منتدى دعوة الحق  

العودة   منتدى دعوة الحق > الأقسـام العامة > المنتديات > المنتدى الشرعي العام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 01-02-2011, 10:02 PM
الفقير إلى الله الفقير إلى الله غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
الدولة: أرض الله واسعة
المشاركات: 63
افتراضي دّوْحَـــةُ ذمِّ الكـــلامْ

دّوْحَـــةُ ذمِّ الكـــلامْ

الحمد لله على نعمة الإيمان والإسلام , له الحمد ربَّنا ما تعاقبت الأيام والأعوام , وصلّ اللّهم وسلَم وبارك على رسلك وأنبيائك وعلى آلهم وأزواجهم وذريّاتهم وحوارييهم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين وسلِّم تسليما كثيرا , وبعد :
فهذه دّوْحَةُ ذمِّ الكلامْ , عثرت عليها في طريق هجرتي إلى ربِّي منذ أعوامْ , في طريق قَفْرٍ موحِشٍ قَلّ فيه الزادْ , وعَزَّ فيه الخليلُ من العبادْ , فحمِدْتُ الله الذي أنعَم عَلَيّ بهذه الدَّوحة , أتَّقي بها عن الجَهَالاتِ كلَّ نفحةٍ ولَفْحة , أُواسي بدُرَرِها كلَّ غريب وطَريدْ , وأعْقِلُ بها كلَّ نافِرٍ شَريدْ , فَيا باغِيَ الخيرِ أقبلْ , ويا باغي الشرِّ أقصِرْ .

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 01-02-2011, 10:13 PM
الفقير إلى الله الفقير إلى الله غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
الدولة: أرض الله واسعة
المشاركات: 63
افتراضي

الجـــلسة الأولـــى



ذكر الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الكوفي المروري الدينوري رحمه الله ( 213هـ - 276 هـ ) في مقدمة كتابه : أدبُ الكاتب , وصفا لحال أكثر أهل زمانه في أخلاقِهم وعُزوفَهم عن الازدياد في العلم مقابلَ انكبابِِهم على علم الكلام وما لا يُجدي نفعا , فلتصبر أيها القارئ ولتحتسب معي دقائق معدودات نقرأ فيها ما خطَّتهُ أناملُ الرَّجل – رحمه الله - منذ اثنا عشر قرنا ثمّ لنعتبر وليُنصف كلٌّ منّا نفسَه , أيَصدُقُ فيه وصف ابن قتيبة أم لا ؟ :

