منتدى دعوة الحق  

العودة   منتدى دعوة الحق > منهاج المسلم > العقيدة > الياسق العصري

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 02-04-2019, 11:59 PM
عزة الاسلام عزة الاسلام غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2011
المشاركات: 171
افتراضي الحكم بالياسق والتحاكم إليه .

حكم من تحاكم للياسق

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في قوله تعالى : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوَاْ إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوَاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشّيْطَانُ أَن يُضِلّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً) [سورة النساء: 60] :
" في هذه الآيات أنواع من العبر من الدلالة على ضلال من يحاكم إلى غير الكتاب والسنة ، وعلى نفاقه وإن زعم أنه يريد التوفيق بين الأدلة الشرعية وبين ما يسميه هو عقليات من الأمور المأخوذة عن بعض الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب وغير ذلك من أنواع الاعتبار"

وقال : " فثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة : أنه يقاتل من خرج عن شريعة الإسلام وإن تكلم بالشهادتين . . . فكل من امتنع من أهل الشوكة عن الدخول في طاعة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم فقد حارب الله ورسوله ، ومن عمل في الأرض بغير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فقد سعى في الأرض فساداً…
ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام ، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر ، وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب." اهـ

قال ابن القيم رحمه الله في قول الله عز وجلّ : (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوَاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النّبِيّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُون) [سورة الحجرات: 2] قال : " فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سبباً لحبوط أعمالهم فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياستهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه ، أليس هذا أولى أن يكون محبطاً لأعمالهم " اهـ

يقول محمد بن إبراهيم آل الشيخ :- " إن من الكفر الأكبر المستبين ، تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين ، بلسان عربي مبين في الحكم به بين العالمين ، والرد إليه عند تنازع المتنازعين، مناقضة ومعاندة لقول الله عز وجل: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) [سورة النساء: 59]

وقد نفى الله عز وجل الإيمان عن من لم يحكموا النبي صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم ، نفياً مؤكداً بتكرار أداة النفي والقسم ، قال تعالى : (فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتّىَ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لاَ يَجِدُواْ فِيَ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مّمّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً) [سورة النساء: 65] ولم يكتف تعالى وتقدس منهم بمجرد التحكيم للرسول صلى الله عليه وسلم حتى يضيفوا إلى ذلك عدم وجود شيء من الحرج في نفوسهم ، بقوله جل شأنه : (ثُمّ لاَ يَجِدُواْ فِيَ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مّمّا قَضَيْتَ) والحَرَج : الضيق . بل لا بدمن اتساع صدورهم لذلك وسلامتها من القلق والاضطراب ، ولم يكتف تعالى أيضاً هنا بهذين الأمرين ، حتى يضموا إليهما التسليم وهو كمال الانقياد لحكمه ، بحيث يتخلون هاهنا من أي تعلق للنفس بهذا الشيء ، ويسلموا ذلك إلى الحكم الحق أتم التسليم ، ولهذا أكَّدَ ذلك بالمصدر المؤكد ، وهو قوله جل شأنه (تسليماً) المبين أنه لا يكتفى هاهنا بالتسليم … بل لا بد من التسليم المطلق .
وتأمل ما في الآية الأولى ، وهي قوله تعالى : (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ‏ ‏تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً). كيف ذكر النكرة وهي قوله : (شيء) في سياق الشرط وهو قوله جل شأنه : (فَإِن تَنَازَعْتُمْ) المفيد العموم ، فيما يتصور التنازع فيه جنساً وقدراً .

ثم تأمل كيف جعل ذلك شرطاً في حصول الإيمان بالله واليوم الآخر ، بقوله : (إِن كُنتُمْ‏ ‏تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) ثم قال جل شأنه : (ذَلِكَ خَيْرٌ) فشيء يطلق الله عليه أنه خير ، لا يتطرق إليه شر أبداً ، بل هو خير محض عاجلاً وآجلاً…….
ثم قال : (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) أي : عاقبة في الدنيا والآخرة ، فيفيد أن الرد إلى غير الرسول صلى الله عليه وسلم عند التنازع شر محض وأسوأ عاقبة في الدنيا والآخرة . عكس ما يقوله المنافقون : (إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً) وقولهم (إنما نحن مصلحون)[سورة البقرة: 114] ولهذا ردَّ الله عليهم قائلاً : ( ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) [سورة البقرة: 12]

