منتدى دعوة الحق  

العودة   منتدى دعوة الحق > الأقسـام العامة > المنتديات > المنتدى الشرعي العام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 10-14-2011, 12:31 AM
الصورة الرمزية أبو الحارث اليماني
أبو الحارث اليماني أبو الحارث اليماني غير متواجد حالياً
مشرف عام
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 192
افتراضي الدروس المفرغة للشرح متن الورقات للشيخ ضياء الدين القدسي حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين :
الأخوة والأخوات قد بدأنا على برنامج الإنسبيك بمدارسة لشرح الورقات في أصول الفقه للإمام الجويني بشرح الشيخ ضياء حفظه الله تعالى ... وسوف ننقل لكم الشرح على شكل حلقات متتالية هنا ويمكنكم الدخول في المدارسة الصوتية في الإنسبيك أيام السبت والإثنين والأربعاء والخميس مساء الساعة الثامنة والنصف بتوقيت مكة المكرمة ..

وسوف نجعل بإذن الله تعالى صفحة خاصة بتساؤلات المتابعين حول المادة نعرضها على الشيخ الفاضل حفظه الله تعالى ....





رد مع اقتباس
  #2  
قديم 03-28-2012, 04:32 AM
زائر2 زائر2 غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Apr 2011
الدولة: بلاد الشام
المشاركات: 184
افتراضي الدروس المفرغة لدراسة متن الورقات للشيخ ضياء الدين القدسي حفظه الله

الدروس المفرغة لدراسة متن الورقات للشيخ ضياء الدين القدسي حفظه الله

=== الدرس الأول للقراءة ===

بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشـهد أن لا إله إلا الله وحـده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .

أيها الأخوة : سنبدأ بعون الله في دروس أصول الفقه .
فلِعلم أصول الفقه مكانة عظيمة بين العلوم الشرعية ، فهو العلم الذي تعرف به مدارك الأحكام ، وكيفية الإستنباط ،وهو علم يساعد طالب العلم على الإستنباط الشرعي الصحيح للأحكام ؛ لهذا فعلم أصول الفقه يحفظ الشريعة من أن تكون ألعوبة بيد إنسان غير مؤهل لاستنباط الأحكام الشرعية بشكل مضبوط , فالتحريم والتحليل لا بد أن يكون مربوطاً وموزوناً بميزان الشرع ومنطلقاً من القواعد الأصولية , وليس حسب الأهواء والمصالح الدنيوية .
* وكذلك علم أصول الفقه يقف سداً منيعاً وحاجزاً قوياً أمام الذين لا يريدون فهم النصوص كما فهمه الصحابة والتابعون ؛ يقف سداً منيعاً أمام من يريد التلاعب بالنصوص الشرعية ويريد تأويلها تأويلا يناسب هوى الطواغيت أو هوى الأنفس .
* أيها الأخوة : الدارس لأصول الفقه يحيط بأسباب الخلاف بين المجتهدين -رحمهم الله- وبهذا يُدرِك أن خلافهم لم يكن حسب الأهواء بل مرده إلى خلاف في مسائل أصولية ؛ وبذلك يعذرهم لهذا الخلاف ويزداد تقديراً لهم .
* وكذلك مما يفيده علم الأصول لطالب هذا العلم التروي والتثبت وعدم الإستعجال في إصدار الأحكام ، فهو يتعلم من هذا العلم أنه يجب عليه التروي والتثبت والنظر في الأمور ، ثم بعد ذلك إذا تبين له وجه الحق في المسألة ، بعد ذلك يُصدر حكمه ، مع إدراكه أن حكمه هذا ليس حكماً مطلقاً بل يعني مظنة الصدق ومظنة الإصابة .
* وكذلك الدارس لأصول الفقه وقواعده الأصولية يتربى عنده الملَكةُ الفقهية بحيث يستطيع أن يميز بين ما يصلح أن يكون دليلاً في المسألة وما لا يصلح أن يكون دليلاً ، فليس كل ما سيق على أنه دليل يصلح لأن يكون دليلاً في المسألة .
أيها الأخوة : هذه بعض الفوائد التي يحصل عليها من تعلم أصول الفقه , ولقد اخترت أن أشرح لكم في هذا العلم رسالةَ الورقات ، للإمام الجويني رحمه الله ، لأنها من خير ما يبدأ به المبتدئون في هذا العلم .
أيها الأخوة : رسالة الورقات لإمام الحرمين الجويني في أصول الفقه ، تأليف صغير مختصر للتعريفات المبدئية في أصول الفقه ، وضعها رحمه الله لتكون مبدأً لطلاب العلم ، يعرفون به بعض مصطلحات أصول الفقه .
والإمام الجويني رحمه الله صاحب هذه الرسالةهو الشيخُ الإمامُ أبو المعالي عَبْدُ الملك ابن الشيخ أبي محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الـجُوَيْني ، نسبةً إلى جوين ، وهي ناحيةٌ كبيرة من نواحي نيسابور ، يلقب رحمه الله بضياء الدين ، وهو إمام الشافعية في زمنه ، ومن مشاهير المتكلمين ، والفقهاء الأصوليين ، وصاحب التصانيف المفيدة والتي منها كتاب (البرهان في أصول الفقه) وهو من أهم كتب الأصول ، وله أيضاً في العقائد كتاب (الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد) و(العقيدة النظامية) ، وغيرها , ولد رحمه الله في محرَّم سنة أربعمائة وتسعة عشر ، وتوفي ليلة الأربعاء ، الخامس والعشرين من شهر ربيع الثاني سنة أربعمائة وثمان وسبعين هجري ، توفي بقرية من أعمال نيسابور يقال لها : بُشْـتَنِقَان , جاور بمكة والمدينة أربع سنين ، يدرس العلم ويفتي ، فلقب بإمام الحرمين ، وانتهت إليه رئاسة العلم بنيسابور ، وبنيت له المدرسة النظامية .
أيها الأخوة : بعد هذه المقدمة المختصرة حول هذا العلم والرسالة ومؤلف هذه الرسالة أبدأ بعون الله في شرح الرسالة .

قال المصَنِّفُ رحمه الله تعالى : "بسم الله الرحمن الرحيم"
يعني بسم الله الرحمن الرحيم , أبدأ بتصنيف هذه الرسالة ,بدأ رحمه الله رسالته بالبسملة اقتداء بالقرآن الكريم ، فإن الله افتتحه بالبسملة , وكذلك بدأها بالبسملة عملاً بحديث رسول الله r : [كل أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله فهو أبتر] أو قال : [أقطع] وهذا الحديث رواه أحمد وروي بروايات متعددة ، وقال النووي : حديث حسن .

بعد البسملة قال رحمه الله : "هذه ورقات تشتمل على معرفةِ فصول من أصول الفقه"
يعني هذه ورقات قليلة ليس فيها تطويل ولا تكثير ولكنها مع ذلك تشتمل على تعريف فصول من أصول الفقه .

قال رحمه الله : "وذلك مُؤَلَّفٌ مِنْ جَزْأَيْنِ مُفْرَدَيْنِ ، أحدهما : الأصول والثاني الفقه"
بعد أن بين رحمه الله طبيعة هذه الورقات والعلمَ الذي تبحث فيه بدأ بتعريف أصول الفقه , فقال رحمه الله : "وذلك مُؤَلَّفٌ مِنْ جَزْأَيْنِ مُفْرَدَيْنِ ، أحدهما : الأصول والثاني الفقه"يعني : إن أصول الفقه مؤلف من جزأين مُفْرَدَيْنِ , أحدهما : الأصول وهو مضاف والثاني فقه وهو مضاف إليه , إذاً فهو مركب إضافي ، ولهذا لابد له من تعريفين :
التعريف الأول : باعتبار مفرديه , أي كلمة "أصول" وكلمة "الفقه" ، لأن المركب لا يمكن معرفته إلا بعد معرفة ما تركب منه .
أما التعريف الثاني لأصول الفقه فهو : باعتباره عَلماً على هذا الفن المعين .
قوله رحمه الله :"مِنْ جَزْأَيْنِ مُفْرَدَيْنِ" أي : إن علم أصول الفقه يتكون مِنْ جَزْأَيْنِ مُفْرَدَيْنِ , ومعنى مفردين : أي غير مركبين , فهو لا يقصد رحمه الله هنا من الإفراد ما يقابل التثنية والجمع ، وإنما يقصد ما يقابل التركيب ، لأن أحد الجزأين المركب منهما اسم هذا العلم هو لفظ "أصول" وهو جمع , فدل على أن قصده من مفردين غير مركبين .
قوله رحمه الله : "أحدهما الأصول والثاني الفقه" أي : أحد هذين الجزئين هو كلمة "أصول" والثاني كلمة "الفقه"فهاتان الكلمتان منهما تألف اسم هذا العلم ,كلمة أصول وكلمة فقه .

نكمل كلام المصنف رحمه الله حيث قال رحمه الله : "فالأصْلُ مَا بُنِىَ عليهِ غَيْرُهُ"
بعد أن بيّن رحمه الله أن اسم هذا العِلم مكون من جزأين هي الأصول والفقه ، شرع هنا بتعريف هذين الجزئين , فبدأ في تعريف الجزء الأولوهو الأصول ، فقال : "الأصْلُ مَا بُنِىَ عليهِ غَيْرُهُ" عرف هنا الأصل بأنه مَا بُنِىَ عليهِ غَيْرُهُ , نقول : أصل الجدار يعني أساسه ، أصل الشجرة أي طرفها الثابت في الأرض , إذاً أصول الفقه يعني أدلته التي يبنى عليها .

ثم عرف الجزء الثاني فقال رحمه الله : "وَالفَرْعُ مَا يُبْنَى على غَيرِهِ"
لما عرَّفَ رحمه الله الأصلَ عرَّفَ مقابِلَه وهو الفرع , فقال رحمه الله : "وَالفَرْعُ مَا يُبْنَى على غَيرِهِ" كفروع الشجرة لأصولها ، وفروع الفقه لأصوله , يريد رحمه الله بهذا التعريف أن يبيِّن أنّ الفروع التي هي مسائل الفقه ، لها أصول ، بنيت عليها ، فهي لم تكن عن طريق اجتهاد ليس له مستند ولا أصل ؛ بل لها أصولُها ، ولها أدلتها ، ولها براهينها .

يكمل رحمه الله فيقول : "والفِقْهُ مَعرِفةُ الأحْكَامِ الشَّرْعيّةِ التي طَرِيقُها الاجْتِـهَادُ"
بعد أن عرف رحمه الله الجزء الأول من اسم هذا العلم وهو الأصول بدأ هنا بتعريف الجزء الثاني وهو الفقه ، فقال: "والفِقْهُ مَعرِفةُ الأحْكَامِ الشَّرْعيّةِ التي طَرِيقُها الاجْتِـهَادُ", عرف المصنف هنا الفقه بأنه مَعرِفةُ الأحْكَامِ الشَّرْعيّةِ التي طَرِيقُها الاجْتِـهَادُ , وهذا المعنى الإصطلاحي للفقه .
في اللغة : الفقه : مصدر فَقِهَ إذا فهم ، وهو في اللغة الفهم ، ومنه قوله تعالى: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} أي : ما نفهم كثيراً مما تقول , ومن العلماء من قال : إن الفقه في اللغة بمعنى : الفهم الدقيق للأشياء , وليس كل فهم يسمى فقه , فالفقه هو فهم الأشياء الدقيقة التي فيها شيء من الغموض , أما فهم الأشياء الواضحة فلا يُسمى فقها , لأن كلَ أحد يستطيع أن يفهمها .
المعنى الإصطلاحي للفقه ، هو كما ذكره المصنف رحمه الله : "مَعرِفةُ الأحْكَامِ الشَّرْعيّةِ التي طَرِيقُها الاجْتِـهَادُ" , من هذا التعريف يفهم أن الفقه له علاقة بالأحكام الشرعية التي طريق إثباتها الإجتهاد فقط , أما الأحكام الشرعية التي لم تثبت عن طريق الإجتهاد ، فلا يوجد للفقه علاقة بها ولا تدخل في مجاله .