قال رحمه الله : ( فإني رأيتُ أكْثَرَ أهلِ زماننا هذا عن سبيل الأدب ناكِبين ومن اسمه مُتَطَيِّرِينَ ولأهله كارهين : أما الناشِيءُ منهم فراغبٌ عن التعليم , والشَّادِي تاركٌ للازدياد , والمتأدِّبُ في عُنْفُوَان الشباب ناسٍ أو مُتَنَاسٍ ليدخلَ في جملة المجدُودين ويخرج عن جملة المحدودين.
فالعلماء مُغْمُورونَ , وبِكَرَّةِ الجهلِ مَقْمُوعُون , حين خوَى نجمُ الخير وكسدتْ سوقُ البِرِّ وبارت بضائعُ أهله وصار العِلْمُ عارًا على صاحبه والفضلُ نقصًا , وأموالُ الملوك وقفا على شهواتِ النفوس والجاهُ الذي هو زكاة الشرف يُبَاع بيع الخَلَقِ , وَآضَتِ المُرُوءات في زخارِف النَّجْد وتشييد البُنْيَان ولَذَّاتُ النفوس في اصطِفاق المَزَاهِر ومُعاطاة النَّدْمَان , ونُبِذَتِ الصنائع وجُهل قَدْرُ المعروف وماتتِ الخواطر وسقَطَتْ هِمَمُ النفوس وزُهِدَ في لسان الصدق وعَقْدِ الملكوت.
فأبعدُ غايات كاتبنا في كتابته أن يكون حَسَنَ الخط قَوِيمَ الحروف , وأعلى منازلِ أديبنا أن يقول من الشعر أبياتا في مدح قَيْنَة أو وصف كأس , وأرْفَعُ درجات لطيفنا أن يطالع شيئاً من تقويم الكواكب وينظر في شيء من القضاء وَحَدِّ المنطق ثم يعترض على كتاب الله بالطعن وهو لا يعرف معناه وعلى حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم بالتكذيب وهو لا يدري مَنْ نَقَلَهُ , قد رَضِيَ عِوَضًا مِنَ الله وممّا عنده بأن يقال ( فلان لطيف ) و ( فلان دقيق النظر ) . يذهب إلى أن لُطْفَ النظر قد أخرجه عن جملة الناس وبلغ به عِلَمْ ما جَهِلوه , فهو يدعوهم الرَّعاع والغُثَاء والغُثْرَ , وهو لعمرُ الله بهذه الصفات أوْلى وهي به ألْيَقُ , لأنه جهلَ وظَنَّ أنْ قد عَلِم , فهاتان جَهَالتان , ولأن هؤلاء جهلوا وعلموا أنهم يجهلون .
ولو أن هذا المُعْجَب بنفسه الزارِيَ على الإسلام برأيه نظر من جهة النظر لأحْيَاهُ الله بنُورِ الهدى وثَلَجِ اليقين , ولكنه طال عليه أن ينظر في علم الكتاب وفي أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته وفي علوم العرب ولغاتها وآدابها فَنَصَب لذلك وعَادَاهُ , وانحرف عنه إلى علم قد سَلَّمه له ولأمثاله المسلمون وقلَّ فيه المتناظرون. له ترجمةٌ تروق بلا معنى واسم يهول بلا جسم , فإذا سمع الغُمْرُ والحدَثُ الغِرُّ قولَه : الكَوْن والفساد وسَمْع الكيانِ والأسماءَ المفردةَ والكيفيةَ والكمية والزمان والدليلَ والأخبارَ المؤلفة , رَاعَهُ ما سمع وظن أنَّ تحت هذه الألقاب كلَّ فائدة وكلَّ لطيفة , فإذا طالعها لم يَحْلَ منها بطائل . إنما هو الجوهر يقوم بنفسه , والعَرَضُ لا يقوم بنفسه , ورأس الخط النقطة والنقطة لا تنقسم , والكلام أربعة : أمر وخبر واستخبار ورغبة , ثلاثة لا يدخلها الصدق والكذب وهي : الأمر والإستخبار والرغبة , وواحد يدخله الصدق والكذب وهو الخبر, والآنُ حدُّ الزمانَيْنِ مع هذَيان كثير , والخبر ينقسم إلى تسعة آلاف وكذا وكذا مائةً من الوجوه. فإذا أراد المتكلم أن يستعمل بعض تلك الوجوه في كلامه , كانت وَبَالا على لفظه وقَيْدًا للسانه وعِيًّا في المحافل وعُقْلَة عند المتناظرين .