وعكس ما عليه القانونيون من حكمهم على القانون بحاجة العالم (بل ضروريتهم ) إلى التحاكم إليه وهذا سوء ظن صرْف بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ومحض استنقاص لبيان الله ورسوله ، والحكم عليه بعدم الكفاية للناس عند التنازع ، وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة ، إنَّ هذا لازم لهم . وتأمل أيضاً ما في الآية الثانية من العموم ، وذلك في قوله تعالى : (فيما شجر بينهم) فإن اسم الموصول مع صلته من صيغ العموم عند الأصوليين وغيرهم ، وذلك العموم والشمول هو من ناحية الأجناس والأنواع ، كما أنه من ناحية القدر، فلا فرق هنا بين نوع ونوع ، كما أنه لا فرق بين القليل والكثير ، وقد نفى الله الإيمان عن من أراد التحاكم إلى غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من المنافقين ، كما قال تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوَاْ إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوَاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشّيْطَانُ أَن يُضِلّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً) [سورة النساء: 60]
فإن قوله : (يَزْعُمُونَ) تكذيب لهم فيما ادعوه من الإيمان ، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مع الإيمان في قلب عبد أصلاً ، بل أحدهما ينافي الآخر . والطاغوت مشتق من الطغيان ، وهو : مجاوزة الحد . فكل من حكم بغير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أو حاكم إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فقد حكم بالطاغوت وحاكم إليه، وذلك أنه من حق كل أحد أن يكون حاكماً بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فقط ، لا بخلافه كما أن من حق كل أحد أن يحاكم إلى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فمن حكم بخلافه أو حاكم إلى خلافه فقد طغى ، وجاوز حده ، حكماً أو تحكيماً فصار بذلك طاغوتاً لتجاوزه حده.

وتأمل قوله: (وَقَدْ أُمِرُوَاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ) تعرف منه معاندة القانونيين ، وإرادتهم خلاف مراد الله منهم حول هذا الصدد، فالمراد منهم شرعاً والذي تعبدوا به هو : الكفر بالطاغوت لا تحكيمه، (فَبَدَّلَ الذينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ) [سورة البقرة: 59]

ثم تأمل قوله : (وَيُرِيدُ الشّيْطَانُ أَن يُضِلّهُمْ) كيف دل على أن ذلك ضلال ، وهؤلاء القانونيين يرونه من الهدى، كما دلت الآية على أنه من إرادة الشيطان، عكس ما يتصور القانونيين من بعدهم من الشيطان، وأنَّ فيه مصلحة الإنسان، فتكون على زعمهم مرادات الشيطان هي صلاح الإنسان ، ومراد الرحمن ، وما بعث به سيد ولد عدنان معزولاً من هذا الوصف ، ومنحى عن هذا الشأن، وقد قال تعالى منكراً على هذا الضرب من الناس، ومقرراً ابتغائهم أحكام الجاهلية وموضحاً أنه لا حكم أحسن من حكمـه ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيّةِ يَبْغُونَ وَمـَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [سورة المائدة: 50]

فتأمل هذه الآية الكريمة وكيف دلت على أن قسمة الحكم ثنائية ، وأنه ليس بعد حكم الله تعالى إلا حكم الجاهلية ، الموضح أن القانونيين في زمرة أهل الجاهلية ، شاءوا أم أبوا ، بل هم أسوأ منهم حالاً ، وأكذب منهم مقالاً ، ذلك أن أهل الجاهلية لا تناقض لديهم حول هذا الصدد .

وأما القانونيين فمتناقضون ، حيث يزعمون الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويناقضون ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً ، وقد قال الله تعالى في أمثال هؤلاء : (أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ‏ ‏حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا) [سورة النساء: 151] ثم انظر كيف ردت هذه الآية الكريمة على القانونيين ما زعموه من حسن زبالة أذهانهم ، وغاية أفكارهم، بقوله تعالى : (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لقَوْمٍ يُوقِنُون)[سورة المائدة: 50]

وقد قال عز شأنه قبل ذلك مخاطباً نبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ( فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقّ) [سورة المائدة: 48] ، وقال تعالى : (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلّوْاْ فَاعْلَمْ أَنّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنّ كَثِيراً مّنَ النّاسِ لَفَاسِقُونَ) [سورة المائدة: 49]

وقال تعالى مخبراً نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بين الحكم بين اليهود أو الإعراض عنهم إن جاءوه لذلك : (فَإِن جَآءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَو أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ) [سورة المائدة: 42]
والقسط هو : العدلُ ، ولا عدل حقاً إلا حكم الله ورسوله ، والحكم بخلافه هو الجور ، والظلم والضلال والكفر والفسوق ، ولهذا قال تعالى بعد ذلك : (وَمَن لّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [سورة المائدة: 44] (وَمَن لّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ) [سورة المائدة: 45] (وَمَن لّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [سورة المائدة: 47]
فانظر كيف سجَّل الله تعالى على الحاكمين بغير ما أنزل الله الكفر والظلم والفسوق ، ومن الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً ولا يكون كافراً ، بل هو كافر مطلقاً ، إما كفر عمل أو كفر اعتقاد.

