منتدى دعوة الحق  

العودة   منتدى دعوة الحق > الأقسام الرئيسية > الـفتاوى الـشرعية > قسم فتاوى العقيدة

تنبيهات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 10-02-2013, 10:48 PM
مراقب مراقب غير متواجد حالياً
مشرف عام
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
المشاركات: 140
افتراضي الفرق بين التولي والموالاة

السؤال :
السلام عليك شيخ ضياء الدين .
شيخنا الفاضل ممكن توضيح لما قلته في شرحك لمعني التولي في الثلالثة أصول الجزء الثاني .
فضيلتك قلت " أما التولِّي فهو محبة الشرك وأهل الشرك ، محبة الكفر وأهل الكفر ، أو نصرةُ الكفار والمشركين على أهل الإيمان ، قاصداً ظهور الكفر على الإسلام ، بهذا الضابط يتضح معنى التولي . وتولي الكفارَ والمشركينَ بهذا المعنى ، كفر أكبر يخرج من الملة . وهو الذي جاء في قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾" ؟أهـ
فهل هذا تقيد للتولي المكفر بأن يكون القصد فيه "ظهور الكفر على الإسلام "
وأما عند انعدام القصد فلا يكون ولاء مكفر .
خاصتة وأنك ذكرت بعدها مباشرة كلام يوافق نفس ما قلته من قبل .
والموالاة المحرّمة من جنس محبةِ المشركين والكفار لأجل منفعة دنيوية ، ويجب أن لا يكون معها نصرة له على المسلمين ، لأنه إذا كان معها نصرة على مسلم بقصد ظهور الشرك على الإسلام صار تولياً ، وهذا كفر مخرج من الملة ،"أهـ
فبرجاء توضيح قولك وشرحه لنا .
وبرجاء بسط وتوضيح لحكم دخول الجيش الان .
وما فيه من أحكام علي الظاهر قد تختلف عن الحكم الحقيقي عند الله .
لو كان هناك فرق .
وجزاك الله خيرا .
ومعذرة علي اطالة السؤال
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 10-02-2013, 10:50 PM
مراقب مراقب غير متواجد حالياً
مشرف عام
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
المشاركات: 140
افتراضي

الجواب :
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
للمولاة معاني كثيرة في اللغة منها :
جاء في لسان العرب (3/986-988) .
الموالاة – كما قال ابن الأعرابي -: أن يتشاجر اثنان فيدخل ثالث بينهما للصلح، ويكون له في أحدهما هوى فيواليه أو يحابيه. ووالى فلان فلاناً: إذا أحبه.
والولي: القرب والدنو. والموالاة: المتابعة.
والتولي: يكون بمعنى الإعراض، ويكون بمعنى الاتباع. قال تعالى:
{وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ{ [سورة محمد: 38].
أي: أن تعرضوا عن الإسلام.
وقوله تعالى:{وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ{ [سورة المائدة:51].
معناه – من يتبعهم وينصرهم .
وجاء في المصباح المنير للفيومي 2/841 ." الولي فعيل بمعنى فاعل، من وليه إذا قام به، ومنه قوله تعالى:
{الله ولي الذين ءامنوا{ [سورة البقرة: 257].
ويكون الولي: بمعنى مفعول ، في حق المطيع، فيقال: المؤمن ولي الله. ووالاه موالاة وولاء: من باب (قاتل) أي تابعه).
قال ابن فارس في "معجم مقايس للغة"(مادة:ولي):"الواو واللام والياء أصل صحيح يدلُّ على قرب ".
وقال الفيروز آبادي في "القاموس"(4/658- ترتيبه):"الولي:القرب والدنو...وتولاه:اتخذه ولياً...ووالى بين الأمرين_مولاة وولاء_:تابع .." .
وقال الفيروز آبادي أيضاً في "بصائر ذوي التمييز"(5/280) :"والولاية هي النصرة...
قا لوا : تولى إذا عدي بنفسه اقتضى معنى الولاية وحصوله في أقرب المواضع..قال تعالى:(فول وجهك شطر المسجد الحرام) ، وإذا عدي بعن لفظاً أو تقديراً اقتضى معنى الإعراض وترك قربه،فمن الأول قوله تعالى: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) ومن الثاني : (فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين) ،والتولي قد يكون بالجسم ،وقد يكون بترك الإصغاء والائتمار..." .
