منتدى دعوة الحق  

العودة   منتدى دعوة الحق > منهاج المسلم > العقيدة > كشف شبه المشركين

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 08-15-2019, 12:54 AM
الصورة الرمزية غربة التوحيد
غربة التوحيد غربة التوحيد غير متواجد حالياً
مشرف عام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2014
الدولة: دار الفناء
المشاركات: 294
افتراضي شبهة الذي أوصى بحرقه .

حديث الرجل الذي أوصى أولاده بحرقه بعد الموت .

استدل أصحاب العذر بالجهل في الشرك الأكبر بحديث الرجل الذي أوصى أولاده بحرقه بعد الموت ، فعن حذيفة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أن رجلاً حضره الموت ، فلما يئس من الحياة أوصى أهله : إذا أنا مت فاجمعوا لي حطباً كثيراً وأوقدوا فيه ناراً، حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فامتحشت ، فخذوها فاطحنوها ثم انظروا يوماً راحاً فذروه في اليم . ففعلوا . فجمعه الله فقال له : لم فعلت ذلك ؟ قال : من خشيتك . فغفر الله له ." (متفق عليه)

والآن لننظر إلى أقوال العلماء حول هذا الحديث لنرى مدى خطأ ما ذهب إليه القائلون بالعذر بالجهل بأصل الدين بالاستدلال بهذا الحديث .

قال النووي رحمه الله :- " اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث ، فقالت طائفة : لا يصح حمل هذا على أنه أراد نفي قدرة الله فان الشاك في قدرة الله تعالى كافر ، وقد قال في آخر الحديث : إنه إنما فعل هذا من خشية الله والكافر لا يخشى الله ولا يغفر له ، قال هؤلاء فيكون له تأويلات .
أحدهما : أن معناه لئن قدَّر علي العذاب أي : قضاه ، يقال قدر بالتخفيف وقدَّر بالتشديد بمعنى واحد .

والثاني : أن قدر هنا بمعنى ضيق عليّ . قال الله تعالى : ( فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ) (الفجر :16) وهو أحد الأقوال في قوله تعالى : (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) (الأنبياء :87).

وقالت طائفة : اللفظ على ظاهره ولكن قاله هذا الرجل وهو غير ضابط لكلامه ولا قاصد لحقيقة معناه ومعتقد لها ، بل قاله في حالة غلب عليه فيها الدهش والخوف وشدة الجزع . بحيث ذهب تيقظه وتدبر ما يقوله فصار في معنى الغافل والناسي وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرح حين وجد راحلته " أنت عبدي وأنا ربك " فلم يكفر بذلك الدهش والغلبة والسهو . وقد جاء في هذا الحديث في غير مسلم " فلعلي أضل الله " أي : أغيب عنه، وهذا يدل على أن قوله لئن قدر الله على ظاهره .

وقالت طائفة : هذا من مجاز كلام العرب وبديع استعمالها يسمونه مزج الشك باليقين كقوله تعالى : ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (سبأ:24) فصورته صورة الشك والمراد به اليقين .

وقالت طائفة : هذا الرجل جهل صفة من صفات الله عز وجل وقد اختلف العلماء في تكفير جاهل الصفة .

قال القاضي : وممن كفره بذلك ( أي جاهل الصفة وليس هذا الشخص المذكور بالحديث) ابن جرير الطبري وقاله : أبو الحسن الأشعري أولاً .
وقال آخرون : لا يكفر بجهل الصفة ولا يخرج به عن اسم الإيمان . بخلاف جحدها وإليه رجع أبو الحسن الأشعري وعليه استقر قوله لأنه لم يعتقد اعتقاداً يقطع بصوابه ويراه ديناً وشرعاً ،وإنما يكفر من اعتقد أن مقالته حق. قال هؤلاء : ولو سئل الناس عن الصفات لوجد العالم بها قليلاً.

وقالت طائفة : كان هذا الرجل في زمن فترة حين ينفع مجرد التوحيد ولا تكليف قبل ورود الشرع على المذهب الصحيح لقوله تعالى : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) (الإسراء: 15)

وقالت طائفة :يجوز أنه كان في زمن شرعهم فيه جواز العفو عن الكافر بخلاف شرعنا.وذلك من مجوزات العقول عند أهل السنة وإنما منعناه في شرعنا بالشرع وهو قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) (النساء :48) وغير ذلك من الأدلة والله أعلم ." اهـ.( صحيح مسلم بشرح النووي ج7 ص70 : 74)


وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري : قال الخطابي : قد يستشكل هذا فيقال : كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى ؟ والجواب : إنه لم ينكر البعث وإنما جهل فظن أنه إذا فعل به ذلك لا يعاد فلا يعذب وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه فعل ذلك من خشية الله .