وما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية من رواية طاووس وغيره يدل أن الحاكم بغير ما أنزل الله كافر إما كفر اعتقاد ناقل عن الملة ، وإما كفر عمل لا ينقل عن الملة ، أما الأول ، وهو كفر الاعتقاد فهو أنواع :
أحدهما : أن يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقّية حكم الله ورسوله ، وهو معنى ما روي عن ابن عباس ، واختاره ابن جرير أن ذلك هو جحود ما أنزل الله من الحكم الشرعي وهذا ما لا نزاع فيه بين أهل العلم ، فإن الأصول المتقررة المتفق عليها بينهم أن من جحد أصلاً من أصول الدين أو فرعاً مجمعاً عليه ، أو أنكر حرفاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم قطعياً ، فإنه كافر الكفر الناقل عن الملة.

الثاني :- أن لا يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله كون حكم الله ورسوله حقاً، لكن اعتقد أن حكم غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن من حكمه وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس في الحكم بينهم عند التنازع ، إما مطلقاً أو بالنسبة إلى ما استجد من الحوادث ، التي نشأت عن تطور الزمان وتغير الأحوال، وهذا أيضاً لا ريب أنه كفر ، لتفضيله أحكام المخلوقين التي هي محض زبالة الأذهان وصرف حثالة الأفكار، على حكم الحكيم الحميد . وحكم الله ورسوله لا يختلف في ذاته باختلاف الأزمان ، وتطور الأحوال ، وتجدد الحوادث فإنه ما من قضية كائنة ما كانت إلا وحكمها في كتاب الله تعالى وسنـة رسوله صلى الله علسه وسلم نصاً أو ظاهراً أو استنباطاً أو غير ذلك ، علم ذلك من علمه وجهله من جهله ،
وليس معنى ما ذكره العلماء من تغير الفتوى بتغير الأحوال ما ظنه من قل نصيبهم أو عدم من معرفة مدارك الأحكام وعللها ، حيث ظنوا أن معنى ذلك بحسب ما يلائم إراداتهم الشهوانية البهيمة ، وأغراضهم الدنيوية وتصوراتهم الخاطئة الوبية ، ولهذا تجدهم يحامون عليها ، يجعلون النصوص تابعة لها منقادة إليها ، مهما أمكنهم فيحرفون لذلك الكلم عن مواضعه ، وحينئذٍ معنى تغير الفتوى بتغير الأحوال والأزمان مـراد العلـماء منـه:- ما كان مستصحبة فيه الأصول الشرعية ، والعلل المرعية ، والمصالح التي جِنسُها مراد لله تعالى ، ورسوله صلى الله عليه وسلم . ومن المعلوم أن أرباب القوانين الوضعية عن ذلك بمعزل ، وأنهم لا يقولون إلا على ما يلائم مراداتهم، كائنة ما كانت ، والواقع أصدق شاهد.

الثالث :- أن لا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله ، لكن اعتقد أنه مثله ، فهذا كالنوعين الذين قبله ، في كونه كافراً الكفر الناقل عن الملة ، لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق والمناقضة والمعاندة لقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُو السّمِيعُ الْبَصِيرُ) [سورة الشورى: 11]. ونحوها من الآيات الكريمة ، الدالة على تفرد الرب بالكمال ، وتنزيهه عن مماثلة المخلوقين ، في الذات والصفات والأفعال ، والحكم بين الناس فيما يتنازعون فيه .

الرابع :- أن لا يعتقد كون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلاً لحكم الله ورسوله ، فضلاً عن أن يعتقد كونه أحسن منه ، لكن اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله ، فهذا كالذي قبله يصدق عليه ما يصدق عليه ، لاعتقاده جواز ما علم بالنصوص الصحيحة الصريحة القاطعة تحريمه .

الخامس :- وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع ، ومكابرة لأحكامه ، ومشاقة لله ولرسوله ، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية ، إعداداً وإمداداً وإرصاداً وتأصيلاً ، وتفريعاً وتشكيلاً وتنويعاً وحكماً وإلزاماً ، ومراجع ومستندات ، فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات ، مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فلهذه المحاكم مراجع ، هي : القانون الملفق من شرائع شتى ، وقوانين كثيرة ، كالقانون الفرنسي ، والقانون الأمريكي ، والقانون البريطاني ، وغيرها من القوانين ، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك .

فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة ، مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب ، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب، من أحكام ذلك القانون ، وتلزمهم به ، وتقرهم عليه ، وتحتمه عليهم . فأي كفر فوق هذا الكفر ، وأي مناقضة للشهادة بأن محمداً رسول الله بعد هذه المناقضة.