ولقد بلغني أن قومًا من أصحاب الكلام سألوا محمدَ بنَ الجَهْمْ البرمكيَّ أن يذكر لهم مسألة من حد المنطق حسنة لطيفة فقال لهم : ما معنى قول الحكيم : ( أولُ الفكرة آخرُ العمل وأولُ العمل آخر الفكرة ) فسألوه التَّأويلَ فقال لهم :
مثَلُ هذا مثلُِ رجل قال : ( إني صانع لنفسي كِنًّا – أي بيتا - ) فوقَعَتْ فكرتُه على السقف ثم انحدر فعلم أن السقف لا يكون إلا على حائط وأن الحائط لا يقوم إلا على أُسّ وأن الأُسَّ لا يقوم إلا على أصل ثم ابتدأ في العمل بالأصل ثم بالأسِّ ثم بالحائط ثم بالسقف فكان ابتداء تفكره آخرَ عمله وآخرُ عمله بدءَ فكرته.
فأيةُ منفعةٍ في هذه المسألة ؟! وهل يجهل أحد هذا حتى يحتاج إلى إخراجه بهذه الألفاظ الهائلة ؟! وهكذا جميع ما في هذا الكتاب.
ولو أن مؤلفَ حدّ المنطق بلغ زماننا هذا حتى يسمع دقائق الكلام في الدين والفقه والفرائض والنحو , لعدَّ نفسه من البكْمِ , أو يسمع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته لأيقنَ أن للعرب الحكمةَ وفَصْلَ الخطاب ) اهـ كلامه رحمه الله وأجزل له المثوبة.
أوليس هذا حالنا نحن المسلمون على العموم وروَّادُ هذا المنتدى خصوصا ؟؟؟
بل والله إن مِنْ أدعياءِ التوحيدِ ورُوَّادِ المنتدى مَنْ هو أحَطَّ منزلة ممَّن ذكرهم ابن قتيبة رحمه الله بكثير. فلا عِلمَ ولا ورعََ , ولا هَديَ ولا سمتْ. همُّ أحدِهم أن يكونَ مناظرا فَمُكفِّرا أو مثَبِّّّّّّّّّطا ومُخَدِّرا , وهو لا يملك من أدوات العلم وحليته إلاَّ أسلوبَ التفيقُهَ والتَّفَقُرَ والتَّمنطُقَ والتَّقعر , المولود في حِجْرِ الفلاسفةِ المتكلمين , حنَّكوهُ بعُجوةِ العُجْمةِ العقيمة في لغة العرب , ثمَّ أرضعوهُ حُبَّ الجَدَلِ والخلافْ , وفَطموهُ على نبذِ الرِّفق والائتلافْ , وقذفوه إلى جفاة الأعرابْ , فألبسوه خشِنَ الثيابْ , وعلمُّوهُ الفظاظة والسِّباب , فكيفَ يُرجى منه حكمةً أو فَصلَ الخطاب.
فحيَّهلا أيها الشريد , ففي دوحة ذمِّ الكلامِ دواؤُكْ , تُشفى به أسقامُك , فإنْ وَجدْتَ فيه طعماً مُرَّا , فقابلهُْ احتساباً وصبراَ , وإن وَجدْتَ مِن ساقيهِ غِلْظةً وشِدَّة , فذاك حِرْصٌ منه للحقِّ أنْ تُرَدَّ.
وللغريب الطريد أقول : في دوحة ذمِّ الكلامِ عِبَرْ , في أخبار مَن غَبَرَ وحالِ مَن حَضَرْ , فاحذرِ أن يكون حالُكَ حالَِ مَن ذَكرهم ابن قتيبة رحمه الله , ولا حالَ الشريدِ الذي بيَّنتُ حالَهُ , ولْيسعى كلانا في مُداواتهْ , بالصبرِ على تمنُّعهِ وحِرانِهْ , فلأن يهدي اللهُ بنا رجلا واحدا خيرٌ لنا من حُمْرِ النَّعَمِ .
اللهمّ اهدنا واهد بنا واجعلنا سببا وسبيلا لمن اهتدى
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 01-20-2011, 09:13 PM
الفقير إلى الله الفقير إلى الله غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
الدولة: أرض الله واسعة
المشاركات: 63
افتراضي