أيها الأخوة : الأحكام الشرعية منها ما يعرف عن طريق الوحي بالنص الصريح من القرآن أو السنة فهذه لا تدخل في مجال الفقه , فمثلاً : وجوب الصلاة والزكاة ، ووجوب الطهارة ، وإباحة البيع وتحريم الربا وتحريم الزنا ، هذه أمور جاء فيها نص صريح فليست من اجتهاد أحد من الناس ولا تنسب إلى مذهب من المذاهب ؛ وإنما هي وحي من عند الله سبحانه وتعالى , وكذلك لا يدخل في مجال الفقه الأحكام الإعتقادية كالعلم بالله سبحانه وتعالى وصفاته ونحوِ ذلك من المسائل القطعية , لأن الفقه حسب تعريف المصنف رحمه الله لا يتناول إلا علم المجتهد , لا يتناول إلا الأحكام الإجتهادية .
الفقه في الأصل يطلق على العلم والفهم , قال تعالى : {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} فالفقه في الآية هنا يشمل معرفة الأحكام الشرعية كلها من توحيد وشريعة , لكن الفقه الذي يقصده المصنف رحمه الله هنا : هو معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الإجتهاد , أما الأحكام الشرعية التي لا تعرف عن طريق الإجتهاد فلا تسمى فقها عند المصنف رحمه الله .
إذن نستطيع أن نعرف أصول الفقه : بأنه الأصول التي يُبْنَى عليها معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الإجتهاد , وبهذا لا يدخل في أصول الفقه ، العقائد , ولا يدخل فيها الأحكام الخبرية ؛ فعلم أصول الفقه يبحث في الأصول التي يبنى عليها معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الإجتهاد .
الإجتهاد في اللغة : بذل الجهد في أيّ شيء ، فيقال : اجتهد فلان في السير ، أي : عدا فيه وجد ، ويقال : اجتهد في الأمر . أي : بذل قُصارى جهده فيه , والإجتهاد بالمعنى الإصطلاحي : هو بذل الجهد لإدراك حكم شرعي .

قوله رحمه الله : "مَعرِفةُ الأحْكَامِ الشَّرْعيّةِ"
يقصد هنا بالمعرفة "الظن" وليس اليقين , فالمقصود "بالمعرفة" هنا هو ما يقوم بنفس المجتهد من علم ، وهو مبني على غلبة الظن وهو لقوَّته قريبٌ من العلم , والمراد من قوله "معرفة الإحكام الشرعية" أي التهيؤ لمعرفتها ، وليس معرفتُها كلها , وإطلاق العلم على مثل هذا التهيؤ شائع عرفاً ، يقال مثلاً : فلان يعلم النحو ، فلا يقصد بهذا الكلام والوصف أن جميع مسائله حاضرة عنده على التفصيل ، بل يقصد أنه متهيء لذلك .
المعرفة في اللغة تشمل اليقين والظن :
اليقين : هو ما أدرك على حقيقته , كمعرفة أن الصلوات الخمس فرض ، وأن الزنا محرم , فمعرفة ذلك يقينية .
أما الظن : فهو ما أدرك على وجهٍ راجح , وهذا حال كثير من مسائل الفقه , مثل معرفة أن الوتر سنة ، وهذا على مذهب الجمهور , ومثل معرفة أن الزكاة غير واجبة في الحلي المباح ، على أحد الأقوال , فالمراد بالمعرفة في قول المصنف رحمه الله هي "الظن" وليس اليقين ؛ لأنه رحمه الله قال بعدها : "التي طريقها الإجتهاد" , فوصف المعرفة : أنها التي طريقها الإجتهاد , ومن كان طريقها الإجتهاد فهي ظنية , وبهذا التعريف للمعرفة أخرج المصنف رحمه الله معرفة المقلد منها ، لأن معرفة المقلد لا تكون عن طريق الإجتهاد بل عن طريق التقليد .
والمقصود من قوله رحمه الله "الأحْكَام الشَّرْعيّةِ" :أي الأحكامالمأخوذة من الشرع , كالوجوب والإستحباب والحرمة وغيرها .
فالأحكام لغةً : جمع حُكم ، وهو في اللغة: الإتقان ، فيقال : أحكَم الشيء إحكاماً إذا أتقنه ، ومنه قوله تعالى : {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} ويطلق كذلك على الإمساك ، فيقال : أحكم السفيه ، إذا أمسكه عن سفهه ورده عنه , أما المعنى الإصطلاحي للحكم فهو : إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه .
مثال إثبات الأمر لأمر : قولك : قام زيد ، مات زيد ، هذا واجب ، هذا حرام .
ومثال نفيه عنه : لم يقم زيد ، لم يمت زيد ، ليس هذا بواجب ، ليس هذا بحرام ، فكل ذلك يسمى حكماً .
تقيد المصنف رحمه الأحكام ، بالشرعية ، لإخراج الأحكام العقلية والحسية والعادية من التعريف , الأحكام العقلية مثل : معرفة أن الواحد نصف الإثنين ، ومثال الأحكام الحسية : معرفة أن النار حارة ، ومثال الأحكام العادية : نـزول المطر بعد الرعد والبرق .
أيها الأخوة : التعريف الذي ذكره المصنف رحمه الله للفقه هنا في الورقات تعريف مختصر ، وللأصوليين تعريف مطول وهو أن الفقه : هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية .
أيها الأخوة وخشية الإطالة أكتفي بهذا القَدر في هذا الدرس , وفي ختام هذا الدرس أسأل الله العلي القدير أن يبصرنا بالحق وأن يمن علينا بالإلتزام به ، وبالثبات عليه ، حتى يتوفانا وهو راضٍ عنّا , اللهم آمين , والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

=== الدرس الأول للتحميل ===
يمكنكم استماع وتحميل الدرس الصوتي بالضغط على هذا الرابط :http://www.davetulhaq.com/ar/forum/showthread.php?t=1475
ويمكنكم تحميل الدرس مقروء بصيغة pdf بالضغط على هذا الرابط :http://www.2shared.com/document/8wuqxsQL/1_online.html?

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 03-29-2012, 04:05 PM
زائر2 زائر2 غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Apr 2011
الدولة: بلاد الشام
المشاركات: 184
افتراضي

=== الدرس الثاني للقراءة ===


بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشـهد أن لا إله إلا الله وحـده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
نكمل بعون الله شرح الورقات في أصول الفقه :

قال المصنف رحمه الله : "الأحكَامُ سَبعَةٌ : الوَاجِبُ والـمَندُوبُ وَالـمُبَاحُ والـمَحْظُورُ والـمَكْرُوهُ والصَّحِيحُ وَالبَاطِلُ"
بعد أن بين رحمه الله المعنى الإصطلاحي للفقه ، وهو مَعرِفةُ الأحْكَامِ الشَّرْعيّةِ التي طَرِيقُها الاجْتِـهَادُ , شرع في بيان الأحكام الشرعية التي طريقها الإجتهاد .
الأحكام الشرعية التي طريقها الإجتهاد على مذهب المصنف رحمه الله سبعة : الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه والصحيح والباطل .
هذا التقسيم خاص بالمصنف رحمه الله والعلماء من بعده قسموا الأحكام إلى قسمين : أحكام تكليفية وأحكام وضعية .
* الأحكام التكليفية : هي الأحكام التي قد كُلِّفَ العباد بها ، وهي الخمسة المذكورة هنا : الواجب ، والمندوب ، والمباح ، والمكروه ، والمحظور .
* أما القسم الثاني للأحكام الشرعية فهو : الأحكام الوضعية , وهي : العلامات التي يُستدل بها على أحكام الشرع التكليفية , وهي خمسة : الشرط ، والسبب , والمانع، والصحيح , والباطل , فمثلا : دخول الوقت شرط لفرضية الصلاة , والدليل قوله تعالى : {أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} {دُلُوك الشَّمْسِ} ليس حكماً تكليفياً كلف العباد به ، وإنما هو حكمٌ وضعي جُعل علامة ودلالة يُستدل بها على حكم شرعي ، يعني : زوال الشمس شرط لوجوب إقامة الصلاة , فقوله تعالى : {أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} يعني : الصلاة واجبة عليك إذا زالت الشمس .
المصنف رحمه الله لم يفرق بين الحكمِ التكليفي والوضعي ، ولم يدخل السبب والشرط والمانع في الأحكام الشرعية التي طريقها الإجتهاد , ظاهر كلام المصنف رحمه الله أن الفقه هو العلم بهذه الأحكام السبعة ، وهي : "الوَاجِبُ , والـمَندُوبُ , وَالـمُبَاحُ , والـمَحْظُورُ , والـمَكْرُوهُ , والصَّحِيحُ , وَالبَاطِلُ" ، لأنه رحمه الله ، لما عرف الفقه بأنه معرفة الأحكام الشرعية قال بعدها : والأحكام سبعة , لكن المعلوم أن الفقه ليس معرفة حقيقة وتعريف الواجب , والمندوب , والمباح , والمكروه ، والمحظور , لأن هذا من أصول الفقه ؛ وإنما المقصود أن الفقه هو العلمُ بهذه السبعة ، أي معرفة جزئياتها , مثلاً كالعلم بأن هذا الفعل واجب , وهذا الفعل مندوب , وهذا مباح , وهذا محظور , وهذا مكروه , وهذا صحيح , وهذا باطل ، وليس المرادُ بالفقه العلم بتعريفات هذه الأحكام المذكورة ، فتعريفها يدخل في علم أصول الفقه ولا يدخل في علم الفقه .

المصنف رحمه الله هنا جعل الأحكام الشرعية سبعة والذي عليه الجمهور أن الأحكام الشرعية خمسة لا سبعة : وهي : الواجب , والمندوب , والمباح , والمكروه , والحرام؛ لأن الصحيح إما أن يكون واجب أو غيره ، والباطل داخل في المحظور , وجعل بعضُ العلماء الأحكام الشرعية تسعة ، بأن زاد عليها : الرخصة والعزيمة ، وفي الحقيقة هما راجعان إلى الأحكام الخمسة أيضاً .

بعد أن ذكر المصنف رحمه الله أن الأحكام الشرعية هي سبعة ، وذكرها ، بدأ بتعريف كلَّ حكم على حده فقال رحمه الله : "فالوَاجِبُ مَا يـُثـَاب عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ"
عرف المصنف رحمه الله الواجب بأنه : مَا يـُثـَاب عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ , فكل فعل يثاب فاعله عليه ويعاقب عليه فهو واجب , المراد من قوله رحمه الله "وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ" ، أي يترتُّبُ العقابِ على تركه ، وهذا لا ينافي إمكانية العفو عنه .

* يقسم الواجب باعتبار الفعل إلى قسمين :
القسم الأول : واجب معين : وهو الواجب الذي لا يقوم غيره مقامه كالصلاة والصوم ونحوهما .
القسم الثاني : واجب مبهم في أقسام محصورة يجزي فعل أي واحد منها كالكفارة , يجزئ فيها العتق أو إطعام مساكين أو صوم.
* وكذلك يقسم الواجب باعتبار الوقت إلى قسمين :
القسم الأول : الواجب المضيق , وهو الذي وقته لا يزيد على فعله , كصوم رمضان .
والقسم الثاني : الواجب الموسع , وهو الذي وقته المعين له يزيد على فعله , كالصلاة .
* وكذلك يقسم الواجب باعتبار الفاعل إلى قسمين :
القسم الأول : الواجب العيني : وهو ما يجب على الشخص نفسِه فعله في حال القدرة ، ولا ينوب عنه غيره , كالصلوات الخمس .
القسم الثاني للواجب باعتبار الفاعل : الواجب الكفائي : وهو ما يسقطه فعل البعض الكافي له عن الباقي الآخر ولو كانوا أصحاب قدرة على فعله , كالصلاة على الميت , ودفنه , فالواجب الكفائي يتحتم أداؤه على جماعة المكلفين ، فإذا قام به من يكفي له سقط عن الباقين , أما إذا لم يقم به القدر الكافي له لم يسقط عن الباقين وأثم الباقون كلهم لتركه .

قال رحمه الله : "والمندوب مَا يُثَابُ عَلَى فِعلِهِ وَلا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ"
القسم الثاني من الأحكام الشرعية التي طريقها الإجتهاد هو المندوب .
المندوب في اللغة : مأخوذ من الندب ، وهو الطلب ، وقيده بعضُهم بالدعاء إلى أمر مهم , وعرفه المصنف رحمه الله هنا بأنه "مَا يُثَابُ عَلَى فِعلِهِ وَلا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ" أي هو الفعل الذي يثاب المكلفُ على فعله (وذلك إذا قصد الإمتثال لأمر الله) ولا يعاقب على تركه , فمن تركه لا يعاقب على ذلك , مثاله : النوافل ، السواك ، التطيب يوم الجمعة ، فهذه أفعال يثاب فاعلها (إذا قصد الامتثال لأمر الله) ولا يعاقب تاركها .
أيها الأخوة : المندوب خادم للواجب ، فهو دافع قوي على الإلتزام بالواجبات ، إضافة إلى أنه يُجبر النقص فيها ، كما دلت السنة على ذلك , ويسمى المندوب على رأي الجمهور : سنة ، مستحب ، نفل ، تطوع , أما الأحناف فقد جعلوا المندوب مرادفاً للنفل ، ولا كراهة عندهم في تركه ، وفرقوا بين السنة والنفل ، فجعلوا مرتبة السنة أعلى من مرتبة المندوب أي النفل , فعند الأحناف إن كانت السنة مؤكدة فتركها مكروه تحريماً ، وإن كانت غير مؤكدة فتركها مكروه تنـزيها .