قال ابن قتيبة : قد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين فلا يكفرون بذلك . ورده ابن الجوزي وقال : جحده صفة القدرة كفر اتفاقاً وإنما قيل إن معنى قوله : ( لئن قدر الله عليَّ ) أي ضيق وهي كقوله: ( فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ) (الفجر :16) أي : ضيق .

وأما قوله ( لعلي أضل الله ) فمعناه لعلي أفوته يقال : ضل الشيء إذا فات وذهب وهو كقوله : (لا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى) .ولعل هذا الرجل قال ذلك من شدة جزعه وخوفه كما خلط ذلك الآخر فقال: ( أنت عبدي وأنا ربك ) أو يكون كقوله: ( لأن قدَّر علي ) بتشديد الدال أي : قدَّر علي أن يعذبني ليعذبني أو على أنه كان مثبتاً للصانع وكان في زمن الفطرة فلم تبلغه شرائط الإيمان.

وأظهر الأقوال أنه قال ذلك : في حال دهشته وغلبة الخوف عليه حتى ذهب بعقله لما يقول ولم يقله قاصداً لحقيقة معناه بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي الذي لا يؤاخذ بما يصدر منه وأبعد الأقوال قول من قال : إنه كان في شرعهم جواز المغفرة للكافر." (فتح الباري بكتاب أحاديث الأنبياء ج6 ص604)

ويقول الإمام السيوطي :-" قال ابن الجوزي في جامع المسانيد : فإن قيل هذا الذي ما عمل خيراً قط كافر فكيف يغفر له ؟ فالجواب : قال ابن عقيل : هذا رجل لم تبلغه الدعوة ." اهـ.( سنن النسائي بشرح السيوطي ج4/113،114)

قال ابن تيمية :-" فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق ، فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك ، وكل واحد من إنكار قدرة الله تعالى وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقت كفر ، لكنه كان مع إيمانه بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهلاً بذلك ضالّاً في هذا الظن مخطئاً ، فغفر الله له ذلك ، والحديث صريح في أن الرجل طمع أن لا يعيده إذا فعل ذلك ، وأدنى ذلك أن يكون شاكاً في المعاد ، وذلك كفر إذا قامت حجة النبوة على منكره حكم بكفره ، وهو بَيِّن في عدم إيمانه بالله تعالى.

ومن تأول قوله : ( لئن قدر الله علي ) بمعنى قضى ، أو بمعنى ضيق ، فقد أبعد النجعة وحرف الكلم عن مواضعه ، فإنه إنما أمر بتحريقه وتفريقه لئلا يجمع ويعاد. وقال: ( إذا أنا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ، ثم ذروني في الريح في البحر، فو الله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً .) فذكر هذه الجملة الثانية بحرف الفاء عقيب الأولى يدل على أنه سبب لها وأنه فعل ذلك لئلا يقدر الله عليه إذا فعل ذلك ، فلو كان مقراً بقدرة الله عليه إذا فعل ذلك كقدرته عليه إذا لم يفعل لم يكن في ذلك فائدة له ، ولأن التقدير عليه والتضييق موافقان للتعذيب ، وهو جعل تفريقه مغايراً ، لأن يقدر الرب . قال :- ( فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين.) فلا يكون الشرط هو الجزاء ، ولأنه لو كان مراده ذلك لقال : فوالله لئن جازاني ربي أو لئن عاقبني ربي ليعذبني عذاباً ، كما هو الخطاب المعروف في مثل ذلك. ولأن لفظ ( قدر ) بمعنى ضيق لا أصل له في اللغة.

ومن استشهد على ذلك بقوله : (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) وقوله : (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ) فقد استشهد بما لا يشهد له ، فإن اللفظ كان بقوله: (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) أي اجعل ذلك بقدر ، ولا تزد ولا تنقص . وقوله: (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ) أي : جعل رزقه قدر ما يغنيه من غير فضل ، إذ لو ينقص الرزق عن ذلك لم يعش .