قال الموحد الدّرعيُّ حفظه الله وردّه علينا بخير وعافية تعليقا على هذه المشاركة كلاما رأيت نقله برمّته هنا لفائدته و حسن عبارته فعلى الدّاء وقع وبمثله يُنتَفَع :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله العزيز الحكيم , المحمود على كل حال وهو المستعان وبه المستغاث في العاجل والمآل ؛ يُضلّ من يشاء بحكمته وعدله ويجتبي ويهدي إليه من يشاء بلطفه وفضله فيجعله على صراطٍ مستقيم .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ؛ شهادة فصل بين الغيّ والرشاد أرجو بها الفوز يوم الحشر المعاد , وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله ؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً مديداً , وبعد . .

فجزاك الله خيراً (الفقير إلى الله) على هذا النقل الماتع المبكي ؛ ماتع إذ أنه يجسد حال كثير ممن نعاصرهم من المتكلمين في مسائل التوحيد والكفر والإيمان على وهن شديد بأحكام الشرع والحلال والحرام بل وقصور في اللغة العربية ؛ وكأن ابن قتيبة رحمه الله بيننا اليوم , وأنا هنا أستعيذ بالله من أن أتشبّع بما لم أُعطهُ , فأنا لست فقيهاً ولا شاعراً أديباً ولكني أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا وأن يزيدنا علماً .

وهو كلام محزن ومبكي لأسباب :

1) فناء الأعمار والأجيال في علم لا يعود بالنفع على الإسلام والمسلمين ؛ بل إن أرباب هذا الفن قد جروا على الإسلام الويلات والهزائم المتتابعة لما تصدروا لمناظرة الملاحدة بالفلسفة والمنطق وعلم الكلام بعيداً عن نور الوحيين وهدي السلف في الدعوة والإفحام الشرعيّ والعقلي ومنهجهم في تعبيد العباد لله الواحد القهّار .

2) أن المرء قد يدرك الحق ويؤمن به ولكنه لا يحسن الدفاع عنه وتقديمه للناس أو يقدمه لهم ولكن بوسائل ضعيفة لا ترقى لوسائل الكفار , فيكون من ذلك أن ينتفش أهل الباطل ويجترئون على دعوة الحق ويجعلون قصور الموحد والداعي إلى الله وضعفه في اللغة مثلاً ذريعة للتشنيع على دعوة التوحيد كما قال سلفهم { ما نراك اتبعك إلا اللذين هم أراذلنا بادي الرأي } .


فأسأل الله أن يزيد دعاة الحق علماً وثباتاً , وأن يرد كيد المبطلين المثبطين إلى نحورهم إنه عزيزٌ ذو انتقام .

* ويحضرني هنا كلام نفيس لابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى كأنه الدر قد رصّع به المقدمة المفيدة لكتابه (مفتاح دار السعادة) يصف فيه حال المخذّلين الذين قد انزووا في عتمة الجهل ورضوا بعقولهم المريضة حاكماً على الشرع وفرحوا بتقدمهم على أهل الجهل والسيادة فيهم فظنوا أنهم من السابقين . ويستعيذ بالله من حاسد في ثوب ناصح يطعن الدعوة بخنجر مسمم بالغل على الحق وأهله وهو يعطيك ابتسامة الأخوّة العريضة .