قال رحمه الله : "والمباح : "مَا لا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَلا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ"
القسم الثالث من الأحكام الشرعية التي طريقها الإجتهاد هو المباح .
المباح لغةً هو : المعلن والمأذون فيه , يقال : باح فلانٌ بِسرِّه : أي أظهره ، وأباح الرجل ماله : أي : أذن في الأخذ منه والترك , واستباح الناس العُشب : أي : أقدموا على رعيه , وعرف المصنف رحمه الله المباح بأنه : "مَا لا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَلا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ" أي هو الفعل الذي لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه ؛ لأن الإنسان فيه بالخيار ، إن شاء فعله وإن شاء تركه ، كالإغتسال للتبرد ، والجماع في ليالي الصيام , هذا هو حكم المباح عند جمهور الأصوليين ، لا ثواب في فعله ولا عقاب في تركه ، والمراد بذلك المباح الباقي على وصف الإباحة ، أما المباح الذي يكون وسيلة لمأمور به أو منهي عنه فهذا حكمه حكم ما كان وسيلة إليه .
فإذا كان المباحُ وسيلةً لمأمور به ، ففي هذه الحالة يصبح المباح مأموراً به ، لا لذات المباح ، بل لكونه صار وسيلة للمأمور به , مثاله : الأكل : فهو مباح في الأصل ، لكن لو توقف عليه بقاء الحياة ، صار مأموراً به , وقد يكون المباحُ وسيلةً لمنهي عنه ، وفي هذه الحالة يصبح المباحُ منهياً عنه ، لا لذاته وإنما لكونه صار وسيلةً لمنهي عنه , مثاله : أكل الفاكهة : مباح في الأصل , لكن لو أدى إلى مرض ، صار منهياً عنه , ويطلق على المباح لفظ الحلال والجائز .
أيها الأخوة : المباح إذا فعله الإنسان بقصد استباحة ما أحل الله له ، وأخذِ نعمة الله عليه فإن ذلك فيه ثواب له ، والدليل على ذلك قول النبي r : [وفي بضع أحدكم صدقة] قالوا : يا رسول الله ! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال : [نعم أرأيتم إذا وضعها في حرام أكان عليه وزر ؟! فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر] , طبعاً ، الأمر مرتبط بالنية ، فإذا نوى الإنسان استحلال ما أحِل له ، والإستغناءَ به عن الحرام ، يثاب بهذه النية ، وإذا لم ينوِ ذلك لم يُثب على فعله ولا يعاقب على تركه .

ولقد ثبتت الإباحة بصيغ كثيرة وردت في النصوص الشرعية ، منها :
* نفي الإثم والجناح والحرج :كقوله تعالى : {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} , وقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} , وقوله تعالى : {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} .
* الصيغة الثانية للإباحة : النص على الحل :كقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} .
* الصيغة الثالثة للإباحة : عدم النص على التحريم , فإنتفاء دليل التحريم دليل على عدم التحريم .
* الصيغة الرابعة للإباحة : الإمتنان بما في الأعيان من المنافع وما يتعلق بها من الأفعال :كقوله تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} .
* الصيغة الرابعة للإباحة : القرائن التي تصرف الأمر من الوجوب إلى الإباحة :كقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا}

قال رحمه الله : "والمحظُورُ مَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ وَيـُعَاقَبُ عَلى فِعْلِهِ"
القسم الرابع من الأحكام الشرعية التي طريقها الإجتهاد هو : المحظور .
المحظور : في اللغة : اسم مفعول من الحظْر بمعنى المنع يقال : حظرتَ الشيء إذا حرمتَه ، وهو راجع إلى المنع وهو مشتق من الحظيرة , أي : الذي جعل الشارع عليه حظيرة ، والمقصود به المحرم الذي أحاطت به حدودُ الله ، التي لا يحل تعدِّيها: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا} ، والله تعالى يقول: {وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} محظورا أي : ممنوعاً لا يمكن الوصولَ إليه ، بل هو مبسوط للناس .
عرف المصنف رحمه الله المحظور بأنه "مَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ وَيـُعَاقَبُ عَلى فِعْلِهِ" يعني الفعل المحظور : هو الفعل الذي يثاب تاركه (إمتثالاً لأمر الله)ويعاقب فاعله , كشرب الخمر وعقوق الوالدين والغيبة ونحوِ ذلك من المحرمات ، ومن تركه إمتثالاً لأمر الله ، يثاب على تركه ، فقد يتركه الإنسان من غير نية للإمتثال لأمر الله ، ففي هذه الحالة لا يثاب على تركه ، وقد يفعله مكرهاً أو مضطراً فلا يعاقب على ذلك .

قال رحمه الله: "وَالمكرُوهُ مَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ وَلا يُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ"
القسم الخامس من الأحكام الشرعية التي طريقها الإجتهاد هو : المكروه .
المكروه : لغةً اسم مفعول مشتق من الكراهة وهو البغض ، فالمكروه بمعنى المبغَض , عرف المصنف رحمه الله المكروه هنا : بأنه "مَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ وَلا يُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ" يعني : الفعل المكروه هو الفعل الذي يثاب تاركه على تركه (إذا تركه إمتثالاً لأمر الله) ولا يعاقب فاعله على فعله , إذاً حتى يحصل تارك المكروه على الثواب من الله ، لا بد له من أن يتركه إمتثالاً لأمر الله ، فمجرد الترك لا يثاب عليه , ومن فعله لا يعاقب على فعله ؛ لأن الشارع لم ينه عنه نهياً جازماً .
المكروه في الأصل يطلق على المحرمات ؛ لأن الله تعالى في سورة الإسراء ذكر بعض المحرمات فقال عز من قائل : {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} فالمكروه هنا بمعنى الحرام ، ولكن النبي r فرق بين المحرم والمكروه في بعض الأحاديث كقوله r : [إن ربكم حرم عليكم عقوق الأمهات ، ووأد البنات ، ومنع وهات ، وكره لكم قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال] ، فهذا الحديث يفهم منه التفريق بين التحريم والكراهة .
أيها الأخوة : للمكروه عند العلماء ثلاثة اصطلاحات:
* الإصطلاح الأول : ما نهي عنه نهي تنـزيه ، وهو ما تقدم تعريفه في قول المصنف رحمه الله .
* الإصطلاح الثاني : الحرام , وهو غالب إطلاقات المتقدمين ، كالإمام أحمد والشافعي رحمهما الله ، حيث يعبرون عن الحرام بلفظ الكراهة تورعاً وحذراً من الوقوع في النهي عن القول هذا حلال وهذا حرام ، ومن كلام الإمام أحمد رحمه الله : "أكره المتعة والصلاة في المقابر" ومن المعلوم أن زواج المتعة والصلاة في المقابر محرمان , أما إذا ورد لفظ الكراهة في كلام الإمام أحمد من غير أن يدل دليل من الخارج على إرادة التحريم أو التنـزيه فقيل يحمل على كراهة التحريم , وقيل : على كراهة التنـزيه , وهو قول الطوفي , قال في شرح الكوكب المنير : "واختاره أكثر الأصحاب" , ومن ذلك قول الإمام أحمد رحمه الله : "أكره النفخ في الطعام وإدمان اللحم والخبز" الكراهة هنا كراهة تنزيه وليست تحريم .
* الإصطلاح الثالث للمكروه : ترك الأولى , وهذا أهمله جمهور الأصوليين , وذكره الفقهاء ، وهو واسطة بين الكراهة والإباحة , والفرق بين المكروه وخلافِ الأولى : أن ما ورد فيه نهي مقصود يقال فيه مكروه , وما ليس فيه نهي مقصود يقال فيه : خلاف الأولى ، ولا يقال مكروه ، كتركِ سنةُ الظهر (مثلاً)

قال رحمه الله : "وَالصَّحِيحُ مَا يَتَعلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ وَيُعتَدُّ بِهِ"
القسم السادس من الأحكام الشرعية التي طريقها الإجتهاد هو : الصحيح .
الصحيح والباطل من أقسام الحكم الوضعي ؛ لأنهما حكم من الشارع على العبادات والعقود ، وتبنى عليهما الأحكام الشرعية.
الصحيح لغةً : السليم من المرض , أما المعنى الإصطلاحي للصحيح فهو كما ذكره المصنف رحمه الله وهو : مَا يَتَعلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ وهو البلوغ إلى المقصود وَيُعتَدُّ بِهِ , عبادة كان أم عَقداً .
ومعنى : يُعتَدُّ بِهِ : يعني يعتبر وتترتب عليه آثاره , فالعقود توصف بالنفوذ والإعتداد ، وأما العبادة فتوصف بالإعتداد فقط , ولا يعتد بالعبادة أو العَقد إلا إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع ، فيحكم عندها بالصحة ، فمن صلى صلاة مجتمعة شروطُها وأركانهُا منتفيةً موانعُها فهي صحيحة ، أي معتد بها شرعاً , ومن باع بيعاً مجتمعة شروطُه وأركانُه منتفيةً موانعُه فهو نافذ ومعتد به كذلك .
والنفوذ لغةً : المجاوزة ، وأصله من نفوذ السهم ، وهو بلوغ المقصود من الرمي , أما المعنى الإصطلاحي للنفوذ هو : التصرف الذي لا يقدر متعاطيه على رفعه , مثل : عقد البيع والإجارة والنكاح ونحوها , فإذا وقع العقد على وجهٍ صحيح ، لم يقدر أحدُ المتعاقدين على رفعه .
أيها الأخوة : إن العبادة لها أثر ، وهو براءة ذمة المكلف وسقوطُ الطلب عنه , والعقد له أثر ، وهو الثمرةُ المقصودةُ من العقد , فإذا حُكم بصحة العبادة والعقد ترتب الأثر على الفعل فبرئت الذمة في باب العبادات وترتبت الآثار في باب العقود ، فكل عَقد له ثمرة خاصة ، فالبيع (مثلاً) ثمرته نقل الملكية ، والإجارة ثمرته استيفاء المنفعة لأحد المتعاقدين ، واستحقاق الأجر للآخر .

قال رحمه الله : "وَالبَاطِلُ مَا لا يَتعَلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ وَلا يُعتَدُّ بِهِ"
القسم السابع من الأحكام الشرعية التي طريقها الإجتهاد هو : الباطل .
الباطل لغةً هو : الذاهب ضياعاً وخسراً , أما المعنى الإصطلاحي للباطل فهو : عكس الصحيح وهو كما ذكره المصنف رحمه الله : مَا لا يَتعَلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ وَلا يُعتَدُّ بِهِ ، ويحصل ذلك بأن يختل شرط من الشروط أو يوجد مانع من الموانع , وفي الباطل لا تترتب الآثار على الفعل ، ففي الصلاة لا تبرأ ذمة المكلف ولا يسقط الطلب ، وفي العقد لا تترتب الثمرة المقصودة من العقد على العقد , فإذا صلى بدون طهارة فصلاته باطلة لاختلال شرط الصلاة ، وإذا باع ما لا يملك فالبيع باطل ، لإختلال شرط البيع , وكذلك لو صلى نفلاً مطلقاً في وقت النهي فالصلاة باطلة وذلك لوجود المانع من الصحة .
على قول الجمهور : الباطل والفاسد بمعنى واحد ، إلا في مسائل فرقوا فيها بين الفاسد والباطل , منها : في مسألة النكاح : فالنكاح الفاسد هو النكاح الذي اختلف العلماء في فساده كالنكاح بلا ولي ، والنكاح الباطل هو ما أجمع العلماء على بطلانه ، كنكاح المعتدة أو نكاح الخامسة لمن في ذمته أربعة نساء .

أيها الأخوة وخشية الإطالة أكتفي بهذا القَدر في هذا الدرس , وفي ختام هذا الدرس أسأل الله العلي القدير أن يبصرنا بالحق وأن يمن علينا بالإلتزام به ، وبالثبات عليه ، حتى يتوفانا وهو راضٍ عنّا , اللهم آمين , والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .


=== الدرس الثاني للتحميل ===

لتحميل الدرس بصيغة pdf اضغط على هذا الرابط : http://www.2shared.com/document/xziKZiVm/2_online.html?
لإستماع وتحميل الدرس الصوتي اضغط على هذا الرابط : http://www.davetulhaq.com/ar/forum/showthread.php?t=1475
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 04-01-2012, 03:44 AM
زائر2 زائر2 غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Apr 2011
الدولة: بلاد الشام
المشاركات: 184
افتراضي

=== الدرس الثالث للقراءة ===

بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشـهد أن لا إله إلا الله وحـده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
نكمل بعون الله شرح الورقات في أصول الفقه .
قال المصنف رحمه الله " :والفِقْهُ أَخَصُّ من العِلْمِ ، وَالعِلْمُ مَعرِفَةُ المعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ في الواقع ، وَالجَهْلُ تَصُّورُ الشَّيءِ عَلَى خِلافِ مَا هُوَ بِهِ في الواقع"
بعد أن عرف المصنف رحمه الله الفقه في الاصطلاح أراد أن يعرف بعض المصطلحات الأخرى التي لها أهمية كبيرة في هذا الموضوع فقال رحمه الله : "والفِقْهُ أَخَصُّ من العِلْمِ"أي: إن الفقه في المعنى الشرعي الذي تقدم ذكره أخص من العلم ؛ لأن الفقه كما ذكره المصنف هو معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الإجتهاد ، أخص من العلم ، لأن العلم ، يشمل العلم بالأحكام الشرعية ، ويشمل العلم بالأحكام العادية ، ويشمل العلم بالأحكام العقلية ، ويشمل أيضاً العلم بغير الأحكام أصلاً ، كل ذلك يشمله العلم ولا يشمله الفقه ,فكلُّ فقه علم وليس كلُّ علم فقه .
وكذلك في المعنى اللغوي ، الفقه أخص من العلم ، فالفقه هو الفهم ، والعلم هو المعرفة ، والمعرفة أعم من الفهم , فكل فقيه عالم ، وليس كل عالم فقيها , فالفقيه عالم بالفقه ، لكن العالم قد يكون عالماً بالجيولوجيا أو الفلك (مثلاً) , وليس عالماً بالفقه , إذاً العلم أشمل من الفقهوالفِقْهُ أَخَصُّ من العِلْمِ.

