منتدى دعوة الحق  

العودة   منتدى دعوة الحق > الأقسـام العامة > المنتديات > مسائل الحكم والحاكمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 08-15-2013, 11:07 PM
الصورة الرمزية أبو الحارث اليماني
أبو الحارث اليماني أبو الحارث اليماني غير متواجد حالياً
مشرف عام
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 192
افتراضي الرد على المشركين الذين ينسبون ليوسف عليه السلام التحاكم الى الطاغوت

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين :

الفصل الأول من الرد على الإستدلال الآثم بقصة يوسف عليه السلام على إجازة الإسترسال في الإستجوابات القضائية الطاغوتية والمثول لها .
_ المقطع الأول مما يستدل به الضالون قوله تعالى :

{
وَ رَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَ أَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29) } [ يوسف 24_29 ]

يستدل الضالّون بأفهامهم على جواز الاسترسال مع قاضي الطاغوت في استجوابه القضائي بقصّة يوسف عليه السلام ومرادهم أن يوسف عليه السلام قد أدعى عليه خصمٌ عند قاضٍ طاغوتٍ ليفصل بينه وبين خصمه فيها ، وأن يوسف عليه السلام أجاب دعوة القاضي الطاغوت فمَثُلَ أمامه مسترسلا معه في استجوابه القضائيّ لغاية رد التهمة عن نفسه وتبرئتها , وخرّجوا على هذا الكلام أنّه يجوز للمدعى عليه أن يسترسل مع القاضي الطاغوت في استجوابه له كما فعل يوسف عليه السلام _ بزعمهم .

ونحن نقول أن ما أوردوه لَـهُو إفتراء على نبي الله الكريم وعلى من أرسله وجعله نبيّا فهو إذ ذاك كفر على كفر وضلال على ضلالوإن كانت زوجة العزيز اتهمت يوسف عليه السلام بمراودته لها وإرادته للزنى بها فهُم أغلظ إثما وأكبر مقتا إذ يرمونه بالشرك والإيمان بالطاغوت والإذعان لمحكمَته وقضائه .
وسنبين أن قصة يوسف عليه السلام بتمامها وكمالها لم يكن فيها مرافعةٌ من خصمٍ مدعٍ إلى قاضٍ ليحكم في النـزاع بحكم قضائيّ ،ولم يكن هناك قاضٍ منصب للفصل بين الخصمين بحكم قضائي . وإن ثبت هذا بالأدله فسيخرج دفاع يوسف عليه السلام عن كونه استرسالاً في استجواب قضائي أو تلبية لقضاء جاهليّ طاغوتيّ . وهذا ينسحب على دفاع إبراهيم عليه السلام وكذا الصحابة رضي الله عنهم عند النجاشي .



الأدلة على بطلان الإستدلال على جواز الاسترسال مع الاستجواب القضائي الجاهليّ :

إن الإستدلال بقصة يوسف عليه السلام على جواز الإسترسال مع القاضي في جلسة الحكم القضائي إستدلال باطل وذلك أن قصة يوسف مع امرأة العزيز لم يكن فيها قاضٍ منصّب للحكم والقضاء ولا ترافعت إمرأة العزيز بدعواها على يوسف إلى فصل قضاء ملزم ويتبين ذلك من عدة وجوه :

الوجه الأول :
أن ادعاء امرأة العزيز على يوسف لم يكن ادعاءً أو مرافعةً عند قاضٍ يفصل بينها وبين يوسف عليه السلام بحكم قضائي ملزم لها أو له. فيوسف عليه السلام في بيتها بمنزلة الولد المتبنى أو المملوك لِزوجها الذي اشتراه ؛ فغاية ما في قولها أنها تظلمت المملوك عند من يملكه ويملك حق معاقبته وتأديبِه بحق ملكيّته له في نظرها كما تتظلّم المرأة ولدها لأبيهم ، وهذا طبعاً ليس من باب أنّ المتظلَّم عنده له صفة من صفات الرب جل وعلا في الحكم بين الناس بما يراه قضاءً ملزماً وتشريعا عاماً .


الوجه الثاني :
أن المدعي إن ترافع إلى قضاء ملزم فليس من شأنه أن يقترح على القاضي قضاءه وحكمه ويشير عليه أو يلزمه بحكم الواقعةِ وعقوبتها، ومع هذا فقد وجدنا أن المرأة لم ترفع القضية كواقعة مجردةٍ تخبر بها زوجها ليفصل فيها بحكم وقضاء ملزم ، بل وجدناها تشير على الزوج وتضع له عقوبة تقترحها عليه بل حتى هي من وضعت العقاب والجزاء من ذات نفسها و الزوج منفّذ لما تشير به عليْه ، وهذا واضح جليّ حين قالت [ ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم ] .
قال الزمخشري في الكشاف (2/ 459)[ و «ما» نافية، أى: ليس جزاؤه إلا السجن. ويجوز أن تكون استفهامية، بمعنى: أى شيء جزاؤه إلا السجن، كما تقول: من في الدار إلا زيد. فإن قلت: كيف لم تصرح في قولها بذكر يوسف، وإنه أراد بها سوءا قلت: قصدت العموم، وأنّ كل من أراد بأهلك سوءاً فحقه أن يسجن أو يعذب ]
قلتُ : فهل مع ما سمعناه منها وما قالته على هذا النحو تكون قد ترافعت الى قضاء ملزم ؟!! .