قال رحمه الله :
" فهذا مضمون هذه التحفة وهذه عرائس معانيها الآن تجلى عليك وخود أبكارها البديعة الجمال ترفل في حللها وهي تزف إليك , فإما شمس منازلها بسعد الأسعد وإما خود تزفُّ إلى ضرير مقعد , فاختر لنفسك إحدى الخطتين وأنزلها فيما شئت من المنزلتين , ولا بد لكل نعمة من حاسد ولكل حق من جاحد ومعاند . هذا وإنما أودع من المعاني والنفائس رهن عند متأمله ومطالعه له غنمه وعلى مؤلفه غرمه , وله ثمرته ومنفعته ولصاحبه كله ومشقته مع تعرضه لطعن الطاعنين ولاعتراض المناقشين وهذه بضاعته المزجاة وعقله المدود يعرض على عقول العالمين وإلقائه نفسه وعرضه بين مخالب الحاسدين وأنياب البغاة المعتدين فلك أيها القارئ صفوه ولمؤلفه كدره وهو الذي تجشم غراسه وتعبه ولك ثمره وها هو قد استهدف لسهام الراشقين واستعذر إلى الله من الزلل والخطأ ثم إلى عباده المؤمنين اللهم فعياذا بك ممن قصر في العلم والدين باعه وطالت في الجهل وآذى عبادك ذراعه فهو لجهله يرى الإحسان إساءة والسنة بدعة والعرف نكرا ولظلمه يجزى بالحسنة سيئة كاملة وبالسيئة الواحدة عشرا قد اتخذ بطر الحق وغمط الناس سلما إلى ما يحبه من الباطل ويرضاه ولا يعرف من المعروف ولا ينكر من المنكر إلا ما وافق إرادته أو حالف هواه يستطيل على أولياء الرسول وحزبه بأصغريه ويجالس أهل الغي والجهالة ويزاحمهم بركبتيه قد ارتوى من ماء آجنٍ وتضلّع واستشرف إلى مراتب ورثة الأنبياء وتطلع , يركض في ميدان جهله مع الجاهلين ويبرز عليهم في الجهالة فيظن أنه من السابقين وهو عند الله ورسوله والمؤمنين عن تلك الوراثة النبوية بمعزل وإذا أُنزِل الورثةُ منازلهم منها فمنزلته منها أقصى وأبعد منزل .
نزلوا بمكة في قبائل هاشم * * * ونزلت بالبيداء أبعد منزل
وعياذاً بك ممن جعل الملامة بضاعته والعذل نصيحته فهو دائماً يبدي في الملامة ويعيد ويكرر على العذل فلا يفيد ولا يستفيد , بل عياذاً بك من عدوٍ في صورة ناصح وولي في مسلاخ بعيد كاشح , يجعل عداوته وأذاه حذراً وإشفاقاً وتنفيره وتخذيله إسعافاً وإرفاقاً ؛ وإذا كانت العين لا تكاد إلا على هؤلاء تفتح والميزان بهم يخف ولا يرجح فما أحرى اللبيب بأن لا يعيرهم من قلبه جزءاً من الالتفات ويسافر في طريق مقصده بينهم سفره إلى الأحياء بين الأموات . وما أحسن ما قال القائل :
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله * * * وأجسامهم قبل القبور قبور
وأرواحهم في وحشة من جسومهم * * * وليس لهم حتى النشور نشور
اللهم فلك الحمد واليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك وأنت حسبنا ونعم الوكيل
. ." انتهى كلامه رحمه الله .
* فإنما هي حرب ونزال ولابد للحرب من عتاد وعدة , وكلما كان المجاهد قليل الكفاءة في فنون القتال غير متمرس في اقتحام الأهوال كان ذلك أدعى لأن يؤتى جيش المسلمين من قِبَله .
{ فالله خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين } .
* ولا يعني هذا أن ينثني الموحد عن إظهار ما معه من الحق ؛ كلا !
فإنه إن فهم ولو آية واحدة أو حديث فهماً سليماً بفهم السلف الصالح جاز له أن يبلغه , لحديث الحبيب النبي (صلى الله عليه وسلم) " نضّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها فأداها مثلما سمعها " أو كما قال عليه الصلاة والسلام .
وقوله : " بلغوا عني ولو آية . . " الحديث .
هذا والله أعلم , والحمد لله أولاً وآخراً وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 02-08-2011, 10:45 PM
الفقير إلى الله الفقير إلى الله غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
الدولة: أرض الله واسعة
المشاركات: 63
افتراضي

الجـــلسة الثانية
قَبول المَحلِّ لِمَا يوضعُ فيه مشروطٌ بتفريغِه مِن ضِدّه

الحمد لله على تقديرهْ , وحُسن ما صرَّفَ من أمورهْ , الحمد لله بِحُسنِ صُنعِهْ , شُكرا على إعطائه ومنْعهْ , يَخِيرُ للعبدِ وإن لم يشكُرُهْ , ويسترُ الجهلَ على من يُظهِرُهْ , خَوََََّفَ مَنْ يَجْهَلُ في عِقَابِهْ , وأطْمَعَ العامِلَ في ثوابِهْ , وأنجزَ الحجَّةَ بالإرسالِِ , إليهمُ بالأزمُنِ الخَوالِي , ثمَّ الصلاةُ والسلامْ , ما ناح في دَوحٍ حَمامْ , على الرسول العربيّ , وآله وصحبِهِ , ومن تلاَ مِنْ حِزبهِ , سبيلَهُ في حُبِّه , على مَمَرِّ الحِقّبِ.
وبعد فحيْهلا إخوتي الموحدين في دوحةِ ذمِّ الكلامْ , بيمارستانُ شفاءِ عَويصِِِ الأسقامْ , واستئصالِ خبيثِ الأورامْ , ومنتجَع أولي النُّهَى والأفهامْ ممّن ذاقَ طَعم الإيمان وحلاوة الإسلام.
كما أسأل الله جلّ وعلا أن نظفَر على الحقِّ مُعين , يَرْقَى إلى دوحة ذمِّ الكلام بحبلٍ متين , فيشُدُّ مِنْ أزرنا , ونُشرِِكُهُ في أمرنا , عسى أن يرزقنا ربّنا علمًا نافعا , وقلبا خاشعا , وصماخا سامعا , وعينا دامعة.