وقال الزبيدي في"تاج العروس"(10/398)مادة "ولي" :"وقد وردت معاني عدة للمولي فيضاف كل واحد إلى ما يقتضيه الحديث الوارد فيه " .
فكما يظهر من المعاجم العربية أن لمادة الولاء في اللغة معاني كثيرة لا يجوز إطلاق الكفر إلاَّ فيما تقتضيه وهي الولاية بمعنى المحبة ، والنصرة القلبية ، والميل القلبي . وكلها مكانها القلب . فالولاء والبراء في الإسلام معتقد قلبي يظهر أثره على الجوارح .
المولاة في القرآن وردت بعدة معاني ، وإذا نظرنا في أدّلة الكتاب والسنّة نجد أن هناك نوعان من المولاة قد منعهما الإسلام موالاة مكفرة ومولاة غير مكفرة حرام . لهذا من العلماء من قسم المولاة إلى قسمين وجعل الأول كفر وسماه تولي والقسم الآخر غير مكفر سماه المولاة المحرمة .
كذلك نجد في القرآن والسنة أن معتقد الولاء والبراء يرجع إلى معنيين اثنين بالتحديد ، هما : الحب والنصرة في الولاء ، وضدهما في البراء . وهذان المعنيان من معانيهما في اللغة.
وعندما نقول إن ركني الولاء والبراء هما : الحب والنصرة في الولاء ، والبغض والعداوة في البراء ، فنحن نعني بالنصرة وبالعداوة هنا النصرة القلبيّة والعداوة القلبيّة ، أي تمنِّي انتصار الإسلام وأهله وتمنِّي اندحار الكفر وأهله . أمّا النصرة العملية والعداوة العمليّة فهما ثمرة لذلك المعتقد ، لا بُدّ من ظهورها على الجوارح .
فركن الولاء الأكبر هو الحُب ، والنُّصرة العمليّة هي ثمرة هذا الحب وأثره على الجوارح . وركن البراء الأكبر هو البغض ، والعداوة العمليّة هي ثمرة هذا البُغْض وأثره على الجوارح .
ولأن النصرة ا لظاهرة العملية للكفار والمشركين على أهل الإيمان تحتمل المحبة والميل القلبي والنصرة القلبية وتحتمل غير ذلك من المنافع الدنوية اشترط العلماء لتكفير الشخص أن يكون قاصداً ظهور الكفر على الإسلام .يعني أن تكون هذه النصرة نصرة قلبية . فمعنى قوله تعالى " تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ " يعني بالظاهر وليس المقصود منها المودة القلبية . لأن قلب حاطب كان سليما بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم له .
فمعنى "تلقون إليهم بالمودة" تخبرونهم بسرائر المسلمين وتنصحون لهم. فهي نصرة عملية .
والنصرة العملية هي الإعانة العملية . وإعانة الكافر على المسلم فيها احتمالات ، لهذا لا يجب تكفير من أعان الكافر على المسلم قبل معرفة قصده من إقراره وكلامه أو من القرائن المحيطة في عمله .
ودليل ذلك قوله تعالى ï´؟يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِï´¾ ، فالله سبحانه وتعالى في هذه الآية أثبت أنه حصل ممن ناداهم باسم الإيمان اتخاذ المشركين والكفار أولياء بإلقاء المودةَ لهم . وقد جاء في الصحيحين ، وفي التفسير في قصة حاطب المعروفة حيث إنه أرسل بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم للمشركين لكي يأخذوا حِذْرهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كُشِفَ الأمر، قال عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله دعني أضرب عنقَ هذا المنافق. قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: أتركه يا عمر، يا حاطب ما حملك على هذا؟
فدل سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم على اعتبار القصد ؛ لأنه إن كان قصد ظهور الشرك على الإسلام ، وظهور المشركين على المسلمين ، فهذا يكون نفاقاً أكبراً وكفراً أكبر ، وإن كان له مقصد آخر فله حكمه .
قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم -مستبينا الأمر- ما حملك يا حاطب على هذا ؟ قال: يا رسول الله والله ما حملني على هذا محبةُ الشرك وكراهة الإسلام ، ولكن ما من أحد من أصحابك إلا وله يد يحمي بها ماله في مكة، وليس لي يدٌ أحمي بها مالي في مكة، فأردتُ أن يكون لي بذلك يد أحمي بها مالي في مكة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «صدق لا تقولوا له إلا خيراً»..
قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره هذه الآية : " وذكر أن حاطبا لما سمع " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " غشي عليه من الفرح بخطاب الإيمان.
وقال القرطبي رحمه الله أيضا : قوله تعالى: " تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ " يعني بالظاهر ؛ لأن قلب حاطب كان سليما؛ بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: (أما صاحبكم فقد صدق) وهذا نص في سلامة فؤاده وخلوص اعتقاده." تفسير القرطبي "
ولهذا استفاد العلماء من هذه الآية ، ومن آية سورة المائدة ï´؟ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ï´¾ ، ومن آية المجادلة التي ساقها المصنف رحمه الله ï´؟ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُï´¾ ، إلى أنَّ الموالاة تنقسم إلى قسمين قسم مكفر وسموه تولي وقسم غير مكفر ولكنه حرام وسموه موالاة . ولا مشاحة في الاصطلاح . ولك أن تسمية مولاة مكفرة وموالاة حرام ، أو مولاة مطلقة عامة مكفرة ومولاة خاصة غير مكفرة ولكنها حرام .
قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى"(1/20):"وأصل التولي :الحب ، فكل من أحب شيئا ًدون الله ولاّه الله يوم القيامة ما تولاه ، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً " .
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن كما في " الدررالسنية "(1/474):
"وأما قوله تعالى : ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) وقوله: ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) وقوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين ) فقد فسرته السنة ، وقيدته وخصته بالموالاة المطلقة العامة. وأصل المولاة ، هو : الحب والنصرة والصداقة ، ودون ذلك مراتب متعددة ، ولكل ذنب حظه وقسطه من الوعيد والذم ، وهذا عند السلف الراسخين في العلم من الصحابة والتابعين معروف في هذا الباب ، وفي غيره ، وإنما أشكل الأمر ، وخفيت المعاني والتبست الأحكام على خلوف من العجم والمولدين الذين لا دراية لهم بهذا الشأن ولا ممارسة لهم بمعاني السنة والقرآن" .
وقال الشيخ جمال الدين القاسمي في"تفسيره"(2/81)و(9/90):"المولاة المحظورة تكون بالمعاداة بالقلب للمؤمنين، والمودة للكفار عل كفرهم".
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن كما في "الدرر السنية"(1/235_236):
"إن المولاة تنقسم إلى قسمين:
أولاً- مولاة مطلقة عامة : وهذه كفر صريح ، وهي بهذه الصفة مرادفة لمعنى التولي ،وعلى ذلك تحمل الأدلة الواردة في النهي الشديد عن مولاة الكفار ، وأن من ولاهم فقد كفر .
ثانياً- مولاة خاصة : وهي مولاة الكفار لغرض دنيوي مع سلامة الاعتقاد ، وعدم إضمار نية الكفر والردة ،كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة في إفشاء سر الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة مكة كما هو مذكور في سبب نزول سورة الممتحنة " .

أقول : فمن تعاون مع الكفار والمشركين على محرم ليس إيثاراً لدينهم على الدين الإسلامي ، ولا محبةً لهم من أجل ما هم عليه من الكفر ، ولا كرهاً للمسلمين من أجل ما هم عليه من الإسلام ، ولكن فعل ذلك من أجل مطمعٍ دنيوي مع اعتقاده بأنَّهم كفاراً ، وأنَّه مسيء ، فهذا فعله يعتبر فسقاً ويخشى عليه أن يقع في الكفر .