وأما ( قدر ) ( بمعنى قدَّر ). أي أراد تقدير الخير والشر فهو لم يقل : إن قدر علي ربي العذاب ، بل قال : لئن قدر علي ربي ، والتقدير يتناول النوعين ، فلا يصح أن يقال ، لئن قضى الله علي ، لأنه قد مضى وتقرر عليه ما ينفعه وما يضره ، ولأنه لو كان المراد التقدير أو التضييق لم يكن ما فعله مانعاً من ذلك في ظنه . ودلائل فساد هذا التحريف كثيرة ليس هذا موضع بسطها .
فغاية ما في هذا أنه كان رجلاً لم يكن عالماً بجميع ما يستحقه الله من الصفات وبتفصيل أنه القادر وكثير من المؤمنين قد جهل مثل ذلك فلا يكون كافراً."اهـ (مجموعة الفتاوى ج11 ص 410 – 411)

ويقول ابن تيمية في موضع آخر في فتاويه :- " وهذا الحديث متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه أصحاب الحديث والأسانيد من حديث أبي سعيد ، وحذيفة وعقبة ابن عمرو ، وغيرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة ، يعلم أهل الحديث أنها تفيد العلم اليقيني ، وإن لم يحصل ذلك لغيرهم ممن لم يشركهم في أسباب العلم .
فهذا الرجل كان قد وقع له الشك والجهل في قدرة الله - تعالى- على إعادة ابن آدم بعدما أحرق وذري ، وعلى أنه يعيد الميت ويحشره إذا فعل به ذلك . وهذان أصلان عظيمان :
أحدهما :- متعلق بالله - تعالى - وهو الإيمان بأنه على كل شيءٍ قدير .
والثاني :- متعلق باليوم الآخر . وهو الإيمان بأن الله يعيد هذا الميت ، ويجزيه على أعماله. ومع هذا فلما كان مؤمناً بالله في الجملة ، ومؤمناً باليوم الآخر في الجملة ، وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت وقد عمل عملاً صالحاً وهو خوفه من الله أن يعاقبه على ذنوبه غفر الله له بما كان منه من الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح . وأيضاً فإن الكتاب والسنة قد دل على أن الله لا يعذب أحداً إلا بعد إبلاغ الرسالة ، فمن لم تبلغه جملة لم يعذب رأساً ، ومن بلغته جملة دون بعض التفصيل لم يعذبه إلا على إنكار ما قامت عليه الحجة الرسالية." اهـ

ويقول ابن القيم رحمه الله وهو يتكلم عن جحد جملة ما شرعه الله أو شيء منه فيقول : " وأما جحد ذلك جهلاً أو تأويلاً يعذر فيه صاحبه فلا يكفر صاحبه به كحديث الذي جحد قدرة الله عليه. وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح ومع هذا فقد غفر الله له ورحمه لجهله.إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه ولم يجحد قدرة الله على إعادته عناداً أو تكذيباً ."(مدارج السالكين 1/338 –339)

أقول : فهذه أقوال العلماء في تأويل هذا الحديث هل قال أحد منهم أنه جهل قدرة الله بالكلية في الإجمال والتفصيل وكان جاهلاً معذوراً بجهله . هذه واحدة.

والثانية : أن هذا الحديث ليس في التوحيد وترك الشرك الذي هو أصل الدين ولكن في جهل الصفات ، لذلك أخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وغير واحد عن الحسن وابن سيرين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كان رجل ممن قبلكم لم يعمل خيراً قط إلا التوحيد فلما احتضر قال لأهله انظروا إذا أنا مت أن يحرقوه حتى يدعوه حمماً ثم اطحنوه ثم أذروه في يوم ريح ، فلما مات فعلوا ذلك به فإذا هو في قبضة الله فقال الله عز وجل يا ابن آدم ما حملك على ما فعلت ؟ . قال : أي ربي من مخافتك . قال فغفر له بها ولم يعمل خيراً قط إلا التوحيد." (مسند الإمام أحمد ج2 ص304 طبعة مؤسسة قرطبة )

قال صاحب الأحاديث القدسية نقلاً عن القسطلاني في شرح الصحيح : - ( لم يقدم عند الله خيراً ) ليس : المراد نفي كل خير على العموم ، بل نفي ما عدا : التوحيد ولذلك غفر له ، وإلا فلو كان التوحيد منتفياً عنه ، لتحتم عقابه سمعاً ولم يغفر له … وليس ذلك شكاً منه في قدرة الله على إحيائه ولا إنكاراً للبعث وإلا لم يكن موقناً ، وقد اظهر إيمانه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله- تعالى- .اهـ.( الأحاديث القدسية لمجموعة من العلماء ج1 ص90)

يُتبع إن شاء الله

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 08-15-2019, 08:59 PM
الصورة الرمزية غربة التوحيد
غربة التوحيد غربة التوحيد غير متواجد حالياً
مشرف عام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2014
الدولة: دار الفناء
المشاركات: 294
افتراضي

إذاً أقول بعون الله وتوفيقه :
1- فهذا الحديث خرج عن محل النزاع فهو ليس في قضية التوحيد التي هي أصل الأصول ونقضه وهو الشرك الأكبر الذي هو موضوع بحثنا .