الوجه الثالث :
ثم انظروا إلى قولها [ أراد بأهلك ] ففي هذا اللفظ دلالة واضحة أنها لم تنقل شكايتها لزوجها إلا على وجه أنها تريد إعلامه أنه قد إعتديَ عليه هو بشخصه وكأنها تقول لزوجها هذا الفتى اعتدى عليك وعلى عرضك وخانك في بيتك .ولاحظوا أنها بإتيانها بضمير المخاطب وهو زوجها ، أرادت أن توصل لزوجها رسالةً مفادها أنه هو المعتدى عليه وأنَّ المعنيّ بالقضية بالدرجة الأولى هو لا هي، فلم تقل ما جزاء من أراد بي سوءاً بل قالت من أراد بأهلك سوءاً ، ولا يخفى على متدبرٍ أن قولها الذي نقله لنا النص القراني يدل على إرادتها تحريضَه وأنه هو المعنيّ بالأمر وأن الظلم والإعتداء إنما هو يخص كرامته وعزته هو بدرجة اولى . ولا يخفى ما في قولها من استبعادٍ لجناية نفسها وأنّ زوجها هو طرف نـزاع مع يوسف عليه السلام ؛ وإذ ذاك فليس عندنا إلا طرفين مدعٍ ومدعىً عليه . وطرف الإدعاء يمثله الزوج صاحب القوامة ومن ورائه الزوجة تبعاً ، فأين القاضي الملزم والقضاء الملزم ؟ .


الوجه الرابع :
إن قولها [ ما جزاء من أراد بأهلك ] يعطينا دلالة أن القضية التي بين أيدينا ليست مسألة قضاء عامّ ، وأن الزوجة لم تُرِد عرض القضية على أنها قضية تطلب لها قضاءاً عاماً ، بل المتدبر و المتأمل للنص وبلاغة كلماته يجد وكأنها تقول له أن الحادثة والأمر يتعلق بأهلك أنت والأمر يتطلب جزاءً وعقاباً منك أنت إنتصاراً لعرضك وغيرةً على حرمتك .

وإلا فلو كانت تطلب قضاءً عاماً لكانت قالت مثلاً [ ما جزاء من أراد بالنساء سوءاً ] أو [ بأمرأة سوءاً ] ليكون فيه إشارة منها إلى طلب عقوبة مُشرَّعةٍ أو مصطَلح ٍعليها في بيئتهم وقانونهم لمن فعل بالنساء السوء وهذا ما لم تقله ولا تكلمت بما يحمل معناه .

الوجه الخامس :
ليست كل عقوبة وجزاء تكون ناتجةً عن قضاء ملزم بتنصيب قاضٍ يقضي ويحكم ، بل قد تقع عقوبة من مظلوم على من ظلمه ومن معتدٍ على من اعتدى عليه , وهذه العقوبات على هذه الحال إما تقع عفويّة بدافع الغضب أو عصبيةً بدافع الإنتصار للنفس وهذا ما يقع عادة بين الأطراف المتدافعة باتهاماتٍ أو مظالمَ إن لم يترافعوا الى قضاء يحسم لهم الأمر بحكم قضائي ملزم .

ومن ثَمّ فدعوى الزوجة لزوجها ليست من باب التقاضي لديه بل هي من باب أن تُشرِكَه و تواطِئَه معها على أن ينتصر ويغضب لعرضه وعرض أهله بإيقاع العقاب بمن أعتدى عليه وعليها
وإن كانت كاذبة في خبيئة نفسها .
ولك أن تفهم جوهر كلامها وحيثياته كما لو تصورت حال أبناء عمومةٍ أوقرابة يتنادَوْن عصبية لأنفسهم يقول بعضهم لبعضٍ : ما جزاء من أراد بكم سوءا إلا ان يُفعل به كذا وكذا ... أو كحال أمرأةٍ تتراكَضُ الى إخوتها لينتصروا لأختهم المعتدى عليها تقول لهم ما جزاء من أراد بأختكم سوءا إلاتفعلوا به كذا وكذا ...

فهل سيفهم السامع في كلا الحالين أن القائل يطلب قضاء ملزماً أو حكماً تشريعياً ؟!!
فهذه كتلك لا فرق بينهما في الإعتبار و هذه طبيعة الحادثة وكيفية جريان أحداثها فافهموه فهكذا ينبغي أن يُفهم . ومن أراد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا .


الوجه السادس :
قوله تعالى مخبراً عن القائل منهم [ يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك ] فيه دلالةٌ على أن الأمر
لم يُفصَل ولم يفضّ بقضاء ، فلم نَرَ حكماً قضائياً بعد شهادة الشاهد ، بل رأينا أن المسألة وقفت على المرحلة الاولى وهي مرحلة إثبات الواقعة على حقيقتها وظهور الصادق من الكاذب من غير قضاء قاضٍ. وهذه المرحلة تسمى مرحلة الإثبات أو التثبّت إي كشف الواقع والقضايا بتفاصيلها على وجهها الحقيقي ما أمكن . وهذه المرحلة تتعلق بفعل العبد ومدى اجتهاده وخبرته بما يتحصل لديه من بيّنات وعلامات وقرائن ، ولا تستلزم هذه المرحلة وجود قضاء بل قد تجري من قِبَل مسؤول في رعية أو ربِّ عمل أو مصنع أو نحوه ليتثبت من كلام طرف مدّعٍ أو أطراف متداعيه في ميدان عملِه .