جاء في تفسير القرطبي في تفسير آية الممتحنة : "ومعنى "تلقون إليهم بالمودة" تخبرونهم بسرائر المسلمين وتنصحون لهم ؛ وقاله الزجاج . الرابعة: من كثر تطلعه على عورات المسلمين وينبه عليهم ويعرف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافرا إذا كان فعله لغرض دنيوي واعتقاده على ذلك سليم ؛ كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين. إذا قلنا لا يكون بذلك كافرا فهل يقتل بذلك حدا أم لا ؟ اختلف الناس فيه ؛ فقال مالك وابن القاسم وأشهب: يجتهد في ذلك الإمام . وقال عبد الملك: إذا كانت عادته تلك قتل، لأنه جاسوس ، وقد قال مالك بقتل الجاسوس - وهو صحيح لإضراره بالمسلمين وسعيه بالفساد في الأرض. ولعل ابن الماجشون إنما اتخذ التكرار في هذا لأن حاطبا أخذ في أول فعله."
- " قيل للشافعي رحمه الله أرأيت المسلم يكتب إلى المشركين من أهل الحرب بأن المسلمين يريدون غزوهم أو بالعورة من عوراتهم هل يحل ذلك دمه ويكون في ذلك دلالة على ممالأة المشركين.
قال الشافعي رحمه الله تعالى لا يحل دم من ثبتت له حرمة الإسلام إلا أن يقتل أو يزني بعد إحصان أو يكفر كفرا بينا بعد إيمان ثم يثبت على الكفر وليس الدلالة على عورة مسلم ولا تأييد كافر بأن يحذر أن المسلمين يريدون منه غرة ليحذرها أو يتقدم في نكاية المسلمين بكفر بين .
فقلت للشافعي أقلت هذا خبرا أم قياسا ؟ قال قلته بما لا يسع مسلما علمه عندي أن يخالفه بالسنة المنصوصة بعد الاستدلال بالكتاب .
فقيل للشافعي فاذكر السنة فيه قال أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن الحسن بن محمد عن عبيد الله بن أبي رافع قال سمعت عليا يقول بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والمقداد والزبير فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخرجنا تعادى بنا خيلنا فإذا نحن بالظعينة فقلنا لها أخرجي الكتاب فقالت ما معي كتاب فقلنا لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين ممن بمكة يخبر ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم قال ما هذا يا حاطب قال لا تعجل علي يا رسول الله إني كنت امرءا ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها قراباتهم ولم يكن لي بمكة قرابة فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدا والله ما فعلته شكا في ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قد صدق فقال عمر يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله عز وجل قد يتحقق على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم قال فنزلت يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء.
قال الشافعي رحمه الله تعالى في هذا الحديث مع ما وصفنا لك طرح الحكم باستعمال الظنون لأنه لما كان الكتاب يحتمل أن يكون ما قال حاطب كما قال من أنه لم يفعله شاكا في الإسلام وأنه فعله ليمنع أهله ويحتمل أن يكون زلة لا رغبة عن الإسلام واحتمل المعنى الأقبح كان القول قوله فيما احتمل فعله وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه بأن لم يقتله ولم يستعمل عليه الأغلب ولا أحد أتى في مثل هذا أعظم في الظاهر من هذا لأن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مباين في عظمته لجميع الآدميين بعده فإذا كان من خابر المشركين بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غرتهم فصدقه ما عاب عليه الأغلب مما يقع في النفوس فيكون لذلك مقبولا كان من بعده في أقل من حاله وأولى أن يقبل منه مثل ما قبل منه .
قيل للشافعي أفرأيت إن قال قائل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قد صدق إنما تركه لمعرفته بصدقه لا بأن فعله كان يحتمل الصدق وغيره فقال له قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المنافقين كاذبون وحقن دماءهم بالظاهر فلو كان حكم النبي صلى الله عليه وسلم في حاطب بالعلم بصدقه كان حكمه على المنافقين القتل بالعلم بكذبهم ولكنه إنما حكم في كل بالظاهر وتولى الله عز وجل منهم السرائر ولئلا يكون لحاكم بعده أن يدع حكما له مثل ما وصفت من علل أهل الجاهلية وكل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو عام حتى يأتي عنه دلالة على أنه أراد به الموطأ أو عن جماعة المسلمين الذين لا يمكن فيهم أن يجهلوا له سنة أو يكون ذلك موجودا في كتاب الله عز وجل .