من المعلوم يا معشر القُرّاءِ أنََّنا في دوحتنا هذه , على قلّة المعين , نسعى لمُداواة المرضى بشتى أنواعهم , ونسعى دوما في خدمةِ القادمين طوعا , وطِلاَبِ الناكبين جزّعا وهلَعا , وقد يقتضي هذا منّا تنويعَ الأساليب والأدواتِ في فحصنا وعلاجنا , وليعلمْ كلُّ من التحق ببيمارستانِ دوحةِ ذمِّ الكلامِ , طبيبا كان أو مُمَّرضا , مُساعفًا كان أو محتسبا , أنّ عليه التمَرُّسَ واستعمالَ الحكمة في كيفية الفحص ووصفِ الدّواء , فكما أنَّ الجنونَ فنون , فكذلك التَّطبيب فنون. ألا ترى أنَّ الطبيب الجرَّاحَ يلزمُهُ لعلاج مريضه قطعُ أشواطٍ لسبر حاِله والصبرِ على تمنُّعِه وحِرانِه ثمَّ يهتدي إلى مُعافاته ومُداواتِه , بما يناسبه من أدواته , كَكُلَّبات الأضراس، وكُلَّبات العَلَقِ لاستخراج الدم الجامد والغليظ , ومَكاوي الطحال، ومِلْزِمُ البواسير، ومِخْرطُ المناخير، وقالب التشمير، ورصاص التثقيل، ومِكْمدَة الحشا، وغير ذلك.
فإن اتضح لك هذا , فإنِّي في مجلسي الثاني هذا عزمت أن أعْمِدَ إلى أسلوبٍ مُداواةٍ فيه الشفاء بإذن الله من كلِّ شرِّ , فإن قلت : يا طبيب عجِّل ! قلتُ أجَلْ ! كلانا لوصف ما أقول فليمتثل.
قال طبيب الأبدان والقلوب , ابن قيم الجوزية المحبوب , عليه رحمة علاّم الغيوب , في زاد المعاد :

أصول الاستفراغ

القيء أحد الاستفراغات الخمسة التي هي أصول الاستفراغ وهي الإسهال والقيء وإخراج الدم وخروج الأبخرة والعرق وقد جاءت بها السنة . اهـ كلامه رحمه الله.

فإن قلتَ : هذا أسلوب ثبت نفعه في شفاء الأبدان , فهل يصلح لمُداواة القلوب ؟ قلتُ : نعم. فإن قلتَ : كيف ذلك ؟ قلتُ : أعطي القوس باريها , فاسمع معي يا رعاك الله :

قال ابن القيم رحمه الله في كتاب الفوائد، الجزء 1، صفحة 29:

قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضدّه. وهذا كما أنه في الذوات والأعيان فكذلك هو والاعتقادات والإرادات. فإذا كان القلب ممتلئا بالباطل اعتقادا ومحبّة, لم يبق فيه لاعتقاد الحق ومحبّته موضع, كما أن اللسان إذا اشتغل بالتكلم بما لا ينفع, لم يتمكن صاحبه من النطق بما ينفعه, إلا إذا فرغ لسانه من النطق بالباطل.