الوجه السابع :
قوله تعالى مخبراً عن قول قائل منهم [ يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك ] دلّ على أن النـزاع
تم فضُّه بالصلح بين الطرفين وله بَنْدَين على ما بيّن النص فأولهما : أن يُعرِض يوسف عن إشهار أمر المرأة والتكلم في عرضها في المجالس _ و النبي الكريم أحق بهذا الخلق الكريم _ . وثانيها أن تستغفرَ المرأة من فعلها ، على خلاف في معنى الإستغفار هنا على قولين ، قال ابن الجوزي في زاد المسير (2/ 434) قوله تعالى: وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ فيه قولان: أحدهما: استعفّي زوجك لئلا يعاقبَكِ ، قاله ابن عباس. والثاني: توبي من ذنبكِ فإِنكِ قد أثمتِ. ] وقال ابن جرير الطبري في جامع البيان _ ت شاكر (16/ 60)

[ يعني بقوله: (يوسف) يا يوسف (أعرض عن هذا) ، يقول: أعرض عن ذكر ما كان منها إليك فيما راودتك عليه،فلا تذكره لأحد، كما:-حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (يوسف أعرض عن هذا) ،قال: لا تذكره،(واستغفري) أنت زوجك، يقول: سليه أن لا يعاقبك على ذنبك الذي أذنبتِ، وأن يصفح عنه فيستره عليك. ]
وقريبا منه ذكر ابن عطية (3/ 237). وقال القرطبي (9/ 175)" أَعْرِضْ عَنْ هَذَا" أَيْ لَا تَذْكُرُهُ لِأَحَدٍ وَاكْتُمْهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهَا فَقَالَ: وَأَنْتَ (اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ) يَقُولُ: اسْتَغْفِرِي زَوْجَكِ مِنْ ذَنْبِكِ لَا يُعَاقِبْكِ] .

قلت فهذه سبعةُ أوجهٍ تدل دلالة واضحة على أن امرأة العزيز لم تكن ترافعت لقاضٍ ولا طلبت حكماً قضائياً ، وإذا كانت الصورةكذلك فقد سقط قولهم بأن يوسف عليه السلام قد استرسل مع استجوابٍ قضائيّ طاغوتيّ .

========================================
يتبع إن شاء الله تعالى بيان بطلان استدلال الضالين بقوله تعالى في سورة يوسف عليه السلام [ وشهد شاهد ] على تجويز المثول للقضاء الجاهلي والإسترسال معه في استجوابه القضائي .

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 08-15-2013, 11:14 PM
الصورة الرمزية أبو الحارث اليماني
أبو الحارث اليماني أبو الحارث اليماني غير متواجد حالياً
مشرف عام
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 192
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
أما بعد : فأعتذر عن تأخري عن كتابة
الرد على إستدلال المشركين بشهادة الشاهد على تجويز التقاضي لمحاكم الطاغوت والترافع إليهم والخضوع لاستجوابهم .

=======================

يستدل بعض المشركين من المنتسبين لهذا الدين بحصول شهادة الشاهد ووجه إستدلالهم أن الشهادة تسمّى حكماً ويتعلقون بقول بعض المفسرين [ شهد شاهد : أي حكم حاكم ] , وهذا دليل عندهم على أن يوسف عليه السلام دخل في استجواب قضائي أو مدافعة في جلسة قضاء جاهليّ طاغوتي وبناء عليه فيجيزون لأنفسهم الدخول مع قضاة الطاغوت في استجوابهم القضائي .


وهذا الإستدلال أسقطُ من سابقه . وذلك من وجوه :


الوجه الأول ـ إن الشهادة هي نوع إخبار وإعلام , والخبر ما يحتمل الصدق أو الكذب , والشاهد حين يشهد فإما أنه ينفي أو يثبت واقعاً وحدثاً ، وإذا ما علمنا أن من معاني الحكم لغةً [ إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه ] فحيئذٍ يُفهم سبب تسميه الشاهد في قصّة يوسفَ عليه السلام حاكماً فهو قد أثبتَ صدق يوسف عليه السلام وكََذِب امرأة العزيز ، قال الألوسي في روح المعاني (6/ 412)

وسمي شاهدا لأنه أدى تأديته في أن ثبت بكلامه قول يوسف وبطل قولها .

قلتُ فعلى هذا جاز أن يقال شهد شاهدٌ [ حكم حاكمٌ ] بهذا الإعتبار ، لا لكونه حكَم بحكمٍ قضائيٍ كمثل الذي يقضي به قضاة الطاغوت المنازعون لله في حكمه وقضائه ، فهذا الإخبار وإن كان يسمى حكماً عند أهل اللغة _على ما سيأتي بعد قليل _ فهو لا يُدخِل هذا المخبِر فيمن اتصف بصفة من صفات الله تعالى أو مارس فعلا من أفعال الله تعالى عند أحد من علماء اللغة أو الشرع .

و من أثبت للشاهد اسم الحاكم والقاضي بالمعنى الشرعي فيلزمه تفسير معنى قوله تعالى [ إن الحكم إلا لله ] بـ إنِ الشهادة إلا لله ؟! و معنى قوله تعالى [ ولا يشرك في حكمه أحدا ] ولا يشهد مع شهادته أحداً ؟! فتصير الشهادة فعلاً مختصا بالله تعالى والشاهد من البشر لا يجوز له حينئذٍ إلا أن يشهد بما شهد به الله تعالى في كتابه أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وإلا كان مشركاً مفترياً على الله تعالى كمن حلل وحرّم بغير إذن من الله تعالى وهذا من أفسد اللوازم .