بعد أن بين رحمه الله أن الفقه أخص من العلم قال : "وَالعِلْمُ مَعرِفَةُ المعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ في الواقع" يعني :العلم هو معرفة ما يمكن أن يعلم على ما هو عليه في الواقع , فالعلم غير التخيّل ؛ لأن التخيل ليس هو معرفة الشيء على ما هو به في الواقع ؛ لأن المتخيل قد يتخيل أشياء قد لا تكون موجودة في الواقع ، فليس كل موجودٍ ذهناً موجوداً واقعا , مثلاً : إذا عرفت أن الإنسان عاقل أو أن الحيوانات تلد ، وأن الطيور تبيض ، إذا عرفت هذه المعلومة ، يقال لك علمتها ؛ لأنك علمتها على ما هي عليه في الواقع .
إذاً العلم: هو معرفة المعلوم على حقيقته وصفاته التي هو عليها في الواقع , أما تصور الشيء على وجهٍ يخالف ما هو عليه في الواقع فهذا لا يسمى علماً بل يسمى الجهل المركب .

هناك جهل بسيط وجهل مركب
فالجهل البسيط: هو كون المرء لا يَعرف الشيءَ أصلاً , فإن سألته عن شيء وقال لك : لا أعرف . فهذا هو الجهل البسيط , أما إذا تصوره على خلاف ما هو عليه ، واعتقد أنّه مصيب .فهذا يسمى الجهل المركّب,إذاً معرفة الشيء على حقيقته يسمى علماً به ، أما معرفة الشيء على غير حقيقته فهو الجهل المركب.

قوله رحمه الله : "وَالجَهْلُ تَصُّورُ الشَّيءِ عَلَى خِلافِ مَا هُوَ بِهِ في الواقع"
بعد أن عرف رحمه الله العلم أراد أن يعرف الجهل ؛ لأنه عكس العلم ، والجهل يطلق على خلاف العلم وكذلك يطلق على خلافِ الحِلْم ، فيقال: هذا جاهل بمعنى: غير عالم ، فهنا الجهل خلاف العلم , ويقال: هذا جهول , أي: صاحب خفة وطيش ونقصِ عقل ، فالجهل هنا خلاف الحِلْم .
الجهل في الإصطلاح هو كما عرفه المصنف رحمه الله وهو : "تَصُّورُ الشَّيءِ عَلَى خِلافِ مَا هُوَ بِهِ في الواقع" , طبعاً إذا كان الإنسان يتصوره ، وهذا النوع من الجهل هو الذي يسمى بالجهل المركب ، فالجهل كما قلنا قسمان: الجهل البسيط وهو عدم تصورُ الشيء أصلاً ، أما تصوره على خلاف ما هو عليه ، فهذا هو الجهل المركب وهو الذي قصده المصنف هنا ، فإذا ظن الإنسان أن الفقه هو علم الحساب فهذا جهل مركب ؛ لأنه تصور هذا العلم على خلاف ما هو عليه ، ولكنه إذا كان لا يعرف مدلول الفقه –أصلاً- فهذا هو الجهل البسيط, الجهل البسيط لا يدخل في تعريف المصنف ، فلا يسمى عنده جهلاً , فمثلا : لو سئل إنسان هل يجوز القصر في السفر ؟ , فإذا قال لا أدري ، فهذا جهله جهل بسيط ، وهذا النوع من الجهل لم يدخل في تعريف المصنف رحمه الله , أما إذا قال لا يجوز القصر في السفر واعتقد صحة ذلك ، فهذا جهله جهل مركب ؛ لأنه تصور الشيء على خلاف ما هو عليه ، معتقدا صحة ذلك ، لهذا صار جهله جهلاً مركبا ,وهذا هو الذي قصده المصنف بتعريفه الجهل .
قوله رحمه الله : "تَصُّورُ الشَّيءِ" المراد بالتصور: الإدراك الخالي عن الحكم .
أيها الأخوة : انتبهوا كيف عبر المصنف رحمه الله عن العلم بقوله: "معرفة"وعبر في الجهل بقوله: "تصور" , لماذا ؟ ؛لأن الجهل ليس بمعرفة ، وإنما هو حصول الشيء في الذهن ، لذا فهو تصور ، وليس معرفة , كالعلم .

قال المصنف رحمه الله : "وَالعِلْمُ الضَّرُورِي مَا لمْ يَقَعْ عَنْ نَظَرٍ وَاسْتِدْلالٍ ,كالعِلْمِ الوَاقِعِ بِإحْدَى الحَوَاسِّ الخَمْسِ الّتي هِيَ: السَّمْعُ وَالبَصَرُ وَالشَّمُّ وَاللَّمْسُ وَالذَّوقُ أَوْ التَّوَاتُرِ , وَأمَّا العِلْمُ المُكْتَسَبُ فَهُوَ المَوقُوفُ عَلَى النَّظَرِ والإسْتِدْلالِ , وَالنَّظَرُ هُوَ الفِكْرُ في حَالِ المَنْظُورِ فِيهِ , وَالإسْتِدْلالُ طَلَبُ الدَّلِيلِ , وَالدَّلِيلُ هُوَ المُرْشِدُ إلى المَطْلُوبِ ؛ لأنَّهُ عَلامَةٌ عَلَيْهِ"
لما عرف رحمه الله العلم ذكر أقسامه فقال رحمه الله :"وَالعِلْمُ الضَّرُورِي مَا لمْ يَقَعْ عَنْ نَظَرٍ وَاسْتِدْلالٍ كالعِلْمِ الوَاقِعِ بِإحْدَى الحَوَاسِّ الخَمْسِ الّتي هِيَ: السَّمْعُ وَالبَصَرُ وَالشَّمُّ وَاللَّمْسُ وَالذَّوقُ أَوْ التَّوَاتُرِ"
العلم الضروري: هوالعلم الذي يضطر الإنسان لمعرفته دون بذل جهد ودون تفكر أو تأمل أو استدلال , مثلاً : إن رأيت إنساناً تعلم أنه موجود , إن سمعت صهيل فرس تعلم أنه موجود , فهذا العلم علم ضروري لم يحتج منك بذل جهد ولا تفكير ولا تأمل ولا استدلال .

قوله رحمه الله :" كالعِلْمِ الوَاقِعِ بِإحْدَى الحَوَاسِّ الخَمْسِ الّتي هِيَ: السَّمْعُ وَالبَصَرُ وَالشَّمُّ وَاللَّمْسُ وَالذَّوقُ"
أي : ومن العلم الذي لا يحتاج إلى نظر واستدلال ولا تفكر ولا تأمل :العلم الواقع بإحدى الحواس الخمس الظاهرة وهي :السمع والبصر واللمس والشم والذوق , فإنه يحصل العلم بها بدون نظر ولا استدلال ، فإذا سمعت نباح كلب علمتَ أنه صَوته ، وإذا مسست جسماً علمت أنه ناعم أو خشن , وإذا شممت رائحة علمت أنها طيبة أو كريهة , وإذا ذقت طعاماً علمت أنه حامض أو حلو , وهكذا ...
فالمرئيات والمسموعات والمذوقات والمشمومات والملموسات ، كلها يحصل بها العلم الضروري ، فلا يحتاج الإنسان فيها إلى تأمل وتفكر واستدلال ، فمن سمع كلام إنسان جزم بأنه متكلم ، وبأن هذا الكلام صدر منه ، ومن رآه يفعل فعلاً ، جزم بذلك دون أن يحتاج إلى تأمل أو إقامةِ دليل عليه ، ومن شم رائحة عرف هل هي رائحة مسك أو هي رائحة شيء منتن , ومن تذوق شيئاً عرف هل هو مالح أو حلو , وهكذا ...

قوله رحمه الله : "أو بالتواتر" يعني أن العلم الحاصل بالتواتر من العلم الضروري.
المصنف رحمه الله هنا ذكر نوعًا آخر يفيد العلم الضروري ، ولكنه ليس عن طريق الحواس الخمس وهو: ما يستفاد بالتواتر ، أي بالخبر المتواتر .
التواتر :هو ما نقله عدد من الناس أستحيل تواطؤهم على الكذب , كعلمنا بوجود بلد لم نره ، ووقوع بعض الوقائع في الأزمنة الماضية , ونحو ذلك ... فالتواتر لا يكون إلا في المحسوسات ، فالعقليات لا يُحتاج فيها إلى الراوية بالتواتر ولا بالآحاد ، وإنما التواتر فيما يشاهد بإحدى الحواس الخمس , والعلم الذي يحصل بالتواتر علم قطعي ، كعلم الإنسان الذي لم ير مكة بوجودها أو بوجود البيت الحرام (مثلاً) ، فهذا العلم علم قطعي ضروري لا يحتاج إلى التأمل ؛ لأنه عُلِمَ من عدد يستحيل العادة تواطؤهم على الكذب , ومثال المتواتر : القرآن الكريم ، فقد نقله في كل عصر من عصور هذه الأمة الملايينُ من الناس عمن فوقهم ، إلى أن وصل إلى النبي r فكان متواتراً لا يمكن الشك فيه .
ومن العلوم الضرورية : العلم الحاصل ببديهة العقل ، كالعلم بأن الكلَّ أعظم من الجزء ، وأنَّ النفي والإثبات لا يجتمعان .

قوله رحمه الله : "وَأمَّا العِلْمُ المُكْتَسَبُ فَهُوَ المَوقُوفُ عَلَى النَّظَرِ والاسْتِدْلالِ"
بعد أن ذكر رحمه الله النوع الأول من العلم ، وعرفه ، وهو العلم الضروري ، ذكر هنا النوعَ الثاني من العلم ، وهو العلم المكتسب ، ذكره ثم عرفه بأنه العلمُ الموقوف على النظر والإستدلال : يعني العلم الذي يكتسبه الإنسان بعد تأملٍ وتفكرٍ واستدلال , كمعرفة كثير من أحكام الفقه .

قوله رحمه الله : "وَالنَّظَرُ : هُوَ الْفِكْرُ فِي حَالِ الْمَنْظُورِ فِيهِ"
عندما عرف رحمه الله العلم المكتسب بأنه "العلم المَوقُوفُ عَلَى النَّظَرِ والاسْتِدْلالِ" إحتاج لتعريف النظر وكذلك تعريف الإستدلال ، فقال رحمه الله في تعريف النظر بأنه :" الْفِكْرُ فِي حَالِ الْمَنْظُورِ فِيهِ ,أي: التفكير في الشيء المنظور فيه طلباً لمعرفة حقيقته , وليس المقصود بالنظر ، النظر بالعين ، وإنما المقصود بالنظر معناه الإصطلاحي, فالنظر لغةً: يُطلق على عدة معاني منها: رؤية العين ، ومنها التفكر , ومراد المصنف من النظر هو التفكر , فإذا نظرت في حال المنظور فيه ، بمعنى تفكرت في صفاته وبأحواله وبتقلباته ، أكسبك هذا النظر علماً بالمنظور ، وهذا هو العلم المكتسب عن طريق النظر , يعني عن طريق التفكر بالمنظور .

بعد أن عرف رحمه الله النظر انتقل لتعريف الإستدلال فقال رحمه الله :"وَالاسْتِدْلالُ :طَلَبُ الدَّلِيلِ"
يعني الإستدلال هو : طلب الدليلِ من المنظور فيه , فإذا كان المنظور فيه آية من آيات القرآن الكريم ، صار النظر لطلب الدليل من الآية المتلوة ، استدلال :يعني طلب وجه الدِّلالة من الآية , يعني وجه الإستدلال من هذا النص.

قوله رحمه الله : "وَالدَّلِيلُ هُوَ المُرْشِدُ إلى المَطْلُوبِ ؛ لأنَّهُ عَلامَةٌ عَلَيْهِ"
الدليل في اللغة: هو المرشد إلى المطلوب ، سواء كان حسياً أو معنوياً ، مثال الدليل الحسي علامات الطريق ، الدليل الذي يدل الناس في السفر على الطريق ، مثال الدليل المعنوي ، آية من القرآن حديث من أحاديث الرسول r , فهذه أدلة معنوية يؤخذ منها حكما .
أما المعنى الإصطلاحي للدليل: هو ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوبٍ خبري جزئي , الدليل : اسم لما كان موجباً للعلم ، كالمتواتر والإجماع ، وكذلك ما كان موجباً للظن كالقياس وخبر الواحد ؛ لأن الدليل هو ما أرشدك إلى المطلوب ,فقد يرشدك مرة إلى العلم ومرة إلى الظن ,لهذا استحق اسم الدليل في الحالين ,والعرب لا تفرق بين ما يوجب العلم ،وما يوجب الظن في إطلاق اسم الدليل , وقد تعبدنا الله بكلٍ منهما .