وكذلك الجوارح إذا اشتغلت بغير الطاعة لم يمكن شغلها بالطاعة إلا إذا فرغها من ضدها. فكذلك القلب المشغول بمحبّة غير الله وإرادته, والشوق إليه والأنس به , لا يمكن شغله بمحبة الله وإرادته وحبه والشوق إلى لقائه إلا بتفريغه من تعلّقه بغيره. ولا حركة اللسان بذكره, والجوارح بخدمته إلا إذا فرغها من ذكر غيره وخدمته. فإذا امتلأ القلب بالشغل بالمخلوق , والعلوم التي لا تنفع , لم يبق فيها موضع للشغل بالله ومعرفة أسمائه وصفاته وأحكامه. وسر ذلك : أن إصغاء القلب كإصغاء الأذن, فإذا أصغى إلى غير حديث الله, لم يبق فيه إصغاء, ولا فهم لحديثه, كما إذا مال إلى غير محبّة الله, لم يبق فيه ميل إلى محبّته. فإذا نطق القلب بغير ذكره, لم يبق فيه محل للنطق بذكره كاللسان. ولهذا في الصحيح عن النبي أنه قال:" لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا". فبيّن أنّ الجوف يمتلئ بالشعر فكذلك يمتلئ بالشبه والشكوك والخيالات والتقديرات التي لا وجود لها, والعلوم التي لا تنفع, والمفاكهات والمضحكات والحكايات ونحوها. وإذا امتلاء القلب بذلك جاءته حقائق القرآن والعلم الذي به كماله وسعادته فلم تجد فيه فراغا لها ولا قبولا, فتعدته وجاوزته إلى محل سواه, كما إذا بذلت النصيحة لقلب ملآن من ضدها لا منفذ لها فيه فإنه لا يقبلها, ولا تلج فيه, لكن تمر مجتازة لا مستوطنة, ولذلك قيل:

نــزّه فـؤادَك مِنْ سـوانا تـلقنا ***** فَجَـنَـابُـنـَا حِـلٌّ لِكلِّ مُنَــزّهِ
والصبرُ طلسَم لكنزِ وِصالِنا ***** مَنْ حَلّ ذا الطلسَمِ فاز بكنزِهِ
وبالله التوفيق.

وهكذا ينفض مجلسنا , آملين وسائلين الله أن يُشفى سقيمنا , ويعتبرَ زائرنا , فقد تنفع الجُرعة الواحدةُ ناسًا وقد يلزم جُرعاتٍ لِناسْ . والله أعلم.

يتبــــــــع إن يسر الله تعــــالى
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 10-18-2012, 10:26 PM
الفقير إلى الله الفقير إلى الله غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
الدولة: أرض الله واسعة
المشاركات: 63
افتراضي

الجلسة الثالثة
يا سعد من تهوَّع وتخوَّع اليوم قبل غد

الحمد لله الذي خلق فَسَوَّى , والذي قدّر فهدى , والذي خلق الذكر والأنثى , والذي جعل السعي شتّى , فريقا ضلَّ وفريقا هدى. والصلاة والسلام على نبيِّ الهُدى , بعثه الله بالعلم والحلم والتُّقى , فبذل النُّصح الأمين وأسدى , وحذَّر من الجهل والعدوان والهوى.
وبعد :
تذكرون يا جلساء المنتدى ورواده أنَّ مجلسنا الأول كان مع الامام ابن قتيبة رحمه الله ( 213هـ - 276 هـ ) وفيه بيَّن أحوالَ أهل زمانه ونكوبهم عن التعلم والتخلق , مقابل الولوغ في حمأة الكلام والمنطق , ولعمري إنّ هذا لحالنا بل وأسوأ منه إلا ما رحم ربك.

وتذكرون أنّه بعد تشخيص هذا الداء الحالق الفتاك سعينا بتوفيق من الله في مجلسنا الثاني إلى مداواته بأنواع الاستفراغ والقيءُ أنجعُها وأسهلها وأليقها بمن لم يتمكن الداء من جسمه بعد.
ألست ترى أنَّ من احتسى سمَّا لا أشفى له من أن يقيء لنفسه أو يتكلف ذلك فيتهوَّع في الحال قبل أن يسري السمُّ إلى داخله فلا يدع عرقا ولا مفصلا إلا دخله؟؟؟ فيا سعد من تهوَّع وتخوَّع اليوم قبل غد.
نكتة لغوية لها متعلق بموضوعنا
فيا سعدَ من تهوَّع وتخوَّع اليوم قبل غد.