وذكر أدلة جميع ما قدمناه على وجه البسط معلومة معروفة ، لا يحتمل ذكرها هذا الموضع ، فيا معشر العقلاء ! ويا جماعات الأذكياء وأولي النهى ! كيف ترضون أن تجري عليكم أحكام أمثالكم وأفكار أشباهكم ، أومن هم دونكم ، ممن يجوز عليهم الخطأ ، بل خطأهم أكثر من صوابهم بكثير ، بل لا صواب في حكمهم إلا ما هو مستمد من حكم الله ورسوله ، نصاً أو استنباطاً ، تدعونهم يحكمون في أنفسكم ودمائكم وأبشاركم ، وأعراضكم وفي أهاليكم من أزواجكم وذراريكم ، وفي أموالكم وسائر حقوقكم ، ويتركون ويرفضون أن يحكموا فيكم بحكم الله ورسوله ، الذي لا يتطرق إليه الخطأ ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، وخضوع الناس ورضوخهم لحكم ربهم خضوع ورضوخ لحكم من خلقهم تعالى ليعبدوه ، فكما لا يسجد الخلق إلا لله ، ولا يعبدون إلا إياه ، ولا يعبدون المخلوق ، فكذلك يجب أن لا يرضخوا ولا يخضعوا أو ينقادوا إلا لحكم الحكيم العليم الحميد ، الرؤوف الـرحيم ، دون حكم المخلوق ، الظلوم الجهول ، الذي أهلكته الشكوك والشهوات والشبهات ، واستولت على قلوبهم الغفلة والقسوة والظلمات ، فيجب على العقلاء أن يربئوا بنفوسهم عنه ، لما فيه من الاستعباد لهم ، والتحكم فيهم بالأهواء والأغراض ، والأغلاط والأخطاء ، فضلاً عن كونه كفراً بنص قوله تعالى : (وَمَن لّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلََئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [سورة المائدة: 44]

السادس :- ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر ، والقبائل من البوادي ونحوهم ، من حكايات آبائهم وأجدادهم ، وعاداتهم التي يسمونها ( سلومهم) يتوارثون ذلك منهم ، ويحكمون به ويحرصون على التحاكم إليه عند النزاع ، بقاءً على أحكام الجاهلية ، وإعراضاً ورغبةً عن حكم الله ورسوله ، فلا حول ولا قوة إلا بالله ."


قال الشيخ سليمان بن سحمان عندما سئل عن التحاكم إلى الطاغوت بحجة الاضطرار : " المقام الثاني : أن يقال إذا عرفت أن التحاكم إلى الطاغوت كفر ، فقد ذكر الله في كتابه أن الكفر أكبر من القتل ، قال تعـالى: (والفتنة أكبر من القتل) [سورة البقرة: 191] ، وقال: (والفتنة أشد من القتل) [سورة البقرة: 217] ، والفتنة هي الكفر، فلو اقتتلت البادية والحاضرة حتى يذهبوا لكان أهون من أن ينصبوا في الأرض طاغوتاً يحكم بخلاف شريعة الإسلام، التي بعث الله بها رسوله.

المقام الثالث : أن نقول إذا كان التحاكم كفراً ، والنزاع إنما يكون لأجل الدنيا ، فكيف يجوز أن تكفر لأجل ذلك ، فإنه لا يؤمن أحد حتى يكون الله ورسوله أحب إليهما مما سواهما ، وحتى يكون الرسول أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ، فلو ذهبت دنياك كلّها لما جاز المحاكمة إلى الطاغوت لأجلها ، ولو اضطرك أحد وخيرك بين أن تحاكم إلى الطاغوت أو تبذل دنياك لوجب عليك البذل ، ولم يجز لك المحاكمة إلى الطاغوت والله أعلم" اهـ
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
لِمَنِ الحكم والتحاكم ؟ (2) عزة الاسلام الحكم لله 0 08-19-2018 12:17 AM
لِمَنِ الحكم والتحاكم ؟ (1) عزة الاسلام الحكم لله 0 08-18-2018 11:48 PM
اللهم بلغنا ليلة القدر، آمين يارب العالمين مسلم مهاجر الدوحة الرمضانية 2 08-05-2013 02:39 PM
حوار شامل في مسائل الحكم والحاكمية والتحاكم . أبو رقية ردود على المخالفين 71 10-27-2012 05:49 PM
التلفظ بالشهادتين وحده ليس عاصماً للدم والمال. الجديد منتدى التوحيد 0 04-25-2011 12:54 AM


الساعة الآن 08:15 AM


جميع المشاركات تعبّر عن وجهة نظر صاحبها ولا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر إدارة المنتدى