قال المصنف رحمه الله : "والظَّنُّ تَجْويزُ أَمْرَينِ أَحدُهُمَا أَظْهَرُ مِنَ الآخَرِ"
بعد أن عرف رحمه الله العلم انتقل أيضاً إلى تعريف الظن : الظن مرتبة أدنى من مرتبة العلم .

العلم ينقسم إلى أربعة أقسام : اليقين ، الظن ، الشك ، الوهم .
* اليقين: وهو الذي يقتضي حصول تمام العلم ، بحيث لا يبقى الإنسان متردداً في معلومه .
* الظن : وهو حصول أكثر العلم ، بحيث يكون الحصول أرجح لدى الإنسان من خلافه .
* الشك: هو استواء الطرفين ، فيبقى الإنسان متردداً بين الأمرين ، واقفاً بينهما حائراً , لا يستطيع أن يرجح طرفاً على الآخر .
* الوهم: هو مقابل الظن , أي: الإحتمال المرجوح .
فإن كانت الإحتمالات كلها على وجه واحد كان ذلك يقيناً ، وإن كانت أكثر الإحتمالات على وجه ما , كان هذا الوجه ظناً ، والجانب الذي يقابله (وهو الإحتمالات القليلة) يسمى وهماً , وإن كانت الإحتمالات متساوية في الجانبين بحيث يتردد الإنسان فيهما عند الترجيح ، فلا يرجح طرفاً على الآخر ، فهذا هو الشك , فمثلاً : رأيتَ طالباً يدرس بجد ، فإذا أخبرك شخص أنه نجح في الإمتحان فأنت يغلب على ظنك أنه فعلاً نجح ، لكن لا تجزم بنجاحه لأنه ممكن أن يكون الذي أخبرك توهم ، لكن لما كانت عندك قرينة ، وهي أنك رأيته يدرس بجد ، فإنه يغلب على ظنك صدق هذا المُخبر , فإذا رأيت علامته أيقنت أنه نجح في الإمتحان .
قول المصنِّف رحمه الله: إن الظنَّ هو التجويز ، فيه مسامحة ، فإنَّ الظن ليس هو التَّجويز ، وإنما هو الطَّرف الراجح من المجوَّزين ، والطَّرف المرجوحُ المقابل له يقال له وهم .
أيها الأخوة أريد أن أنبه على مسألة وهي أن : للظن حالتان : حالة تعرف وتقوى بوجه من وجوه الأدلة ، ويجوز الحكم بها وهي ما تسمى بغلبة الظن أو الظن ، وأكثر أحكام الشريعة مبنية على غلبة الظن , كالقياس وخبرالواحد .
الحالة الثانية للظن : أن يقع في النفس شيء من غير دِلالة , فلا يكون ذلك أولى من ضده ، فهذا هو الشك ، فلا يجوز الحكم به وهو المنهي عنه في كتاب الله وسنة رسوله r .
عند الفقهاء الظن وغلبة الظن يعمل بكل منهما ويجوز بناء الأحكام الشرعية عليهما إذا فقد اليقين ، الذي قلما يحصل عند الإجتهاد , وأما ما ورد من النهي عن العمل بالظن , فهو الظن المرجوح الذي لا يقوم عليه دليل , بل هو قائم على الهوى والغرض المخالف للشرع ، قال تعالى : {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} هذا هو الظن المذموم وليس هو الظن المقصود من كلام الفقهاء , لهذا يجب أن لا نخلط بينهما .

المصنف رحمه الله لم يعرف "الوهم" هنا: وهو مايقابل الظن , وهو تجويز المرجوح من أمرين أحدهما أظهر من الآخر ، فالمرجوح منهما هو الوهم ، فهو يقابل الظن , ولم يُعرف رحمه الله "اليقين" كذلك ؛ لأن تعريفه هو تعريف العلم الذي مر في كلام المصنف رحمه الله: وهو معرفة الشيء على ما هو به في الواقع .

قوله رحمه الله : "والشَّكُّ تَجويزُ أَمرَينِ لا مَزِيَّةَ لأحَدِهما عَلَى الآخَر"
الشك : هو تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر ، يعني لا يوجد مع أحدهما أي قرينة أو ميزة يمكن أن تجعلك تقدمه على الإحتمال الآخر ، وإنما الإحتمالان متساويان , مثلاً : لو أنك تيقنت أنك توضأت وتيقنت أنك أحدثت والأمران عندك سواء ولا تدري أيهما حصل قبل الآخر فهذا يسمى شكاً ، فإن غلب على ظنك تقدم أحد الأمرين سمي الغالب ظناً والثاني وهما , وإن استوى الطرفان من غير ترجيح سمي شكا .

قال المصنف رحمه الله : "وَعِلْمُ أَصُولِ الفِقْهِ : طُرُقُهُ عَلَى سَبِيلِ الإِجْمَالِ ، وَكَيْفِيَّةُ الإسْتِدْلالِ بِهَا"
بعد أن عرف المصنف رحمه الله أصول الفقه باعتبار مفرديه دخل هنا في تعريف أصول الفقه باعتباره لقباً لهذا العلم , أي ذكر هنا التعريف الاصطلاحي لـــ "أصول الفقه" فقال رحمه الله : "وَعِلْمُ أَصُولِ الفِقْهِ : طُرُقُهُ عَلَى سَبِيلِ الإِجْمَالِ ، وَكَيْفِيَّةُ الإسْتِدْلالِ بِهَا" , يعني : علم أصول الفقه الذي وضعت فيه هذه الورقات هو أدلته على سبيل الإجمال وما يتبعها من قواعد الإستنباط .
قوله : "طُرُقُهُ" أي طرق الفقه , والمراد أدلة الفقه الإجمالية , وهي القواعد العامة التي يحتاج إليها الفقيه مثل الأمر للوجوب ، والنهي للتحريم ، والإجماع حجة ، ونحو ذلك من المسائل الكلية التي تبحث في أصول الفقه , أما الأدلة التفصيلية فلا تذكر في أصول الفقه إلا على سبيل التمثيل والإيضاح , عبر المصنف رحمه الله بلفظ "الطرق" ليشمل : الطريق القطعي كالإستدلال بالكتاب أو بالسنة المتواترة ، والطريق الظني كالإستدلال بالقياس وغيره .
قوله : "عَلَى سَبِيلِ الإِجْمَالِ" أيمجملة ، هنا قيد دلائله بالإجمال ليخرج الفقه ، لأن دلائل الفقه مفصله ، أما دلائل أصول الفقه فهي كما قال المصنف رحمه الله ، مجملة , إذاً فيكون معنى قوله : "طُرُقُهُ عَلَى سَبِيلِ الإِجْمَالِ" أي :علم أصول الفقه هو أدلته على سبيل الإجمال وما يتبعها من قواعد الإستنباط .
الأصولي ينظر لحجية الكتاب وحجية السنة , وينظر لكيفية ترتيب هذه الأدلة حينما يتبين له في ظاهر الأمر أن بينها تعارضاً ، ولكن لا ينظر إلى دلالة الآية أو الحديث ، فهذا عمل الفقيه , وهذا هو المقصود من قوله رحمه الله : "عَلَى سَبِيلِ الإِجْمَالِ" , مثلاً : الفقيه ينظر في الآية هل تدل على الأمر أم لا ؟ , هل تدل على التحريم أو على الإباحة ؟ , هل تدل على الكراهة أو على التحريم ؟ , هل تدل على الوجوب أو على الندب ؟ , فهذا نظر الفقيه ، وأما الأصولي فنظره إلى الأدلة إجمالاً ، مثل الأمر للوجوب ، والنهي للتحريم , فلهذا قال : على سبيل الإجمال .
قوله :"وَكَيْفِيَّةُ الاسْتِدْلالِ بِهَا" أي كيفية الإستدلال بطرق الفقه الإجمالية ، وذلك بمعرفة دلالات الألفاظ ، وشروط الإستدلال , فمن دلالات الألفاظ العموم والخصوص والإطلاق والتقييد ، ومن شروط الإستدلال ، حمل المطلق على المقيد ، وتخصيص العام ، ومعرفة الترجيح عند التعارض ونحو ذلك مما يبحث في أصول الفقه , وكيفية الإستدلال تشمل أيضاً الكلام في المستدل ، أي المجتهد , وإنما تركه المصنف لأن كيفية الإستدلال تجرّ إلى صفات من يستدل بها ، فاكتفى بذكر كيفية الإستدلال عن ذكر صفات من يستدل بها وهو المجتهد , (فطرق الفقه الإجمالية وكيفية الإستدلال بها وصفات من يستدل بها) هي الفنُّ المسمى بهذا اللقب ، أي "أصول الفقه" .
قال المصنف رحمه الله : "وَأَبْوَابُ أُصُولِ الْفِقْهِ : أَقْسَامُ الْكَلامِ ، وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُ ، وَالْعَامُّ وَالْخَاصُّ ، وَالْمُجْمَلُ وَالْمُبَيَّنُ , وَالظَّاهِرُ وَالْمُؤَوَّلُ ، وَالأَفْعَالُ ، وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ ، وَالإِجْمَاعُ وَالأَخْبَارُ ، وَالْقِيَاسُ ، وَالْحَظْرُ وَالإِبَاحَةُ ، وَتَرْتِيبُ الأَدِلَّةِ ، وَصِفَةُ الْمُفْتِى وَالْمُسْتَفْتِى ، وَأَحْكَامُ الْمُجْتَهِدِينَ"
لما فرغ رحمه الله من بيان أصول الفقه وبيان ما يتوصل به إلى معرفة الأصول من علم وظن وشك وغير ذلك ، شرع في عد أبوابه إجمالاً ، حيث سيفصله لاحقاً باباً باباً على ما ستراه إن شاء الله واضحاً وسيأتي الكلام عليها مفصلا إن شاء الله تعالى في الدروس القادمة .
أيها الأخوة :وحتى لا أطيل عليكم أكتفي بهذا القدر في هذا الدرس , وفي الختام أسأل الله العلي القدير أن يبصرنا بالحق وأن يمن علينا بالإلتزام به ، وبالثبات عليه ، حتى يتوفانا وهو راضٍ عنّا , اللهم آمين , والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .


=== الدرس الثالث للتحميل ===

لتحميل الدرس مقروء بصيغة pdf اضغط على هذا الرابط : http://www.2shared.com/document/VzKkSU4Q/3_online.html?
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 04-05-2012, 04:50 PM
زائر2 زائر2 غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Apr 2011
الدولة: بلاد الشام
المشاركات: 184
افتراضي

=== الدرس الرابع للقراءة ===

بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشـهد أن لا إله إلا الله وحـده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
نكمل بعون الله شرح الورقات في أصول الفقه .

قال المصنف رحمه الله : "فَأَمَّا أَقْسَامُ الْكَلامِ : فَأَقَلُّ مَا يَتَرَكَّبُ مِنْهُ الْكَلامُ اسْمَانِ ، أَوْ اسْمٌ وَفِعْلٌ ، أَوْ فِعْلٌ وَحَرْفٌ ، أَوْ اسْمٌ وَحَرْفٌ"
تكلم المصنف رحمه الله عن تعريف الفقه وتعريف أصول الفقه والأحكام التكليفية التي تتناول أفعال المكلف ، وبقي الكلام على مدخل من مداخل اللغة يذكره أهل الأصول عادة ، وهو أقسام الكلام وما يتعلق بها .
مباحث الكلام وأقسامه : مباحث نحوية وبلاغية ، وهي المدخل إلى أصول الفقه ؛ لأن الأصول تعتمد على الكتاب والسنة ، والإستدلال بهما يعتمد على معرفة اللغة العربية ؛ لأنهما بلسان عربي مبين ، ومن لا يعرف اللغة العربية لا يمكنه استنباط الأحكام من الكتاب والسنة استنباطاً صحيحاً .

قوله رحمه الله : "فَأَمَّا أَقْسَامُ الْكَلامِ"
الكلام لغةً : اللفظ الموضوع لمعنى , أما المعنى الإصطلاحي للكلام فهو : اللفظ المفيد مثل : علي مجتهد , والكلام جمع كلمة : وهي اسم أو فعل أو حرف , فالكلمة إما أن تدل على معنى في نفسها أو لا تدل , فإن لم تدل على معنى في نفسها بل دلت على معنى مع غيرها فهي الحرف مثل : في ، على , وإن دلت على معنى في نفسها , وكان هذا المعنى يدل على زمن فهي الفعل مثل : قام ، يقوم ، قام في الزمن الماضي ويقوم في الزمن الحاضر , وإن لم تدل على زمن فهي الاسم مثل : زيد , عمر . فالكلمة إما حرفاً أو فعلاً أو أسماً .