الوجه الثاني : فإن قالوا إن الشاهد لم يشهد بشيءٍ ولم يخبِر بشيءٍ على الحقيقة ، بل قدّم أمارات وعلامات وقرائن توصل إلى العلم أو الظن الغالب بمن هو الصادق ومن هو الكاذب بقوله { إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27)} قلنا لهم : نعم ، ذلكم صحيح وبه قال العلماء فهو إنما نبّه ولفت نظر المعنيّين بالأمر إلى قرينةٍ وعلامةٍ هم عنها غافلون يعلمون من خلالها صدق الصادق وكذب الكاذب منهما ، ولكن هل التنبيه على القرينة والعلامة وما تدل عليه يسمى حكماً شرعياً أم غير ذلك مما هو ليس داخلاً في معناه ؟

فإن أجبتم بأن تبيين القرائن والعلامات وما تدل عليه لا يسمّى حكما قضائياً وإنما هذه القرائن والعلامات يمكن أن يبنى عليها لِـيُحكم في الحادثة المستبانة بحكم قضائيّ ، فقد سقط استدلالكم بشهادة الشاهد في قصّة يوسف على أنه الشهادة كانت قضاءً ملزماً وأن يوسف عليه السلام كان مترافعاً لقضاءٍ ملزم .


وإن أجبتم بأن تبيين العلامات والقرائن وما تدل عليه يسمّى حكماً قضائياً شرعياً فقد بان وظهر جهلهم وتلبيسهم ، فإن الحكم وإن كان معناه [ أثبات أمر لأمر أو نفيه عنه ] كما عرّفه علماء الأصول ومنهم الأمير الصنعاني رحمه الله تعالى فإن هذا الإطلاق لا يجعل من كلٍّ نفيٍ أو إثباتٍ حكماً قضائياً أو شرعياً مَن فعَله كان من المنازعين لله في حكمه وقضائه بل الأمر يدور على تقسيم الحكم بحسب الطريق الذي أوصلت إليه نفياً كان أو إثباتاً .

قال ابو البقاء في الكليات (ص: 380)

وَالْحكم فِي الْعرف إِسْنَاد أَمر إِلَى آخر إِيجَابا أَو سلبا، ... ، وَفِي اصْطِلَاح أَصْحَاب الْأُصُول: خطاب الله الْمُتَعَلّق بِأَفْعَال الْمُكَلّفين بالاقتضاء أَو التَّخْيِير، ...

وَالْحكم الشَّرْعِيّ: مَا لَا يدْرك لَوْلَا خطاب الشَّارِع: سَوَاء ورد الْخطاب فِي عين هَذَا الحكم أَو فِي صُورَة يحْتَاج إِلَيْهَا هَذَا الحكم كالمسائل القياسية، إِذْ لَوْلَا خطاب الشَّارِع فِي الْمَقِيس عَلَيْهِ لَا يدْرك الحكم فِي الْمَقِيس .

وَالْحكم الْعقلِيّ:إِثْبَات أَمر لآخر أَو نَفْيه عَنهُ من غير توقف على تكَرر وَلَا وضع وَاضع ، وينحصر فِي الْوُجُوب والاستحالة وَالْجَوَاز

وَالْحكم العادي : إِثْبَات ربط بَين أَمر وَآخر وجودا أَو عدما بِوَاسِطَة تكَرر الْـقِرْآنِ بَينهمَا على الْحسّ مَعَ صِحَة التَّخَلُّف وَعدم تَأْثِير أَحدهمَا فِي الآخر الْبَتَّةَ

وَالْحكم العادي القولي: كرفع الْفَاعِل وَنصب الْمَفْعُول وَنَحْو ذَلِك من الْأَحْكَام النحوية واللغوية

وَالْحكم العادي الْعقلِيّ: كَقَوْلِنَا فِي الْإِثْبَات: (شراب السكنجين مسكن للصفراء) وَفِي النَّفْي ( الفطير من الْخبز لَيْسَ بسريع الإنهضام )

وَقد يُطلق العادي على مَا يسْتَند إِلَى شَيْء من الْعقل وَالنَّقْل، وَيُطلق أَيْضا على مَا اسْتَقر فِي النُّفُوس من الْأُمُور المتكررة المقبولة عِنْد الطباع السليمة،...]

قلتُ : ما ذكره ابو البقاء معروف معلوم ٌ بالإستقراء عند علماء اللغة والشرع وهو مبثوث في ثنايا كتب أصول الفقه وإنما نقلته لأنه جمع القول فيه . ومن تأمل كلامه وجد أن الحكم تختلف نسبته بحسب الطريق التي أستفيد منها حكم النفي أو الإثبات

فإن كان النفي أو الإثبات مستفاداً من العقل السليم كقولنا الكل أكبر من الجزء فهو حكم عقليّ ، وإن كان مستفاداً من الحسّ كقولنا هذا ثقيل ، هذا جميل ، هذا بارد وهذا حارٌ ونحوه ، فهو حكم حسّي لدلالة الحسّ عليه ، وإن كان مستفاداً من الخبرة والتجربة كقولنا هذا الدواء مسكّن أو مهدئ فهو حكم تجريبيّ ، وإن كان مستفاداً من الذوق والطبيعة الجِبِلّية كقول قائل هذا الطعام أشهى فهو حكم ذوقيّ... وهكذا .