2- قال النووي :" باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً ... فلا يخلد في النار أحد مات على التوحيد ولو عمل من المعاصي ما عمل كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل . هذا مختصر جامع لمذهب أهل الحق في هذه المسألة وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به من الأئمة على هذه القاعدة وتواترت بذلك نصوص تحصل العلم القطعي ، فإذا تقررت هذه القاعدة حمل عليها جميع ما ورد من أحاديث الباب وغيره فإذا ورد حديث في ظاهرة مخالفة وجب تأويله عليها ليجمع بين نصوص الشرع." (صحيح مسلم بشرح النووي ج1 ص 217 )

3- تأويل العلماء لهذا الحديث وصرفه عن معناه الظاهري لخير بيان أن ظاهر هذا الحديث غير مراد وأنه معارض لأصولهم الكلية ، وهم ينزلون قضايا الأعيان على مقتضى القواعد الكلية؛ فلو كان من أصولهم إعذار الجاهل لقالوا جميعاً : أن هذا الرجل جهل قدرة الله وكان جاهلاً وعذر بجهله وكفوا أنفسهم مؤنة التأويل ! لأن التأويل عندهم شر لا يذهبون له إلا في حالة الضرورة عندما تصطدم قضية من قضايا الإيمان أو دليل جزئي مع القواعد والأصول الكلية.

قال الشاطبي :-" فإذا ثبت بالاستقراء قاعدة كلية ثم أتى النص على جزئي يخالف القاعدة بوجه من وجوه المخالفة فلا بد من الجمع في النظر بينهما ، لأن الشارع لم ينص على ذلك الجزئي إلا مع الحفظ على تلك القواعد. إذ كلية هذا معلومة ضرورة بعد الإحاطة بمقاصد الشريعة فلا يمكن والحالة هذه أن تخرم القواعد بإلغاء ما اعتبره الشارع ، وإذا ثبت هذا لم يكن أن يعتبر الكلي ويلغى الجزئي ." اهـ (الموافقات ج3 ص9 – 10 )

وقال أيضاً :- " إذا ثبتت قاعدة عامة أو مطلقة فلا تؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان ولا حكايات الأحوال والدليل على ذلك أمور . . .
(الثالث) أن قضايا الأعيان جزئية ، والقواعد المطردة كليات ولا تنهض الجزئيات أن تنقض الكليات.ولذلك تبقى أحكام الكليات جارية في الجزئيات وإن لم يظهر فيها معنى الكليات على الخصوص ."(الموافقات ج3 ص261 – 262)

فهذه نقول العلماء قاضية بأنه إذا تقررت قاعدة كلية وجاء ما يصادمها في الظاهر من قضايا الأعيان أو الأدلة الجزئية يجب حملها على مقتضى القواعد الشرعية وتأويلها عليها لتأتلف النصوص وليجمع بينها .
فتأويل جمهور العلماء لظاهر حديث ( الرجل الذي أمر بتحريق نفسه ) أكبر دليل على أن ظاهره يضادَّ أصلا كلياً عندهم أو دليلاً أقوى منه دلالة فلهذا فروا إلى التأويل .

4- بالإضافة إلى ذلك فإن هذا الرجل لم يجهل قدرة الله والبعث بدليل أنه أمر بنيه أن يفعلوا به ما وصاهم به . وإلا لقال لهم : (إذا مت فاقبروني بهيئتي لئن قدر الله علي ليعذبني) . ولكن هو كما قال العلماء : أنه ظن أنه إن فعل أولاده فيه ما أوصى به أن يكون جمعه والحال هذه من الممتنعات ، والممتنعات خارجة عن نطاق القدرة وهذا لا يعلم إلا بشرع .