قوله رحمه الله : "فَأَقَلُّ مَا يَتَرَكَّبُ مِنْهُ الْكَلامُ اسْمَانِ ، أَوْ اسْمٌ وَفِعْلٌ ، أَوْ فِعْلٌ وَحَرْفٌ ، أَوْ اسْمٌ وَحَرْفٌ"
لم يعرف المصنف رحمه الله الكلام واكتفى ببيان أقلَ ما يتركب منه . فقال رحمه الله : "فَأَقَلُّ مَا يَتَرَكَّبُ مِنْهُ الْكَلامُ اسْمَانِ ، أَوْ اسْمٌ وَفِعْلٌ ، أَوْ فِعْلٌ وَحَرْفٌ ، أَوْ اسْمٌ وَحَرْفٌ"
فأقل ما يترك منه الكلام حسب قول المصنف رحمه الله : أسمان . مثل : علي معلم . يعني مبتدأ وخبر .
"أَوْ اسْمٌ وَفِعْلٌ" مثل : جاء التلميذ . يعني : فعل وفاعل .
"أَوْ فِعْلٌ وَحَرْفٌ" مثل : ما جلس .
"أَوْ اسْمٌ وَحَرْفٌ" وهذا في النداء مثل : يا الله .
أيها الأخوة : أقل ما يتكون منه الكلام عند النحويين وعند البلاغيين إسمان أو اسم وفعل , لهذا قول المصنف رحمه في أقل ما يتكون من الكلام "أَوْ فِعْلٌ وَحَرْفٌ ، أَوْ اسْمٌ وَحَرْفٌ" زيادة في التقسيم وليس من المقرَّر في علوم اللغة .

قال المصنف رحمه الله : "وَالْكَلامُ يَنْقَسِمُ إِلَى أَمْرٍ وَنَهْيٍ ، وَخَبَرٍ وَاسْتِخْبَارٍ"
لما فرغ المصنف رحمه الله من ذكر أقسام الكلام باعتبار ما يتركب منه ، شرع في ذكر أقسامه باعتبار مدلوله , فقال رحمه الله : " وَالْكَلامُ يَنْقَسِمُ إِلَى أَمْرٍ وَنَهْيٍ ، وَخَبَرٍ وَاسْتِخْبَارٍ" .
* الكلام ينقسم باعتبار مدلوله إلى أمر ونهي :
الأمر : هو ما يدلُّ على طلب الفعل ، ومثاله : أطع والديك .
الَنَهْي : هو ما يدلُّ على طلب الترك , ومثاله : لا تسرق .
* وكذلك ينقسم الكلام باعتبار مدلوله إلى : خبر واستخبار :
الخبر : هو ما يحتمل الصدق والكذب ، مثاله : جاء زيد ، ما جاء زيد . هذا خبر ، تخبر بمجيء زيد أو تخبر بعدم مجيئه .
الإسْتِخْبَار : فهو الإستفهام ، وهو طلب العلم بشيء لم يكن معلوماً لك من قبل , مثاله : هل فهمت المسألة ؟ , هل قام زيد ؟ . فيجاب على هذا الإستفهام : بنعم أو لا .

قال المصنف رحمه الله : "وَيِنْقَسِمُ أَيْضَا إِلَى تمَنٍ وَعَرْضٍ وَقَسَمٍ"
أي وكذلك ينقسم الكلام إِلَى تمَنٍ وَعَرْضٍ وَقَسَم .
التمن : هو طلب الشيء المحبوب الذي لا يرجى حصوله ، إما لكونه مستحيلاً أو لكونه بعيد المنال .
مثال الأول : ليت الشباب يعود يوماً . ومثال الثاني : ليتَ لي مالاً فأتصدق به .
أما العرْض : فهو الطلبُ برفق , مثاله : ألا تذهب معي ، ألا تزورني في البيت .
وأما القَسَم : فهو الحَلف ، مثاله : والله لأفعلنّ كذا .

قال المصنف رحمه الله : "وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ يَنْقَسِمُ إِلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ"
أي وينقسم الكلام باعتبار استعمال اللفظ إلى قسمين : حقيقة ومجاز .
ثم بعد ذلك عرف المصنف ما هي الحقيقة وما هو المجاز فقال رحمه الله : "فَالْحَقِيقَةُ : مَا بَقِيَ فِي الإسْتِعْمَالِ عَلَى مَوضُوعِهِ ، وَقِيلَ : مَا اسْتُعْمِلَ فِيمَا اصْطُلِحَ عَلَيْهِ مِنَ الْمُخَاطِبَةِ"
الحَقِيقَةُ في اللغة : ما يجب حفظه وحمايته , وعرفها المصنف رحمه الله هنا بأنها : "مَا بَقِيَ فِي الإسْتِعْمَالِ عَلَى مَوضُوعِهِ" أي ما بقي على معناه الذي وضع له في اللغة , مثاله : كلمة أسد , وضعت في اللغة للحيوان المفترس , فإذا قلت : رأيت أسداً . فلفظ أسد حقيقة ، لأنك رأيت أسداً , فلفظ أسد هنا بقي في الإستعمال على ما وضع له ، وهو الحيوان .
ثم ذكر المصنف رحمه الله تعريفاً آخر للحقيقة وهو: "مَا اسْتُعْمِلَ فِيمَا اصْطُلِحَ عَلَيْهِ مِنَ الْمُخَاطِبَةِ" أي أصطلح من الجماعة المخاطِبة لغيرها على أن هذا المعنى لذلك اللفظ . أي خاطبت غيرها بذلك اللفظ وعينته للدلالة على ذلك المعنى بنفسه ، سواء بقي اللفظ على موضوعه اللغوي أو لم يبق على موضوعه اللغوي ، وذلك بأن بقي على موضوعه الشرعي أو العرفي , مثاله : إتفق أهل الشرع على استعمال لفظ الصلاة على العبادة التي تؤدى لله بأفعال وأقوال خاصة أولها التكبير وآخرها التسليم , فلفظ الصلاة لم يبقَ على موضوعه اللُّغوي وهو الدعاء بالخير , وكذلك لفظ الدابة عند أهل العرف ، فهو يطلق على ذوات الأربع فقط كالفرس والحمار , فلم يبق على موضوعه اللغوي ، وهو كل ما يدب على الأرض .

قال المصنف رحمه الله : "وَالْمَجَازُ : مَا تُجُوِّزَ عَنْ مَوْضُوعهِ"
بعد أن عرف رحمه الله الحقيقة عرف هنا المجاز فقال رحمه الله : "وَالْمَجَازُ : مَا تُجُوِّزَ عَنْ مَوْضُوعِهِ" .
"المجَازُ" في اللغة من الإجتياز ، أنت حينما تقطع النهر مثلاً تقول : اجتزت من هذه الضفة إلى الضفة الأخرى , فالمجاز مأخوذ من التجوز , أما المعنى الإصطلاحي للمجاز فهو كما عرفه المصنف رحمه الله : "مَا تُجُوِّزَ عَنْ مَوْضُوعِهِ" .
"مَا تُجُوِّزَ" يعني تُعُدِّيَ بِهِ عَنْ مَوْضُوعِهِ ، يعني نُقل في الإستعمال عن معناه الأصلي إلى معناه المجازي , مثاله : رأيت أسداً يرمي ، كلمة أسد تُعدي بها عن موضوعها الأول وهو الحيوان المفترس ، ونقلت إلى الرجل الشجاع , فكلمة أسد في هذه الجملة مجاز ؛ لأن الأسد لا يرمي , فتعبيرك هذا تعبير مجازي , فكلمة "أسد" هنا استخدمت في معناها المجازي ولم تستخدم في موضوعها اللغوي الذي وضعت له أصلا .
أيها الأخوة : هذا التعريف للمجاز الذي ذكره المصنف رحمه الله مبني على التعريف الأول للحقيقة وهو "ما بقي في الإستعمال على موضوعه" وأما على التعريف الثاني للحقيقة فيكون معنى المجاز : "ما استعمل في غير ما اصطلح عليه من المخاطبة" فكلمة الأسد اصطلح عليها في المخاطبة بأنها اسم للحيوان المفترس المعروف بإسم الأسد , ولكنها في هذه الجملة استعملت في غير ما اصطلح عليها من المخاطبة , استعملت بمعنى الرجل الشجاع , فهذا مجاز .

قال المصنف رحمه الله : "وَالْحَقِيقَةُ : إِمَّا لُغَوِيَّةٌ ، وَإِمَّا شَرْعِيَّةٌ ، وَإِمَّا عُرْفِيَّةٌ"
بعد أن عرف المصنف الحقيقة بالمعنى الإصطلاحي بين أنها ثلاثة أنواع :
النوع الأول : حقيقة لغوية : وهي اللفظ المستعمل فيما وضع له في اللغة , مثاله : الصيام , فهو في اللغة الإمساك .
النوع الثاني للحقيقة : الحقيقة الشرعية : وهي التي وضعها الشارع , كلفظ الصلاة وضعت في الشرع للعبادة المخصوصة المعروفة .
النوع الثالث للحقيقة : الحقيقة العرفية : وهي اللفظ المستعمل فيما وضع له في العرف . وهي نوعان :
* العرفية عامة : وهي ما تعارف عليه عامة أهل العرف ، مثل لفظ الدابة ، فهي في اللغة اسم لكل ما يدب على الأرض ، ولكن العرف خصص هذا اللفظ بذوات الأربع , فعندما يقال : دابة , يتطرق للذهن ذوات الأربع ، وليس كل ما دب على الأرض , فكلمة الدابة هنا أصبحت حقيقة عرفية عامة .
* العرفية الخاصة : وهي ما تعارف عليه بعض الطوائف من الألفاظ ، التي وضعوها لمعنى عندهم . مثالها : الجزم , فهو في اللغة القطع كما في القاموس , ولكنه عند النحويين نوع من الإعراب .
أيها الأخوة : جعل المصنف رحمه الله الحقيقة والمجاز من أقسام الكلام مع أنهما من أقسام المفردات ، وهذا إشارةٌ إلى أن المفرد لا يظهر اتصافه بالحقيقة والمجاز إلا بعد الاستعمال ، وليس قبله.

قال المصنف رحمه الله : "وَالْمَجَازُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِزِيَادَةٍ ، أَوْ نُقْصَانٍ ، أَوْ نَقْلٍ ، أَوْ اسْتِعَارَةٍ"
لما ذكر المصنف رحمه الله أنواع الحقيقة بعد تعريفها ذكر هنا أنواع المجاز بعد تعريفه .
المجاز بالكلمة أربعة أنواع :
النوع الأول : مجاز بالزيادة , مثاله قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فالكاف هنا زائدة لتوكيد نفي المثل ولئلا يلزم إثباتُ مثلٍ له سبحانه ؛ لأنها إن لم تكن زائدة فهي بمعنى "مثل" , وهذا باطل لما يلزم منه إثبات المثل لله تعالى , إذ يصير المعنى : "ليس مثلُ مثله شيء" فالمنفي هنا هو مثل المثل ، فيكون المثل ثابتاً ، وهذا باطل ؛ لأن المقصود من الآية نفي المثل .
ومن قال بعدم وجود المجاز في القرآن قال : لا مجاز في الآية ، لأن العرب تقيم المثل مقام النفس ، فيطلقون المثل ويريدون به الذات , فأنت تقول : مثلي لا يفعل كذا . أي : أنا لا أفعل كذلك . قال تعالى : {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} أي على أن القرآن من عند الله ، فيكون معنى الآية على حسب هذا الرأي (ليس مثل ذات الله شيء) وإذا انتفت المماثلة في الذات انتفت المماثلة في الصفات ؛ لأن القول في الصفات كالقول في الذات .

النوع الثاني : مجاز بالنقصان (أي بالحذف) , ومثاله قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} أي أهل القرية , ففيه حذف ؛ لأن المقصود سؤال أهل القرية لا سؤال القرية ؛ لأن القرية عبارةٌ عن الأبنية المجتمعة ، وسؤالها وإجابتها من المحال , ويسمى هذا النوع مجازَ الإضمار ، وشرطُه أن يكون في المُظهَر دليلٌ على المحذوف ، كالقرينة العقلية هنا ، الدالة على أن الأبنية لا تُسأل ، لكونها جماداً .
ومن قال بعدم وجود المجاز في القرآن قال : المراد بالقرية في الآية هو مجتمع الناس , أو أن المضاف في الآية كأنه مذكور ، لأنه مدلول عليه بالإقتضاء ، وما دُلّ عليه بطريق الإقتضاء فهو على الحقيقة , أو أن لفظ القرية يدخل في مسماه الحالُّ في القرية والمحل , فمثال الأول قوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ} المقصود هنا من القرية هو الحالُّ في القرية , ومثال الثاني: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} المقصود هنا من القرية المحل .