وإذا ما رجعنا الى كلام أبي البقاء وتعريفه للحكم العاديّ حين قال :

[ وَالْحكم العادي : إِثْبَات ربط بَين أَمر وَآخر وجودا أَو عدما بِوَاسِطَة تكَرر الْـقِرْآنِ بَينهمَا على الْحسّ مَعَ صِحَة التَّخَلُّف وَعدم تَأْثِير أَحدهمَا فِي الآخر الْبَتَّةَ ]

فإننا سنستخلص من كلامه أن الأحكام العادية تستفاد من المقارنة بين شيئين يتعلقان ببعضهما وجودا أوعدماً بالقطع أو بغالب الظن , وهذا يجعل الأحكام العادية من هذا الوجه أربعة أقسام :

1_ إثبات عدم بعدم _ كإثبات عدم البلوغ بعدم الإشعار [ نبات الشعر ] .

2_ إثبات وجودٍ بوجود _ كإثبات حصول الزنا بوجود الحبل عند من لازوج لها .

3_ إثبات عدمٍ بوجود _ كإثبات عدم الأكل بوجود الجوع .

4_ إثبات وجودٍ بعدم _ كإثبات بقاء الحياة بعدم إنقطاع النّفس .

فإذا عرفتم هذا فقد عرفتم ما يعنيه أهل التفسير بقولهم [ شهد شاهد أي : حكم حاكم ] فمعنى كلامهم أن الشاهد بيّن ونبّه على القرائن والعلامات التي دل عليها العقل والخبرة فحكمُ الشاهد إذ ذاك كان حكماً عقلياً عاديّا بترتيب القرائن وما يقترن بها من دلالات بعضها على بعض .

قال ابن العربي في أحكام القران _ ط العلمية (3/ 48) :

[ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَيْسَتْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ مِنْ شَهَادَاتِ الْأَحْكَامِ الَّتِي تُفِيدُ الْإِعْلَامَ عِنْدَ الْحُكَّامِ، وَيَتَفَرَّدُ بِعِلْمِهَا الشَّاهِدُ فَيَطَّلِعُ عَلَيْهَا الْحَاكِمُ، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى أَخْبَرَ عَنْ عِلْمِ مَا كَانَ عَنْهُ الْقَوْمُ غَافِلِينَ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَمِيصَ جَرَتْ الْعَادَةُ فِيهِ أَنَّهُ إذَا جُذِبَ مِنْ خَلْفِهِ تَمَزَّقَ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَإِذَا جُذِبَ مِنْ قُدَّامَ تَمَزَّقَ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَلَا يُجْذَبُ الْقَمِيصُ مِنْ خَلْفِ اللَّابِسِ إلَّا إذَا كَانَ مُدْبِرًا،وَهَذَا فِي الْأَغْلَبِ، وَإِلَّا فَقَدْ يَتَمَزَّقُ [الْقَمِيصُ بِالْقَلْبِ مِنْ ذَلِكَ] إذَا كَانَ الْمَوْضِعُ ضَعِيفًا. ...

قَالَ عُلَمَاؤُنَا: فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْعَمَلِ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ لِمَا ذُكِرَ مِنْ أَخْذِ الْقَمِيصِ مُقْبِلًا وَمُدْبِرًا، وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْإِقْبَالُ مِنْ دَعْوَاهَا، وَالْإِدْبَارُ مِنْ صِدْقِ يُوسُفَ؛ وَهَذَا أَمْرٌ تَفَرَّدَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِنَا.

فَإِنْ قِيلَ: هَذَا شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا. قُلْنَا: عَنْهُ جَوَابَانِ.:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.

الثَّانِي: أَنَّ الْمَصَالِحَ وَالْعَادَاتِ لَا تَخْتَلِفُ فِيهَا الشَّرَائِعُ. أَمَّا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ وُجُودُ الْمَصَالِحِ فَيَكُونَ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، فَإِذَا وُجِدَتْ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهَا. وَقَدْ اسْتَدَلَّ يَعْقُوبُ بِالْعَلَامَةِ، فَرَوَى الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْإِخْوَةَ لَمَّا ادَّعَوْا أَكْلَ الذِّئْبِ [لَهُ] قَالَ: أَرُونِي الْقَمِيصَ. فَلَمَّا رَآهُ سَلِيمًا قَالَ: لَقَدْ كَانَ هَذَا الذِّئْبُ حَلِيمًا. وَهَكَذَا فَاطَّرَدَتْ الْعَادَةُ وَالْعَلَامَةُ، وَلَيْسَ هَذَا بِمُنَاقِضٍ لِقَوْلِهِ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ». وَالْبَيِّنَةُ إنَّمَا هِيَ الْبَيَانُ، وَدَرَجَاتُ الْبَيَانِ تَخْتَلِفُ بِعَلَامَةٍ تَارَةً، وَبِأَمَارَةٍ أُخْرَى؛ وَبِشَاهِدٍ أَيْضًا، وَبِشَاهِدَيْنِ ثُمَّ بِأَرْبَعٍ. ] إهـ

قلتُ : فواضح من هذا أن ما قام به الشاهد إنما هو التنبيه إلى قرائن وعلامات ليقودهم ذلك إلى إثبات صدق أحد الطرفين وكذب الآخر ، ومعرفةُ من هو الصادق من الكاذب ما هو إلا إثباتٌ لواقع ، و إثبات هذا الواقع أستفيد من العادة الغالبة ، فكان قسماً من الأحكام العادية التي طريق إثباتها القرائن والعلامات وجوداً وعدماً ، وليس حكماً قضائياً شرعيّا مما يعتبر من أخص خصائص الإله الحق سبحانه فبطل تمويهكم و تضليلكم .


