وظل هذا القرب ، وظل هذا الإيناس ؟
وفي كل لفظ في التعبير في الآية كلها تلك النداوة الحبيبة:
[وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ. أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ]
إضافة العباد إليه ، والرد المباشر عليهم منه .. ولم يقل أسمع الدعاء ؛ إنما عجل بإجابة الدعاء
إنها آية عجيبة
آية تسكب في قلب المؤمن النداوة الحلوة ، والود المؤنس ، والرضى المطمئن ، والثقة واليقين
ويعيش منها المؤمن في جناب رضيّ ، وقربى ندية ، وملاذ أمين وقرار مكين.
وفي ظل هذا الأنس الحبيب ، وهذا القرب الودود ، وهذه الاستجابة الموحية
يوجه الله عباده إلى الاستجابة له ، والإيمان به لعل هذا أن يقودهم إلى الرشد والهداية والصلاح.
فالثمرة الأخيرة من الاستجابة والإيمان هي لهم كذلك وهي الرشد والهدى والصلاح ؛ فالله غني عن العالمين.
والرشد الذي ينشئه الإيمان وتنشئه الاستجابة لله هو الرشد.
فالمنهج الإلهي الذي اختاره الله للبشر هو المنهج الوحيد الراشد القاصد وما عداه جاهلية وسفه لا يرضاه راشد ، ولا ينتهي إلى رشاد.
واستجابة الله للعباد مرجوة حين يستجيبون له هم ويرشدون ؛ وعليهم أن يدعوه ولا يستعجلوه ؛ فهو يقدر الاستجابة في وقتها بتقديره الحكيم.


(( الدلالات واللطــائف))
1. مجيء الآية بين آيات الصوم إشارة إلى أن الصوم سبب لإجابة الدعاء .
2. لطف الله سبحانه ورحمته بعباده أن شرع لهم الدعاء .
3. تذلل العبد لسيده ومولاه سبب لإجابة دعائه .
4. وجوب الاستجابة له سبحانه وطاعته.
5. الاستجابة لله طريق الهداية والرشاد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(( المصادر والمراجع ))
تفسير ابن كثير
نظم الدرر للبقاعي
في ظلال القرآن
تفسير الألوسي
التحرير والتنوير
تفسير النيسابوري
تفسير الفخر الرازي / مفاتيح الغيب
اللباب في علوم الكتاب
البرهان في علوم القرآن للزركشي

يتبع بمشيئة الله تعالى
__________________

من مواضيع غربة التوحيد

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 06-18-2015, 12:22 AM
الصورة الرمزية غربة التوحيد
غربة التوحيد غربة التوحيد غير متواجد حالياً
مشرف عام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2014
الدولة: دار الفناء
المشاركات: 154
افتراضي

وقفة تدبرية مع الآيــة الخامسة


(( ســـبب نــزول الآيــــة ))
أخرج البخاري بسنده عَنِ البَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ :
[ كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا ، فَحَضَرَ الإِفْطَارُ ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلاَ يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَـةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا ؛
فَلَمَّا حَضَرَ الإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ ، فَقَالَ لَهَا : أَعِنْدَكِ طَعَامٌ ؟ قَالَتْ : لاَ وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ ، وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ : خَيْبَةً لَكَ ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ
:[ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ] ؛ فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا ،
وَنَزَلَتْ:
[ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ ]


وعنده أيضاً عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
لَمَّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضَانَ كَانُوا لاَ يَقْرَبُونَ النِّسَاءَ رَمَضَانَ كُلَّهُ، وَكَانَ رِجَالٌ يَخُونُونَ أَنْفُسَهُم؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : [ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ]

وأخرج البيهقي في السنن الكبرى بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال :
كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّوْا الْعَتَمَةَ حُرِّمَ عَلَيْهِمُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالنِّسَاءُ ، وَصَامُوا إِلَى الْقَابِلَةِ فَاخْتَانَ رَجُلٌ نَفْسَهُ - في بعض الروايات ذكر أنه عمر رضي الله عنه - فَجَامَعَ امْرَأَتَهُ ، وَقَدْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَلَمْ يُفْطِرْ فَأَرَادَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ يُسْرًا لِمَنْ بَقِيَ وَرُخْصَةً وَمَنْفَعَةً ، فَقَالَ: {عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ} الْآيَةَ
وَكَانَ هَذَا مِمَّا نَفَعَ اللهُ بِهِ النَّاسَ أَرْخَصَ لَهُمْ وَأيَسَرَ
.


(( مناسبــــة الآية لآية الدعاء قبلها ))
لما فرض الله الصيام على المسلمين كما فرض على الذين من قبلهم ، وكان ذلك على أنهم إذا ناموا حرم عليهم ما يحرم على الصائم شق ذلك على بعض الصحابة رضي الله عنهم حتى عصوا الله في ذلك التكليف ثم ندموا وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن توبتهم فأنزل الله تعالى هذه الآية مخبراً لهم بقبول توبتهم ، ونسخ ذلك التشديد بسبب دعائهم وتضرعهم.