النوع الثالث : مجاز بالنقل , أي : بنقل اللفظ عن معناه إلى معنى آخر ، لمناسبةٍ بين معنى المنقولِ عنه والمنقولِ إليه , مثاله كلمة الْغَائِطِ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْ الإِنْسَانِ , فكلمة "الغائط" في أصل الوضع اسم للمكان المطمئنِ من الأرض ، تقضى فيه الحاجة طلباً للستر , ثم نُقل هذا اللفظ وصار يطلق على الفضلة الخارجة من الإنسان .
ومن قال بعدم وجود المجاز في القرآن قال : ليس في الآية مجاز ، لأن إطلاق "الغائط" على البراز أو الحدث ، حقيقة عرفية ؛ لأن الإنسان في العادة إنما يجيء من الغائط إذا قضى حاجته ، فصار اللفظ حقيقةً عرفية يفهم منها التغوط .

النوع الرابع : مجاز بالإستعارة , ومثاله قوله تعالى: {جِداَراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ}أي يسقط ، فشبه ميله إلى السقوط ، بإرادة السقوط ، التي هي من صفة الحي وليست من صفة الجماد ، فالإرادةُ من الجماد ممتنعة , والمجاز المبني على التشبيه يسمى استعارة .
أيها الأخوة : ظاهر عبارة المصنف رحمه الله في قوله "أو نقل" توهم أن النقل قسم من المجاز ، ولكن عند التدقيق فإنه ليس كذلك ؛ لأن النقل يعمُّ جميع أقسام المجاز ؛ لأنَّ معنى النقل : تحويل اللفظ عن معناه الموضوعِ له إلى معنى آخر , فقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} منقول من الدلالة على نفي مثل المثل إلى نفي المثل , وقوله : {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} منقول من الدلالة على سؤال القرية إلى سؤال أهل القرية , ولفظ الغائط منقول من الدلالة على المكان المطمئن المعيّن إلى فضلة الإنسان , وكذلك قوله: {جِداَراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ}منقول من الدلالة على الإرادة الحقيقية التي هي إرادة الحي إلى صورة تشبه صورة الإرادة الحقيقية .
فالمجازُ إذاً كلُّه نقلُ اللفظ من موضعه الأول إلى معنى آخر .

أيها الأخوة : محل الحقيقة والمجاز كتب البلاغة (علم البيان) , ولكن علماء الأصول يذكرون ذلك في كتب الأصول لأن البحث في دلالات الألفاظ من أهم موضوعات علم الأصول ، ودلالة اللفظ على المعنى قد تكون حقيقة وقد تكون مجازاً .
أيها الأخوة : تقسيم الكلام في القرآن وغيره إلى حقيقة ومجاز هو المشهور عند المتأخرين ، ومنهم من قال لا مجاز في القرآن ، وهو قول ابن خويز منداد من المالكية ، وقول الظاهرية وابن القاص من الشافعية ، ومن العلماء من قال لا مجاز في القرآن ولا في غيره ، وبه قال أبو إسحاق الأسفراييني وأبو علي الفارسي من المتقدمين ، كما عزاه لهما ابن السبكي في جمع الجوامع ، وأيد هذا الكلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله ، وبين ابن تيمية رحمه الله أن هذا التقسيم اصطلاح حادث بعد القرون المفضلة لم يتكلم به أحد من الصحابة والتابعين ولا أحد من الأئمة ولا علماءِ اللغة , وكل ما يسميه القائلون بالمجاز مجازاً ، فهو عند من يقول بنفي المجاز أسلوب من أساليب اللغة العربية المتنوعة ، بعضه يتضح المرادُ منه بلا قيد ، وبعضه يحتاج إلى قيد ، ولكن كل منهما حقيقة في محله .
أيها الأخوة : وحتى لا أطيلَ عليكم أكتفي بهذا القدر في هذا الدرس , وفي الختام أسأل الله العلي القدير أن يبصرنا بالحق وأن يمن علينا بالإلتزام به ، وبالثبات عليه ، حتى يتوفانا وهو راضٍ عنّا .
اللهم آمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .


=== الدرس الرابع للتحميل ===

لتحميل الدرس مقروء بصيغة pdf اضغط على هذا الرابط : http://www.2shared.com/document/xeobjkgI/4_online.html?

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 04-14-2012, 04:18 PM
زائر2 زائر2 غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Apr 2011
الدولة: بلاد الشام
المشاركات: 184
افتراضي

=== الدرس الخامس للقراءة ===

بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشـهد أن لا إله إلا الله وحـده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
نكمل بعون الله شرح الورقات في أصول الفقه :

قال المصنف رحمه الله : "وَالأَمْرُ : اسْتِدْعَاءُ الْفِعْلِ بِالْقَوْلِ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ عَلَى سَبِيلِ الوُجُوبِ , وَصِيغَتُهُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ (افْعَلْ) , وَهِيَ عِنْدَ الإِطْلاقِ وَالتَّجَرّدِ عَنْ القَرِينَةِ , تُحْمَلُ عَلَيْهِ إِلاَّ مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ النَّدْبُ أَوْ الإِبَاحَةُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ , وَلا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ عَلَى الصَّحِيحِ إلا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى قَصْدِ التَّكْرَارِ , وَلا تَقْتَضِي الْفَوْرَ , وَالأَمْرُ بِإِيجَادِ الْفِعْلِ أَمْرٌ بِهِ ، وَبِمَا لا يَتِمُّ الْفِعْلُ إِلاَّ بِهِ ، كَالأَمْرِ بِالصَّلاةِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ بِالطَّهَارَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَيْهَا ، وَإِذَا فُعِلَ خَرَجَ عَنِ الْعُهْدَةِ .
يَدْخُلُ فِي خِطَابِ اللهِ تَعَالَى الْمُؤْمُنِونَ ، وَالسَّاهِي وَالصَّبِيُ وَالْمَجْنُونُ غَيْرُ دَاخِلِينَ فِي الْخِطَابِ , وَالْكُفَّارُ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ ، وَبِمَا لا تَصِحُّ إِلاَّ بِهِ وَهُوَ الإِسْلامُ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى :﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ﴾ , وَالأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ ، وَالنَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ"

بدأ المصنف رحمه الله في مبحث الأمر , وعلماء الأصول في مبحث الدلالات اللفظية يبدؤون بمبحث الأمر والنهي ثم العام والخاص والمطلق والمقيد , وهذا ترتيب معروف عندهم .
باب الأمر والنهي من الأبواب المهمة في أصول الفقه ؛ لأن بمعرفة الأمر والنهي ودلالاتهما يتم معرفة الأحكام ، ويتميز الحلال من الحرام .

قوله رحمه الله : "وَالأَمْرُ : اسْتِدْعَاءُ الْفِعْلِ بِالْقَوْلِ عَلَى سَبِيلِ الوُجُوبِ"
أي : الأمر هو : طلب فعل الفعل مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ بالقول فقط على سبيل إيجاب الفعل وليس على سبيل الندب أو الإباحة وغيرهما .
"اسْتِدْعَاءُ الْفِعْلِ" : يعني طلب فعله .
"بِالْقَوْلِ" : يعني بالقول فقط , هنا المصنف رحمه الله حصر الأمر ، بطلب الفعل بالقول فقط ، وبهذا القيد أخرج من الأمر ، الطلبَ بالإشارة والكتابة والقرائن المفهمة , فالطلب بالإشارة والكتابة والقرائن المفهمة ، غير داخل في الأمر عند المصنف رحمه الله , فالفعل عنده ليس أمرًا ، والإشارة عنده ليست أمراً , ولقد خالفه في هذا بعض العلماء فقالوا : استدعاء الفعل سواء كان بقول أو بفعل أو بإشارة فإنه يدخل في مسمى الأمر , لهذا عدَّوا أفعال الرسول r كالأوامر ، وعدوا الإشارة من الرسول rكالأمر ، فأدخلوا في مسمى الأمر الإشارةَ وما يتبعها .
قوله: "مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ" يدل هذا الكلام على أن الطلب من المساوي والأعلى لا يسمى أمراً عند المصنف رحمه الله ، فالطلب من المساوي يسمى التماساً ، والطلب من الأعلى يسمى سؤالاً , ولكن هناك من الأصوليين من خالفه فقال : لا يشترط في الأمر أن يكون من الأعلى إلى الأدنى ، وإنما يشترط أن يكون الأمر فيه شيء من العلو ، يعني إلقاء الأمر في نبرة فيها استعلاء . وليس شرطا أن تكون من الأعلى إلى الأدنى , ولكن رأي المصنف رحمه الله هو الرأي الأقوى في تعريف الأمر .
قوله : "عَلَى سَبِيلِ الوُجُوبِ" أي على سبيل إيجاب الفعل , وبهذا القيد أخرج رحمه الله ، الأمر على سبيل الندب والإباحة وغيرهما .
يدل هذا الكلام أن صيغة الأمر تقتضي الوجوب ، وهذا عند الإطلاق ، أي التجرد من القرائن الصارفة للأمر عن الوجوب إلى غيره , فصيغة الأمر إن كانت مطلقة ومجردة من القرائن الصارفة للأمر عن الوجوب إلى غيره , فإنها تقتضي الوجوب , كقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}فهنا الأمر يفيد الوجوب لعدم وجود قرينة تصرفه عنه .
ظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه يرى أن المندوب ليس مأموراً به ، وذلك لعدم وجوبه وتحتمه , ولكن عند المحققين ، المندوب مأمور به ؛ لأنه طاعةٌ إجماعاً ، والطاعة هي : فعل مأمور به , والأمر قد يكون أمرَ إيجاب وقد يكون أمرَ استحباب .
قوله رحمه الله : "وَصِيغَتُهُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ (افْعَلْ)" أي صيغة الأمر الدالة عليه هي (افعل) , وليس المقصود هنا وزن (افعل) بخصوصه ، بل كون اللفظ دالاً على الأمر بهيئته ، مثل : اضرب ، أكرم ، استخرج ، صه .

قوله رحمه الله : "وَهِي عِنْدَ الإِطْلاقِ وَالتَّجَرّدِ عَنْ القَرِينَةِ , تُحْمَلُ عَلَيْهِ إِلاَّ مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ النَّدْبُ أَوْ الإِبَاحَةُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ"
"وهي" أي صيغة الأمر "عِنْدَ الإِطْلاقِ وَالتَّجَرّدِ عَنْ القَرِينَةِ" الصارفة عن الوجوب "تُحْمَلُ عَلَيْهِ" أي على الوجوب , مثل : {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} , فصيغة الأمر إن كانت مطلقة ومجردة من القرائن الصارفة للأمر عن الوجوب إلى غيره فإنها تقتضي الوجوب .

قوله : "إِلاَّ مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ النَّدْبُ أَوْ الإِبَاحَةُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ"
أي إذا كان الدليل على أن المراد من الأمر الندب أو الإباحة فيحمل حينئذ على الندب أو الإباحة حسب الدليل , مثال الندب : قوله تعالى : {وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ}الأمر هنا للندب ؛ لأن المقام يقتضى عدم الوجوب , ومثال الإباحة : قوله تعالى : {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} الأمر هنا للإباحة ؛ لأنه جاء بعد التحريم , أي إذا خرجتم من الإحرام فلكم أن تصطادوا .

قوله رحمه الله : "وَلا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ عَلَى الصَّحِيحِ ، إلا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى قَصْدِ التَّكْرَارِ"
أي والقول الراجح والصحيح عند المصنف رحمه الله أن صيغة الأمر لا تقتضي التكرار ، إذا كانت عاريةً عمَّا يدلُّ على التكرار ، إلا إذا دلّ الدليل على قصد التكرار ؛ لأن ما طُلب يتحقق أداؤه بفعله مرة واحدة وتبرأ الذمة بفعله مرة واحدة ، إلا إذا دلّ الدليل على قصد التكرار , ففي هذه الحالة يكرر كما دل الدليل عليه , كالأمر بالصلوات الخمس ، والأمر بصوم رمضان.

قوله رحمه الله : "وَلا تَقْتَضِي الْفَوْرَ"
أي : صيغة الأمر عند الإطلاق لا تقتضي الفور ولا التراخي ، إلا بدليل آخر ؛ لأنَّ الأمر المطلق ، الغرض منه إيجادُ الفعل بغض النظر عن زمنه ، ما لم يدل دليل على ذلك , ومعنى الفور : المبادرة بالفعل عَقِب الأمر ، في أول وقت الإمكان , ومعنى التراخي : تأخير الفعل عن أول وقت الإمكان , عند بعض العلماء ومنهم الإمام مالك رحمه الله ، صيغة الأمر تقتضي الفور ، وعند بعض العلماء ومنهم الشافعية يجوز فيه التراخي .
المصنف رحمه الله هنا يريد أن يقرر أن المقصود من الأمر هو إيجاد الشيء المأمور به ، أما كونه على الفور ، أو كونه على التكرار ، هذا أمر آخر لا يفهم من مطلق الأمر ، فلا بد له من دليل آخر .