قلت للشافعي أفتأمر الإمام إذا وجد مثل هذا بعقوبة من فعله أم تركه كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم ؟
فقال الشافعي فأما الحدود فلا تعطل بحال وأما العقوبات فللإمام تركها على الاجتهاد وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تجافوا لذوي الهيئات وقد قيل في الحديث ما لم يكن حد فإذا كان هذا من الرجل ذي الهيئة بجهالة كما كان هذا من حاطب بجهالة متهم أحببت أن يتجافى له وإذا كان ذي الهيئة كان للإمام والله تعالى أعلم تعزيره وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام يرد المعترف بالزنا فترك ذلك من أمر النبي صلى الله عليه وسلم لجهالته يعني المعترف بما عليه وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم عقوبة من غل في سبيل الله ." (. الأم 4\249-250)
- وقال أبو إسحاق الشيرازي : " وإن تجسس رجل من المسلمين للكفار لم يقتل لما روى عن على كرم الله وجهه قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد وقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن فيها ظعينة معها كتاب فخذوه منها فانطلقنا حتى أتينا الروضة فإذا بالظعينة فقلنا أخرجي الكتاب فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبى بلتعة رضى الله عنه إلى أناس بمكة يخبرهم ببعض أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا حاطب ما هذا قال يا رسول الله لا تعجل على إنما كنت امرأ ملصقا فأحببت أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي ولم أفعل ذلك ارتدادا عن ديني ولا أرضى الكفر بعد الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أما إنه قد صدق ) فقال عمر دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال ( إنه قد شهد بدرا ) فقال سفيان بن عيينة فأنزل الله ( يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء) وقرأ سفيان إلى قوله (فقد ضل سواء السبيل) " ( المهذب 2\242)
وقال النووي رحمه الله- : - " وفيه قتل الجاسوس الكافر الحربي وهو كذلك بإجماع المسلمين وفي رواية النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أمرهم بطلبه وقتله . وأما الجاسوس المعاهد والذمي فقال مالك والأوزاعي يصير ناقضا للعهد فإن رأى استرقاقه أرقه ويجوز قتله وقال جماهير العلماء لا ينتقض عهده بذلك قال أصحابنا إلا أن يكون قد شرط عليه انتقاض العهد بذلك .
وأما الجاسوس المسلم فقال الشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة وبعض المالكية وجماهير العلماء رحمهم الله تعالى يعزره الإمام بما يرى من ضرب وحبس ونحوهما ولا يجوز قتله وقال مالك رحمه الله تعالى يجتهد فيه الإمام ولم يفسر الاجتهاد وقال القاضي عياض رحمه الله قال كبار أصحابه يقتل قال واختلفوا في تركه بالتوبة قال الماجشون إن عرف بذلك قتل وإلا عزر. " ( شرح مسلم 12\67) .
- وقال الحافظ أبن حجر رحمه الله :" وفيه هتك ستر الجاسوس وقد استدل به من يرى قتله من المالكية لأستئذان عمر في قتله ولم يرده النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك إلا لكونه من أهل بدر ومنهم من قيده بأن يتكرر ذلك منه والمعروف عن مالك يجتهد فيه الامام وقد نقل الطحاوي الإجماع على أن الجاسوس المسلم لا يباح دمه.
وقال الشافعية والأكثر يعزر وإن كان من أهل الهيئات يعفى عنه وكذا قال الأوزاعي وأبو حنيفة يوجع عقوبة ويطال حبسه." ( فتح الباري 12\310) .
- وقال ابن تيمية :- "والتعزير بالقتل إذا لم تحصل المصلحة بدونه مسألة اجتهادية كقتل الجاسوس المسلم للعلماء فيه قولان معروفان وهما قولان في مذهب أحمد أحدهما يجوز قتله وهو مذهب مالك واختيار ابن عقيل والثاني لا يجوز قتله وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي واختيار القاضي أبي يعلى وغيره وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من جاءكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاقتلوه وقال في شارب الخمر إن شربها في الرابعة فاقتلوه وقد تنازع العلماء في هذا الحكم هل هو منسوخ أم لا فلو قدر أن عمر أمر بقتل واحد من المهاجرين الأولين لكان ذلك منه على سبيل الاجتهاد السائغ له ولم يكن ذلك مانعا من كون ذلك الرجل في الجنة ولم يقدح لا في عدل هذا ولا في دخول هذا الجنة " (منهاج السنة النبوية 6\174-175)
- نقل أبو عبد الله العبدري عن الامام مالك أنه سئل -رحمه الله- :- عن الجاسوس من المسلمين يؤخذ وقد كاتب الروم وأخبرهم خبر المسلمين فقال مالك: ما سمعت فيه بشيء وأرى فيه اجتهاد الإمام . (التاج والاكليل 3\357)
وفي الختام أقول : الجاسوس المسلم قد يكون فعله دالاّ على الردّة وقد يكون معصية من المعاصي لا تخرج صاحبها من الإسلام . لهذا قبل الحكم عليه لا بد من تبيّن قصده ، والقصد وإن كان أمراً قلبيّاً إلاّ أنّه يمكن معرفته بالقرائن .