قال الدهلوي :" فهذا رجل استيقن بأن الله متصف بالقدرة التامَّة لكن القدرة إنما هي في الممكنات لا في الممتنعات . وكان يظن أن جمع الرماد المتفرق نصفه في البر ونصفه في البحر ممتنع ، فلم يجعل ذلك نقضاً فأخذ بقدر ما عنده من العلم ولم يعد كافراً ." اهـ ( حجة الله البالغة ج1 ص60 )

ويقول محمد بن إبراهيم المرتضى اليماني :- " وإنما أدركته الرحمة لجهله وإيمانه بالله وبالميعاد ، ولذلك خاف العقاب ، وأما جهله بقدرة الله تعالى على ما ظنه محالاً فلا يكون كفراً إلا لو علم أن الأنبياء جاءوا بذلك وأنه ممكن مقدور . ثم كذبهم أو أحداً منهم لقوله تعالى : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ) وهذا أرجى حديث لأهل الخطأ في التأويل ." اهـ ( إيثار الحق على الخلق ص436)
والدليل على أنه كان مؤمناً بقدرة الله تعالى الرواية التي في صحيح مسلم . . . "فإني لم أبتهر عند الله خيراً وإن الله يقدر على أن يعذبني ".

قال النووي : "( وإن الله يقدر على أن يعذبني ) هكذا هو في معظم النسخ ببلادنا ونقل اتفاق الرواة والنسخ عليه هكذا بتكرير ( إن ) وسقطت لفظة ( أن ) الثانية في بعض النسخ المعتمدة فعلى هذا تكون : ( إن ) الأولى شرطية وتقديره : "إن قدر الله علي عذبني " وهو موافق للرواية السابقة ، وأما على رواية الجمهور وهي إثبات ( أن ) الثانية مع الأولى فاختلف في تقديره . . . .
ويجوز أن يكون على ظاهره كما ذكر هذا القائل لكن يكون قوله هنا معناه : "إن الله قادر على أن يعذبني إن دفنتموني بهيئتي ، فأما إن سحقتموني وذريتموني في البر والبحر فلا يقدر عليّ "، ويكون جوابه كما سبق وبهذا تجتمع الروايات والله أعلم" اهـ ( صحيح مسلم بشرح النووي ج17 /81-83 )

إذاً فهذه الرواية التي عليها جمهور الرواة تدل بجلاءٍ على أن الرجل كان مؤمناً بقدرة الله عليه في الجملة وجهل وشك في هذه الصورة الدقيقة. ومعلوم أن جهل هذه الصورة الدقيقة لا يطعن في ألوهية الله لذلك جاءت الرواية عنه ( لم يعمل خيراً شيئاً قط إلا التوحيد ) بخلاف من شك في أصل قدرة الله فهذا طعن في ألوهيته إذ كيف يكون الإله عاجزاً أو جاهلاً أو ميتاً أو أصم أو لا يخلق ، فهذه تطعن طعناً مباشراً في ألوهية الله . لذلك لم يكن الجهل بالصفات جهلاً بالذات إلا أن تكون هذه الصفة لا تتصور الذات بدونها ويكون مفهوم التأله قائم عليها فهذه الجهل بها جهل بالذات .

لهذا فإن ابن تيمية وابن حزم رحمهم الله ومن قال مقالتهم عذروا هذا الرجل بالجهل لأنه لم يجهل قدرة الله والبعث في الجملة وإنما جهل وشك في أمر كان يتصوره مستحيلاً ولأنه لم يبلغه علم بذلك عن طريق الرسل عذر عند الله ، بخلاف من شك في أصل قدرة الله فهذا طعن في ألوهيته عز وجلّ .

لذلك أراد ابن تيمية وابن حزم ومن قال مقالتهم أن يبينوا أن الجهل والتأويل في الصفات ليس كله كفر ومخرج من الملة فهناك صفات لا يحكم على جاهلها بالكفر إلا إذا بلغته الحجة الرسالية وأنكرها . أما إنكار وجهل الصفات التي تطعن في ألوهية الله أي الصفات التي لا تتصور الذات الإلهية بدونها ويكون مفهوم التأله قائم عليها فهذه لا يعذر الإنسان بالجهل بها.

وأختم الحديث في هذا الحديث بقول الإمام أبي بطين رحمه الله قال :-
" واحتج : من يجادل عن المشركين بقصة الذي أوصى أهله أن يحرقوه بعد موته على أنَّ : من ارتكب الكفر جاهلاً لا يكفر ولا يكفر إلا المعاند .
والجواب : عن ذلك كله أن الله عز وجل أرسل رسله مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل . وأعظم ما أرسلوا به ودعوا إليه عبادة الله وحده لا شريك له ، والنهي عن الشرك الذي هو عبادة غيره .