الوجه الثالث : القضاء يستلزم الفصلَ والقطع و ليس في كلام الشاهد قطعٌ بأمرٍ جازمٍ مبتوت فيه ،
إنما كان علّق نسبة الإثبات أو النفيِ لأحد الطرفين بأسلوب الشرط بجملتين شرطيتين متقابلتين [ إن كان قميصه قد من قُبُلٍ فصدقت ... وإن كان قميصه قد من دُبُرٍ فكذبت... ] قال ابن الجوزي في زاد المسير (2/ 433) [ أن الشاهد لم يقطع بالقول ، ولم يعلم حقيقة ما جرى ، وإِنما قال ما قال على جهة إِظهار ما يسنح له من الرأي ، فكان معنى قوله: وَشَهِدَ شاهِدٌ: أعلم وبيَّن. فقال: الذي عندي من الرأي أن نقيس القميص ليوقَف على الخائن. ]
قلتُ :
ولو كان قاضياً لم يجُز له أن يورد الأمر على هذه الشاكلة من الكلام المعلّق الذي لا يتفق مع شرط القضاء ومعناه
.

الوجه الرابع : إن قول الشاهد ليس فيه إلا أنه أدى إلى إثبات واقع ، وإثبات حصول واقعٍ ما ليس قضاءً شرعيّا ، إنما القضاء في الأمر هو إعطاء الواقع حكمَه الواجب له من أحكام وأقضية نافذة ، قال ابن القيمرحمه الله تعالى [ فَهَاهُنَا نَوْعَانِ مِنْ الْفِقْهِ، لَا بُدَّ لِلْحَاكِمِ مِنْهُمَا: فِقْهٌ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ الْكُلِّيَّةِ، وَفِقْهٌ فِي نَفْسِ الْوَاقِعِ وَأَحْوَالِ النَّاسِ، يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ، وَالْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ. ثُمَّ يُطَابِقُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا فَيُعْطِي الْوَاقِعَ حُكْمَهُ مِنْ الْوَاجِبِ، وَلَا يَجْعَلُ الْوَاجِبَ مُخَالِفًا لِلْوَاقِعِ .] الطرق الحكمية (ص: 4) باب الحكم بالقرائن .

ولو وقف أحدهم على قاضٍ ليقضيَ له في خصومته مع آخر فقال القاضي إني أعلم أنك صادق فيما تدعيه ثم لم يفعل ذلك القاضي شيئا ولم يرتّب على هذه البيّنة وهذا العلم الذي علِمَه قضاءاً وحكماً نافذاً فقد علم الجميع أن القاضي لم يقْضِ بشيء . فكيف صار الشاهد حاكماً بحكمٍ قضائيٍّ عندكم وهو لم يحصل منه حكمٌ قضائيٌّ ، وكل ما جرى منه ما هو إلا تعليق ثبوت البيّنة على شرط وعلامة ِليَنظر فيها غيره من الحضور وعلى رأسهم زوج المرأة المعتدى عليه ؟!! .


الوجه الخامس : يقال لهم إن كان الشاهِد في قصّة يوسف عليه السلام هو الحاكم والقاضي عندكم وهو إنما حكم بحكمٍ عاديّ يتعلق بترتيب القرائن والأمارات مع دلالالتها الحسية والعقلية والتي لا تتوقف على نصٍّ أو نقلٍ شرعيّ بل جعلها الله في مقدور الخلق ووسعهم تبعاً لذكائهم وفطنتهم وتجاربهم , فهل قضاة الطاغوت الآن _ والذين تستبيحون لأنفسكم الترافع إليهم _ هل يجلسون في كراسيّهم لإصدار الأحكام العقلية بما تتعارف عليه طبائع الناس وخبراتهم وتجاربهم الدنيوية , أم أنهم ما يجلسون إلا منازعةً لله في حكمه التشريعي القضائيّ و الذي هو أخص خصائص الإله الحق التي تفرّد بها عن خلقه ولا يشركه فيها أحد ولم يعطِ إذناً لأن يشاركه فيها أحد ؟!! فما لكم كيف تحكمون وكيف تقيسون ؟!


الوجه السادس : إن افترضنا معكم جدلاً أن الشاهد كان بمثابة القاضي في تلك القضية بحسب زعمكم ، فقد رد يوسف عليه السلام التهمة عن نفسه أمام الحضور من قبل أن ينتصب قاضٍ لقضاء ، قال تعالى [ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَ شَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ] ، فبطل إستدلالكم حتى مع إفتراض صحة القول بأن الشاهد هو القاضي _ وهو باطل لما مرّ من الأوجه السابقة .


الوجه السابع : الشاهد في القصة ليس قاضياً على أي وجهٍ ذلك أنه لم توجِّه له المدعية خطاب مرافعة ولا كلمته ولا لجأت إليه إنما خاطبت بادعائها زوجَها وسيّدها وهذا صريح النص القرانيّ [ قالت من جزاء من أراد بأهلك سوءاً ] ، فإن كنتم باقون على القول بأن المدعية ترافعت للشاهد فأنتم مكذبون للنص مستدركون عليه . وإن رجعتم عنه واخترتم قول أصحابكم من قبل وهو أن الزوج هو القاضي ، فقد تبين وجه فساد قولهم أيضاً بأوجه سبعةٍ فراجعوها لعلكم تعقلون .