قد يستغرب البعض وقد يضجر آخرون ويقولون ما حال هذا الفقير لا يقع إلاَّ على غريب الألفاظ ووحشيها أفلا خاطبنا بما نعقل ونفقه؟

فأقول : يعلم الله أني لا أتعمد ذلك ولا أرى هذا من الغريب ولا الوحشي من لغة العرب بل نحن الذين استعجمنا ولم نرد أن نرفع بلغة القرآن رأسا. وكم يحزُّ في قلبي أن أرى في المنتدى مشاركات جمعت بين التعالُم والعُجمة فأورثت جهلا وظُلما. وصدق أبو حامد الغزالي حين قال : " لو سكت من لا يعلم لقل الاختلاف ومن قصر باعه وضاق نظره عن كلام علماء الأمة والاطلاع عليه فما له وللتكلم فيما لا يعنيه، وحق مثل هذا أن يلزم السكوت ".

عودا على بدء أقول : تقول العرب قاء وتهوَّع وتَخوَّع بمعنى واحد.

وبعضهم فرقَّ فقال : قاءَ منْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ وإذا تَكَلَّفَ ذلكَ قيلَ: تَهَوَّعَ , وتَخَوَّع : تنّخَّم.

وبعضهم قال : هُعْ : صوت القيء وهو مندفع من جوف الإنسان إلى حلقه. وخُعْ : صوت القيء وهو خارج من الحلق إلى الخارج.

وقد جاء الجمعُ بين الهُع والخُع في كلمة واحدة في قول أعرابي سُئل عن ناقته فقال: تركتها ترعى الهُعْخُعْ. قال بعضهم هواسم شجرةٍ يقزِّز طعمها النفس إلى درجة التقيؤ.

وأقول للقارئ غيرَ مستطرد في الكلام إنْ تتبعت معاني هذه الكلمات الثلاث التي تعمدت استعمالها وهي ( قاء وتهوَّع وتخوَّع ) أدركت أنّ لها متعلّقا بالذي ذكره ابن القيم من أصول الاستفراغ الحسي والمعنوي.

فأنت تقيئ الطعام إذا كنت ذا جسم سليم يرفض الدخيل والغريب من الطعام . وكذلكم من سلمت فطرته وصحَّ عقله واستنار قلبه بنور القرآن والسنة يقيئ ويلفظ الوارد الفاسد من شبه وشكوك وخيالات وتقديرات لا وجود لها, وعلوم لا نفع فيها ونحوها.

وإن تمكن منك الهوى والشبهة وأردت الخلاص منهما فما عليك إلا التهوع والتخوع تجشَّم عناء الأول واقطع نياط قلبك دون إفلات الثاني , وإلا كنت كمن فاتها المخاض ولم تلد , فإن لم تُبقر فستُقبر. ولئن كانت هذه يُرجى لها الشهادة والسعادة , فما يُرجى لمن أفلت التوبة من غواية ورفض داعي الهداية واستحبَّ العيش في عماية ؟؟؟

نسأل الله الهداية لما اختلف فيه من الحق بإذنه والثبات على ذلك والموت عليه.

قال أبو بكر ابن العربي: «شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة، وأراد أن يتقيأهم فما استطاع» [1].

قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «وقد أنكر أئمة الدين على «أبي حامد» هذا في كتبه ـ يعني المواد الفاسدة من كلام الفلاسفة ـ وقالوا: مرضه: «الشفاء». يعني شفاء ابن سيناء في الفلاسفة» [2].

[1] سير أعلام النبلاء (19/327).

[2] مجموع الفتاوى، (10/552).



يتبع إن يسر الله
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:48 AM


جميع المشاركات تعبّر عن وجهة نظر صاحبها ولا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر إدارة المنتدى