التجسس صورة من صور الموالاة بنص القرآن الكريم في سورة الممتحنة . وعدم تكفير حاطب رضي الله عنه مع أنه والى الكفار بنص القرآن ، يدل على أن ليس كل موالاة كفر .
أما حكم الدخول في جيوش الكفار اليوم حتى وإن لم تكن في قتال مع المسلمين فأقول بعون الله :
ظاهره الكفر لأنه من الموالاة الظاهرة ، لأن عمل الجيش الأساسي ، هو تقوية ونصرة الدولة التي ينتمي إليها، وهذه من أبلغ صور الموالاة الظاهرة .
قال ابن جرير رحمه الله في تفسير سورة آل عمران : 28:
"من اتخذ الكفار أعواناً وأنصاراً وظهوراً يواليهم على دينهم ويظاهرهم على المسلمين فليس من الله في شيء، أي: قد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر. ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) أي: إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر ولا تعينوهم على مسلم بفعل" ["تفسير الطبري":(3/228)].
ولكن ليس معنى أن ظاهره الكفر ، أن كل من في داخل الجيش الكافر يعتبر كافرا في الباطن . فقد يكون مسلماً دخل بقصد معرفة أخبار الكفار أو بقصد النكاية بالجيش الكافر وما شابه . ولم يفعل الكفر المخرج من الملة أثناء تواجده داخل الجيش واستعمل التقية الشرعية .
عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: "عبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه. فقلنا: يا رسول الله! صنعت شيئاً في منامك لم تكن تفعله. فقال: "العَجَبُ إنَ ناساً من أمتي يَؤُمونَ بالبيت برجل من قريش. قد لجأ بالبيت. حتى إذا كانوا بالبيداء خُسف بهم" فقلنا: يا رسول الله ! إن الطريق قد يجمع الناس. قال: "نعم فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل. يهلكون مهلكاً واحداً، ويصدرون مصادر شتى. يبعثهم الله على نياتهم" ["صحيح مسلم" برقم(2884)].
قال الإمام النووي: "أما (المستبصر) فهو المستبين لذلك القاصد له عمداً ، وأما (المجبور) فهو المكره، يقال: أجبرته فهو مجبر، هذه اللغة المشهورة.. ..". صحيح مسلم بشرح النووي":(17/10)
وحتى نكون واقعين أقول :يجب على المسلم الموحد اليوم أن يبتعد عن دخول الجيش الكافر لما فيه من الكفريات والشركيات الكثيرة ، وإذا أكره على دخوله فيجب أن يعمل جاهداً على التخلص من هذا الكفر والشرك بما أمكن . أما إذا دخله بمحض إرادته ووقع في الكفر أو الشرك حتى ولو كان تحت الإكراه فلا عذر له لأنه دخله بمحض إرادته وهو يعلم أن وقوعه بالشرك والكفر احتمال كبير .
ولكن من فعل كل ما يستطيع للهرب من التجنيد الإجباري ولكن قبض عليه وتعرض للإكراه على الكفر فهو معذور .
كتبه ضياء الدين القدسي
----------------------------------
في: 21 نيسـان 2008
موقع الجامعة الإسلامية

رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
الموالاة, التولي, ضياء الدين القدسى

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الفرق بين الأصول والفروع في الدين زائر2 قسم فتاوى العقيدة 3 05-31-2011 09:31 PM


الساعة الآن 03:47 PM


جميع المشاركات تعبّر عن وجهة نظر صاحبها ولا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر إدارة المنتدى