هذه وجوه سبع نورٌ لمن أراد الحق والهدى ، ولكني أراكم أيها المدلسون أنكم تعمدون إلى الألفاظ العامّة والمشتركة فتحملون المعاني الكفرية على المعاني المباحة لتبيحوا الكفر لأنفسكم فـ [حكم حاكم ] من كلام المفسرين حملتموه على معنى قضى قاضٍ طاغوتٌ !! وإني أكاد أجزم أن استدلالتكم واستدلالات غيركم من المنحرفين عن دعوة الرسل لا يؤت بها إلا لتبرير شرككم وكفركم بربكم وإلا فأنتم وغيركم تبيحون لأنفسكم التحاكم للطواغيت المعبودة ولكن وجدتموه عيباً أن تكون اسماؤكم أسماء عربية وانتسابكم الى الملة ثم لا يكون لكم دليل تسندون إليه ضلالكم ، فعمدتم إلى لـيّ أعناق النصوص وتحريف معانيها ابتغاء الفتنة وجرياً وراء أغراضكم الدنيئة ومقاصدكم الخبيثة . وهو ديدين كل منافق مجادل كما أخبر ربنا الجليل .

ولسائل أن يسألكم : إن كنتم أبحتم لأنفسكم الترافع والخضوع لاستجواب القضاء الجاهليّ كمدعىً عليه تعلّقا بشهادة الشاهد على معنى حكم حاكم طاغوت وقضى قاضٍ طاغوت ، فماذا ستقولون إن سمعتم شيئا أكبر من هذا كأن تسمعوا عالماً يقول : يجوز التحاكم إلى العقل دون النقل ، سمعتم هذا مع تصريح الكتاب المبين بكفر من تحاكم إلى الطواغيت المعبودة ، فهل ستبيحون لأنفسكم التحاكم إلى الطواغيت مدعىً عليكم و مدّعين على حد سواء أيضاً دون قصره على المدعى عليه كما فعلتم في قصة يوسف عليه السلام ؟! ...

إقرأوا ما يلي لعلكم تظفرون بما تقرأونه لتجعلوه سنداً لكم في إباحة مطلقة للشرك وهذا ربما يفرحكم أكثر ويشبع شهواتكم وهوى نفوسكم أكثر ...

يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى (9/ 196)

[ فَهَذِهِ الْعُلُومُ عَقْلِيَّةٌ مَحْضَةٌ لَيْسَ فِيهَا تَقْلِيدٌ لِقَائِلِ وَإِنَّمَا تُعْلَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُصَحَّحَ بِالنَّقْلِ؛ بَلْ وَلَا يُتَكَلَّمَ فِيهَا إلَّا بِالْمَعْقُولِ الْمُجَرَّدِ فَإِذَا دَلَّ الْمَعْقُولُ الصَّرِيحُ عَلَى بُطْلَانِ الْبَاطِلِ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ رَدُّهُ؛ فَإِنَّ أَهْلَهَا لَمْ يَدَّعُوا أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ عَنْ شَيْءٍ يَجِبُ تَصْدِيقُهُ بَلْ عَنْ عَقْلٍ مَحْضٍ فَيَجِبُ التَّحَاكُمُ فِيهَا إلَى مُوجِبِ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ. ]

وقال ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين عن رب العالمين ( جـ 1/ 166)

[ وَلَوْ قَالَ الطَّبِيبُ لِلْعَلِيلِ وَعِنْدَهُ لَحْمُ ضَأْنٍ: لَا تَأْكُلُ الضَّأْنَ فَإِنَّهُ يَزِيدُ فِي مَادَّةِ الْمَرَضِ، لِفَهْمِ كُلُّ عَاقِلٍ مِنْهُ أَنَّ لَحْمَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ كَذَلِكَ، وَلَوْ أَكَلَ مِنْهُمَا لَعُدَّ مُخَالِفًا، وَالتَّحَاكُمُ فِي ذَلِكَ إلَى فِطَرِ النَّاسِ وَعُقُولِهِمْ ... ]

وقال رحمه الله تعالى في الكتاب نفسه جـ (2/ 58)

وَلَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ: وَمَا يُجْزِئُ مِسْحُ الرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ مِنْ الْغَسْلِ وَالنَّظَافَةِ؟ وَلَمْ يَعْلَمْ هَذَا الْقَائِلُ أَنَّ إمْسَاسَ الْعُضْوِ بِالْمَاءِ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ وَطَاعَةً لَهُ وَتَعَبُّدًا يُؤَثِّرُ فِي نَظَافَتِهِ وَطَهَارَتِهِ مَا لَا يُؤَثِّرُ غَسْلُهُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ بِدُونِ هَذِهِ النِّيَّةِ، وَالتَّحَاكُمُ فِي هَذَا إلَى الذَّوْقِ السَّلِيمِ، وَالطَّبْعِ الْمُسْتَقِيمِ، ... ]

وفي الذخيرة للقرافي (3/ 110)

[ ... وَقَالَ الْأَصْمَعِي يجذع الْمعز لسِتَّة والضأن لثمانية أشهر وَتِسْعَة قَالَ سَنَدٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الثَّنِيُّ هُوَ الَّذِي طَرَحَ ثَنِيَّتَهُ لَهُ سَنَتَانِ وَدَخَلَ فِي الثَّالِثَةِ مِنَ الضَّأْنِ وَالْمَعَزِ وَرُوِيَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ الْجَذَعُ ابْنُ سَنَةٍ مِنَ الضَّأْنِ وَالْمَعَزِ وَقِيلَ مَا لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَقِيلَ عَشَرَةٌ وَفِي الْجَوَاهِرِ التَّحَاكُمُ فِي هَذَا إِلَى أَهْلِ اللُّغَةِ ] .