فإن كان مرتكب الشرك الأكبر معذوراً لجهله فمن هو الذي لا يعذر ؟
ولازم هذه الدعوة أنه ليس لله حجة على أحد إلا المعاند مع أن صاحب هذه الدعوة لا يمكنه طرد أصله بل لا بد أن يتناقض .

فإنه لا يمكنه أن يتوقف في تكفير من شك في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أوشك بالبعث أو غير ذلك من أصول الدين ، والشاك جاهل . والفقهاء – رحمهم الله – يذكرون في كتب الفقه حكم المرتد وأنه : المسلم الذي يكفر بعد إسلامه نطقاً أو فعلاً أو اعتقاداً أو شكاً. وسبب الشك : الجهل ، ولازم هذا لا يكفر جهلة اليهود والنصارى والذين يسجدون للشمس والقمر والأصنام لجهلهم ، ولا الذين حرقهم علي بن أبي طالب صلى الله عليه وسلم بالنار لأننا نقطع أنهم جهال وقد أجمع العلماء- رحمهم الله – على كفر من لم يكفر اليهود والنصارى أو يشك في كفرهم ، ونحن نتيقن أن أكثرهم جهال . . .

فالمدعي : أن مرتكب الكفر متأولاً أو مجتهداً أو مخطئاً أو مقلداً أو جاهلاً معذور مخالف للكتاب والسنة والإجماع بلا شك مع أنه لا بد أن ينقض أصله فلو طرد أصله كفر بلا ريب ، كما لو توقف في تكفير من شك في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم .

وأما الرجل الذي أوصى أهله بأن يحرقوه وأن الله غفر له مع شكه في صفة من صفات الرب عز وجلّ فإنما غفر له لعدم بلوغ الرسالة له كذا قال غير واحد من العلماء ، ولهذا قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى :- من شك في صفة من صفات الرب ومثله لا يجهلها كفر ، وإن كان مثله يجهلها لم يكفر قال : ولهذا لم يكفر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الشاك في قدرة الله تعالى لأنه لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة.

وكذا قال : ابن عقيل وحمله على أنه لم تبلغه الدعوة ، واختيار الشيخ تقي الدين في الصفات أنه لا يكفر الجاهل ، وأما في الشرك ونحوه فلا ، كما ستقف على بعض كلامه إن شاء الله . وقد قدمنا بعض كلامه في الاتحادية وغيرهم وتكفيره من شك في كفرهم . قال : صاحب اختياراته :- والمرتد من أشرك بالله وكان مبغضاً لرسوله أو لما جاء به أو ترك إنكار كل منكر بقلبه... أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم كفر إجماعاً . ومن شك في صفة من صفات الله ( الكلام للإمام ابن تيمية ) ومثله لا يجهلها فمرتد، وإن كان مثله يجهلها فليس بمرتد ، ولهذا لم يكفر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الشاك : في قدرة الله تعالى .اهـ
فأطلق فيما تقدم من المكفرات ، وفرق في الصفة بين الجهل وغيره ، مع أن رأي الشيخ رحمه الله في التوقف عن تكفير الجهمية ونحوهم خلاف نصوص الإمام أحمد وغيره من أئمة الإسلام.

وقال المجد رحمه الله تعالى : كل بدعة كفرنا فيها الداعية فإنا نفسق المقلد فيها كمن يقول بخلق القرآن أو أن علم الله مخلوق أو أن أسماءه مخلوقة أو أنه لا يرى في الآخرة أو يسب الصحابة تديناً أو أن الإيمان مجرد اعتقاد وما أشبه ذلك .

فمن كان عالماً بشيء من هذه البدع يدعو إليه ويناظر عليه فهو محكوم بكفره ، نص أحمد على ذلك في مواضع . ا هـ . فانظروا كيف حكموا بكفرهم مع جهلهم. ا هـ. (الانتصار لحزب الله الموحدين ص 16-18)
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الرد على شبهة أصحاب العذر| شبهة الحواريّين. غربة التوحيد كشف شبه المشركين 0 07-23-2019 12:35 AM
حكم الصلاة في المسجد الذي تم إنشاءه من قبل البلدية ابو اسحق قسم فتاوى الفقه 0 02-04-2016 11:21 PM
ما حكم الذي ذهب إلى قبر... أبو محمد القبرصي قسم فتاوى العقيدة 3 04-04-2012 11:16 PM


الساعة الآن 06:42 AM


جميع المشاركات تعبّر عن وجهة نظر صاحبها ولا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر إدارة المنتدى