(( شـــرح الآيـــة الكريـــمــة )
::
قوله تعالى : [ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ]
لفظ (أُحِلَّ لكم ) من الألفاظ الدالة على الإباحة.
وبني للمجهول للعلم بالمحلِّل وهو الله جل جلاله .
والمقصود بليلة الصيام ؛ ليالي الصيام فوقع الواحد موقع الجماعة قاله الواحدي .
وَالرَّفَثُ مأخوذ من (رَفَثَ) ؛ قال ابن فارس : الرَّاءُ وَالْفَاءُ وَالثَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ ، وَهُوَ كُلُّ كَلَامٍ يُسْتَحْيَا مِنْ إِظْهَارِهِ. وَأَصْلُهُ الرَّفَثُ ، وَهُوَ النِّكَاحُ ؛ وأورد هذه الآية شاهداً .
قال : وَالرَّفَثُ: الْفُحْشُ فِي الْكَلَامِ. يُقَالُ أَرْفَثَ وَرَفَثَ.
قال ابن عباس رضي الله عنه : الغشيان واللمس والإفضاء والمباشرة والرفث هو الوطء ؛ ولكنَّ الله حَيِيٌّ كريم يكنِّي بما شاء ؛ يكنى بالْحسنِ عَن الْقَبِيح.
وعدي بـِ (إلى) لتضمنه معنى الإفضاء .

ثم أخبر سبحانه عن علة الحلِّ والإباحة بقوله :[ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ]
فكنَّى باللباسِ عن شِدَّة المخالَطَةِ ؛ فكلٌّ منهما يستر صاحبه ويحصنه من الوقوع في الحرام.
وقيل اللِّباس : السَّكن ؛ كما قال تعالى :[ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ]

قال الحلبي في الدر المصون : وقَدَّمَ قولَه: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ} على {وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} ؛ تنبيهاً على ظهورِ احتياجِ الرجل للمرأةِ وعَدَم صَبْرِهِ عنها، ولأنَّه هو البادىءُ بطلبِ ذلك
::
ثم مضى القرآن الكريم يكشف لهم عن خبيئة مشاعرهم
وهو يكشف لهم عن رحمته بالاستجابة لهواتف فطرتهم بقوله تعالى :
[ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ باشِروهُنَّ ]
قال القتبي: أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدي الأمانة فيه.
وقد سمى الله تعالى هذا الفعل خيانة ؛ لأن الإنسان قد اؤتمن على دينه ؛ فإذا فعل بخلاف ما أمر الله به ولم يؤد الأمانة فيه ، فقد خانه بمعصيته.
وعلى كلٍّ ؛ فقد قَبِلَ الله توبتهم من خيانتهم لأنفسهم وخفَّفَ عنهم بالرخصة والإباحة .

قال ابن العربي المالكي رحمه الله :
(( وقال علماء الزهد : وكذا فلتكن العناية وشرف المنزلة ؛ خان نفسه عمر رضي الله عنه فجعلها الله تعالى شريعة ، وخفف من أجله عن الأمة فرضي الله عنه وأرضاه ))

ولكن هذه الإباحة لا تمضي دون أن تُربَط بالله ، ودون توجيه النفوس في هذا النشاط لله أيضاً :
فقال تعالى : [ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ]
وقد اختلف المفسرون في حقيقة المُبتغى على أقوال أربعة :
1. الأول : أنه الولد ، قاله ابن عباس ، والحسن ومجاهد وآخرون .
2. والثاني : الرُّخصة ، وهو قول قتادة ، وابن زيد.
3. والثالث : أنه ليلة القدر، رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما.
4. والرابع : أنه القرآن ؛ فمعنى الكلام : اتبعوا القرآن ؛ فما أُبيح لكم وأمرتم به فهو المبتغى ، وهذا اختيار الزجاج.

قال ابن القيم في تفسيره القيم : والتحقيق أن يقال :
لما خفف الله عن الأمة بإباحة الجماع ليلة الصوم إلى طلوع الفجر وكان المجامع يغلب عليه حكم الشهوة وقضاء الوطر حتى لا يكاد يخطر بقلبه غير ذلك
أرشدهم سبحانه إلى أن يطلبوا رضاه في مثل هذه اللذة
؛
ولا يباشروهنَّ بحكم مجرد الشهوة
بل يبتغوا ما كتب الله لهم من الأجر والولد الذي يخرج من أصلابهم يعبد الله ولا يشرك به شيئاً
ويبتغون ما أباح لهم من الرخصة بحكم محبته بقبول رخصه فإن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته .

ومما كتب الله لهم : ليلة القدر، فأمروا أن يبتغوها.


لكن يبقى أن يقال : فما تعلق ابتغاء ليلة القدر بإباحة مباشرة أزواجهم؟
يقال : فيه إرشاد إلى أن لا يشغلهم ما أبيح لهم من المباشرة عن طلب هذه الليلة التي هي خير من ألف شهر.
فكأنه سبحانه يقول : اقضوا وطركم من نسائكم ليلة الصيام ، ولا يشغلكم ذلك عن ابتغاء ما كتب الله لكم من هذه الليلة التي فضلكم بها ؛ والله أعلم.

يتبع بعون الله تعالى تتمة الآية الكريمة

__________________

من مواضيع غربة التوحيد

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
وقفات مع الصالحين في اخلاصهم لرب العالمين ام عاتكة المنتدى الشرعي العام 5 11-16-2017 12:38 AM
شرح كتاب الصيام من عمدة الفقه للامام الموفق ابن قدامة نور التوحيد المنتدى الشرعي العام 10 05-25-2015 09:40 PM
خلاصة الكلام في حكم الحجامة حال الصيام نور التوحيد المنتدى الشرعي العام 0 05-21-2011 10:23 PM
وقفات في فن الدعوة ام همام الواقع المعاصر ومنهج الحركة 0 12-14-2010 12:49 AM


الساعة الآن 02:45 PM


جميع المشاركات تعبّر عن وجهة نظر صاحبها ولا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر إدارة المنتدى