وفي التاج والإكليل لمختصر خليل (2/ 584)

[ الْكُسُوفُ عِبَارَةٌ عَنْ ظُلْمَةِ أَحَدِ النَّيِّرَيْنِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، أَوْ بَعْضِهِمَا. وَهَلْ الْخُسُوفُ وَالْكُسُوفُ لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ ؟ التَّحَاكُمُ فِي هَذَا إلَى اللُّغَةِ . ]


قُلتُ : إن كنتم أيها المدلسّون تستندون إلى قول المفسرين عن شهادة الشاهد بأنها [ حكم حاكم ] في تجويزكم الترافع إلى الطواغيت المعبودة ، أفليس يلزمكم بحسب تدليسكم وتلبيسكم على الخلق تجويز التحاكم إلى الطواغيت المعبودة إبتداء وإنتهاءً لما رأيتموه من نصوص نقلناها لكم من العلماء !! فأين ستذهبون بقول الله تعالى [ يريدون أن يتحاكموا الى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ] و قول الله تعالى [ إن الحكم إلا لله ] وقوله تعالى [ والله يحكم لا معقب لحكمه ] وقوله تعالى [ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ] ... .

من فَهِم فهمَكم واتبع طريقتكم البدعية التلبيسية في فهم كلام العلماء لا محالة سيؤول به الحال إلى ضرب كل كلام الله تعالى ونبذه وراء ظهره وتجويز الشرك الصراح والكفر البواح ، أو على أقل تقدير يلزمه تكفير علماء الأمة الربانيين أمثال ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والأخرون كالقرافي الأصولي الفقيه وغيرهم ، ولكن من هداهم الله تعالى إلى نوره ورضاه لن يفهموا هذه النصوص والعبارات إلى على ضوء ما تقرر في الوجوه السبع ولا سيما الوجه الثاني ، فالتحاكم إلى العقل والفطرة واللغة هو في الأحكام العادية بأنواعها وأقسامها المقدورة للخلق وفي وسعهم بما اعطاهم الله من طاقات عقلية وحسيّة وخبراتٍ تجريبية وأذواق طبائعية يحكمون بها على ما تعرفه عقولهم و تستحسنه أذواقهم وطبائعهم و تقرره خبراتهم وتجاربهم ...

فحكم الخبير في مجال خبرته مقدّم على حكم غيره ممن ليس بخبير ، فحكم الحداد في جودة الحديد مقدم على قول المزارع مثلاً .. وحكم المزارع في جودة الثمر مقدم على حكم التاجر . وحكم المجرّب للشيء على الشيء مقدّم على من لم يجرّبه ، وحكم أهل اللغة وعلومها في الإعرابات والتصاريف والمعاني مقدّم على حكم غيرهم فيها ... إلـخ .

وكل هذه أحكامٌ والمختصم إليه فيها متحاكَم إليه فيها ، وأنْ يكون الأنسان حاكماً بمثل هذه الأمور أو متَحاكَم إليه فيها لا يكاد يفلت منه أحد من البشر في معترك حياته في أي ميدان على حد سواء ، والله تعالى أباح للناس هذا بل جعله من مقدورهم بما ركب فيهم من عقول وفِطَر وأذواق وطبائع .

فهذا فهمنا وهذا ديننا والحمد لله ربنا ومولانا .

ولن نقول لكم إلا أنْ راجعوا دينكم أيها القوم واتقوا الله في أنفسكم واعلموا أنكم بين يدي الله غدا أنتم واقفون لن تنفعكم أموالكم ولا أولادكم ولا دنياكم التي من أجلها تشركون وتكفرون ، والخير كل الخير في صراط ربكم المستقيم ودينه القويم . ومن حيّ فقد حيّ عن بينة ومن هلك فقد هلك عن بينة وهذه أيامٌ مباركات فيها سوق العفو والغفران والعتق من النيران ، فاغتنموا أيام ربكم فلربما هجمكم الموت في عشيّة أو ضحاها ولن ينفع نفسٌ إيمانها لم تكن آمنت من قبلُ أو كسبت في إيمانها خيرا .

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 03-21-2014, 04:27 PM
نسر الخليج نسر الخليج غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Mar 2014
المشاركات: 6
افتراضي

بيان شفاي لمن كان له قلب
بارك الله فيك اخي
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
هل يكون المدعى عليه متحاكماً إن استرسل مع الطاغوت في جلسة التحاكم المنعقدة ؟؟ علي العلي ردود على المخالفين 90 06-07-2012 05:13 PM
الإستدلال الباطل بقصة يوسف عليه السلام في تجويز شرك التحاكم للطاغوت ضياء الدين القدسي قسم فتاوى العقيدة 0 06-17-2011 10:21 AM
الرد على شبهة عمل يوسف عليه السلام عند ملك مصر نور التوحيد منتدى التوحيد 0 05-21-2011 09:40 PM
الرد على من يجيز التحاكم للطاغوت لو وافق حكمه شرع الله أنصار التوحيد الردود العلمية 0 02-19-2011 07:04 PM
بيان أن التحاكم إلى الطاغوت إيمان به Al-Mohager مسائل الحكم والحاكمية 1 12-01-2010 12:44 PM


الساعة الآن 04:46 PM


جميع المشاركات تعبّر عن وجهة نظر صاحبها ولا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر إدارة المنتدى