قوله رحمه الله : "وَالأَمْرُ بِإِيجَادِ الْفِعْلِ أَمْرٌ بِهِ ، وَبِمَا لا يَتِمُّ الْفِعْلُ إِلاَّ بِهِ ، كَالأَمْرِ بِالصَّلاةِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ بِالطَّهَارَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَيْهَا"
يعني : إذا جاء الأمر للفعل ، فهذا يعني أن الفعل نفسه مأمور به وكذلك ما لا يتم الفعل إلا به فهو أيضاً مأمور به , فمثلاً : الأمر بالصلاة يعني الأمر بأداء الصلاة نفسِها وكذلك الأمر بالطهارة الواجبة للصلاة ؛ لأن الصلاة لا تصح بدون الطهارة المشروطة لها .

قوله رحمه الله : "وَإِذَا فُعِلَ خَرَجَ عَنِ الْعُهْدَةِ"
يعني : إذا أتى المكلف بما أُمر به خرج عن العُهدة ، يعني : سقط عنه الفعل وبرأت ذمته منه , أما الإثابة على الفعل فليست من لوازم الإمتثال ، فقد يحصل الإجزاء وبراءة الذمة ولا يحصل الثواب ، وقد يكون مثاباً ولا تبرأ ذمته في ذلك .
وهناك خلاف في هذه المسألة بين الأصوليين وبين الفقهاء , فذهب الأصوليون إلى أن غاية العبادة امتثال الأمر , وقال الفقهاء غايتها سقوطها , فمثلا : من ظن أنه على طهارة فصلى ثم ظهر بعد ذلك أنه ليس على طهارة ، صحت صلاته عند الأصوليين لإمتثاله للأمر ، ولكن عند الفقهاء لا تسقط عنه الصلاة ؛ لأن غايتها سقوطُها ، ولم تسقط عنه لأنه صلاها بدون طهارة .

قوله رحمه الله : "يَدْخُلُ فِي خِطَابِ اللهِ تَعَالَى الْمُؤْمُنِونَ"
أي : يدخل في خطاب الله تعالى المؤمنون المكلفون ، وهم العاقلون البالغون غير الساهين , ويدخل أيضاً الإناثُ في خطاب الذكور ؛ وذلك بحكم التبع , والمراد "بخطاب الله" : الخطاب التكليفي المتضمن لطلب الفعل أو الترك , مثال طلب الفعل قوله تعالى : {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} , ومثال طلب الترك قوله تعالى : {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} فخطاب الله : هو الخطاب التكليفي المتضمن لطلب الفعل أو الترك (أفعل ، لا تفعل) .

قوله : "وَالسَّاهِي وَالصَّبِيُ وَالْمَجْنُونُ غَيْرُ دَاخِلِينَ فِي الْخِطَابِ"
أي : وَالسَّاهِي وَالصَّبِيُ وَالْمَجْنُونُ غَيْرُ دَاخِلِينَ فِي الْخِطَابِ التكليفي للشارع , فلما بين رحمه الله أن الذي يدخل في خطاب الشارع هم المكلفون العاقلون البالغون ، بين هنا من هم غير المخاطبين بخطاب التكليف , فذكر أن الساهي والصبي والمجنون خارجين من الخطاب التكليفي ؛ لأن شرط الخطاب الفهم , وهو مفقود فيهم , والنائم والساهي والصبي والمجنون فقد رفع عنهم القلم بدليل قول رسول الله r : [رفع القلم عن ثلاثة] وعد النائم والصبي والمجنون .

قوله : " وَالْكُفَّارُ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ ، وَبِمَا لا تَصِحُّ إِلاَّ بِهِ وَهُوَ الإِسْلامُ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى :{مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ}"
أي : والكفار في حال كفرهم مخاطبون بفروع الشريعة مثل الصلاة والزكاة والصيام واجتناب الزنا والسرقة والقتل وشرب الخمر ، وكذلك مخاطبون بما لا تصح هذه الفروع من دونه وهو الإسلام .
كون الكفار مخاطبون بدخول الإسلام أمر متفق عليه ، ولكن مسألة خطاب الكفار بفروع الشريعة في حال كفرهم وقبل إيمانهم اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال :
القول الأول : الكفار في حال كفرهم غير مطالبين بفروع الشريعة , وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله .
القول الثاني : الكفار في حال كفرهم مطالبين بالنواهي دون الأوامر ؛ لأن الكافر يتصور منه الإنتهاءَ عن المنهيات في حالة الكفر ، بخلاف العبادات .
القول الثالث : الكفار في حال كفرهم مطالبين بالأوامر والنواهي , وهو مذهب الجمهور ومذهب المصنف رحمه الله , واحتجوا بأن خطاب الشارع متعلق بكل بالغ عاقل ، وهما موجودان في الكافر ، لهذا فهو مخاطب به ، لكن لا يصح إلا بالإسلام , والدليل على أن الكفار في حال كفرهم مخاطبون بفروع الشريعة بالأوامر والنواهي قوله تعالى : {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ} فهذا النص يدل على أن الكافر إذا ترك المأمورات كالصلاة والزكاة وفعل المنهيات كالخوض مع الخائضين سيتضاعف عذابه يوم القيامة , وهذا يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة , ولو لم يكونوا مخاطبين بفروع الشريعة لما عذبوا عليها .
أيها الأخوة : هل الخلاف بين العلماء في أن الكفار في حال كفرهم مخاطبون أو غير مخاطبين في فروع الشريعة له ثمرة عملية ؟ , من العلماء من قال : لا يترتب عليه أثر في الدنيا ، وإنما أثره في الآخرة ، فمن قال بأنهم مخاطبون بفروع الشريعة قال : إنهم في الآخرة يعاقبون على ترك المأمورات وفعل المنهيات عقاباً زائداً على الكفر ، ومن قال بأنهم غير مخاطبين بفروع الشريعة يقول : إنه لا فرق بين من فعل ولم يفعل ، فكلهم عذابهم واحد , ومن العلماء من قال لهذه القاعدة فوائد في الدنيا ، وذكروا من أمثلتها ، أن المسلم مثلاً لو تزوج نصرانية أو كتابية ، فهل له أن يلزمها أن تغتسل من الجنابة ؟ , الغسل من الجنابة عندنا واجب ومأمور به ، فإن رفضت الغسل من الجنابة هل يجوز له أن يلزمها به ؟ , فمن قال إن الكفار مخاطبون في حال كفرهم مخاطبون بفروع الشريعة يقول : نعم . له أن يلزمها بالغسل من الجنابة وليس لها أن تمتنع عن ذلك .

قوله رحمه الله :" وَالأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ ، وَالنَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ."
يعني : الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده أو النهي عن أضداده ، والنهيُ عن الشيء أمر يستلزم الأمر بأحد أضداده .
فالطلب له تعلُّق واحد بأمرين ، هما : فعلِ الشيء والكف عن ضده ، فباعتبار الأول هو أمر ، وباعتبار الثاني هو نهي , فإذا أمر المرء بفعل شيء ما فهذا يعني ، نهيه عن فعل ما هو ضده ، فإذا فعل ما هو ضده يكون غير مطيعاً للأمر , مثاله : إذا أمر بتوحيد الله ، يعني هذا نهيه عن فعل الشرك , فإذا فعل الشرك لم يوحد الله , وإذا قلنا له قم ، فهذا يعني أننا نهيناه عن القعود والإتكاء والإستلقاء .
وكذلك إذا نهي عن فعل شيء فهذا يعني أمره بفعل أحد أضداده , فمثلا : إذا قلنا له : لا تتحرك يعني أمرناه بالسكون , وهذا كله من حيث المعنى ، لا من حيث الصيغة واللفظ .
فكلمة "وحِّد الله" تختلف عن كلمة "لا تشرك بالله" من حيث الصيغة واللفظ , ولكنها من حيث المعنى واحدة , وكذلك كلمة "قم" ، تختلف من حيث الصيغة واللفظ عن كلمة "لا تقعد ولا تتكئ ولا تستلقي" , وكلمة "لا تتحرك" تختلف من حيث الصيغة واللفظ عن كلمة "أسكن" , فالنهي اللفظي ليس عين الأمر اللفظي قطعاً ، ولا يتضمنه على الأصح , وقيل : يتضمنه ، فإذا قال : لا تتحرك فكأنه قال : اسكن ؛ لأنه لا يتحقق ترك التحرك إلا بالسكون .

قال المصنف رحمه الله : "وَالنَّهْيُ : اسْتِدْعَاءُ التَّرْكِ بِالْقَوْلِ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ ، وَيَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ , وَتَرِدُ صِيغَةُ الأَمْرِ وَالْمُرَادُ بِهِ الإِبَاحَةُ ، أَوِ التَّهْدِيدُ ، أَوِ التَّسْوِيَةُ ، أَوِ التَّكْوِينُ"

قوله رحمه الله : "وَالنَّهْيُ : اسْتِدْعَاءُ التَّرْكِ بِالْقَوْلِ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ" أي : النهي : يعني طلب ترك الفعل بالقول فقط مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ على سبيل إيجاب الترك وليس على سبيل الكراهة .
قوله "بالقول" يعني بالقول فقط , هنا المصنف رحمه الله حصر النهي كما حصر الأمر ، بطلب الفعل بالقول فقط ، وبهذا القيد أخرج من النهي ، الطلبَ بالإشارة والكتابة والقرائن المفهمة .
قوله : "مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ" يدل هذا الكلام على أن النهي من المساوي والأعلى لا يسمى نهياً عند المصنف رحمه الله , ولكن هناك من الأصوليين من خالفه في ذلك فلم يشترط في النهي أن يكون من الأعلى إلى الأدنى كما لم يشترط ذلك في الأمر .
قوله : "على سبيل الوجوب" أي بأنه لا يجوز له الفعل ، وبهذا القيد أخرج النهي على سبيل الكراهة , وكذلك أخرج التضرع ، فإنه ليس نهياً على سبيل الوجوب , فإذا سأل العبد سيده على أن لا يكلفه فوق طاقته , لا يفهم من هذا السؤال أنه ينهاه على سبيل الوجوب .
أيها الأخوة : نستطيع أن نقول : الأمر يفيد الوجوب مع احتمال الندب ، والنهي يفيد التحريم مع احتمال الكراهة , والنهي المطلق مقتضٍ للفور والتكرار وليس كالأمر ، فيجب الإنتهاء في الحال ، واستمرار الكف في جميع الأزمان .
قوله : "وَيَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ" أي : يدل النهيُ عن شيء فساد هذا الشيء , فالمصنف رحمه الله هنا يشير إلى أن النهي عن شيء يقتضي فسادَ هذا الشيء المنهيِّ عنه ؛ لأن الشارع لا ينهى إلا عن المفاسد ولا يأمر إلا بالمصالح , مثلا : النهي عن الصلاة مع النجاسة أو لغير القبلة ، يدل على فساد هذه الصلاة .
النهي المطلق شرعاً يدل عند المالكية والشافعية على فساد المنهي عنه على الأصح ، سواء كان المنهي عنه عبادة كصوم يوم العيد أو كان عقداً كالبيوع المنهي عنها , ويمكن أن نقول :
* إن عاد النهي إلى ذات الشيء ، فإنه يكون فاسدا وباطلا ولا يصح , كصيام يوم النحر وصيام الحائض وبيع الخمر وبيع الخنزير .
* أما إن عاد النهي إلى وصف ملازم للشيء ، فعند الحنابلة باطل وعند الأحناف صحيح مع الإثم , فمثلا : من ستر عورته بثوب حرير ، فصلاته عند الحنابلة باطلة غير صحيحة ، ولكن عند الأحناف صلاته صحيحة مع الإثم .
* أما إذا عاد النهي إلى وصف غير ملازم للشيء فهو صحيح مع الإثم ، كالوضوء بالماء المغصوب ، وكالصلاة في الدار المغصوبة فهو صحيح مع الإثم ، وكذلك من صلى وعليه عمامة حرير ، فصلاته صحيحة مع الإثم ؛ لأن ستر الرأس ليس شرطاً في الصلاة .

قوله رحمه الله : "وَتَرِدُ صِيغَةُ الأَمْرِ وَالْمُرَادُ بِهِ الإِبَاحَةُ ، أَوِ التَّهْدِيدُ ، أَوِ التَّسْوِيَةُ ، أَوِ التَّكْوِينُ"
أي : ويمكن أن ترد صيغة الأمر ولا تكون للوجوب ، فقد ترد ويقصد منها الإباحة أو التهديد أو التسوية أو التكوين , مثال الإباحة قوله تعالى : {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} , ومثال التهديد ، قوله تعالى : {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} , ومثال : التسوية ، قوله تعالى : {فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا} ومثال : التكوين ، قوله تعالى : {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} .
صيغ الأمر التي ذكرها المصنف رحمه الله ليست كل صيغ الأمر , فصيغة الأمر تأتي للتحريم وتأتي للكراهة وتأتي للتحقير وتأتي لبيان العافية وتأتي للدعاء وتأتي لليأس وتأتي للإرشاد وتأتي للتسلية , ومن أمثلة ذلك :
مثال التحريم : قوله تعالى : {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا} .
ومثال الكراهة : قوله عليه الصلاة السلام : [لا تفعلي هذا] أي لما نهاها عن المشمَّس .
ومثال التحقير : قوله تعالى : {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} .
ومثال بيان العافية : قوله تعالى : {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا} .
ومثال الدعاء : قوله تعالى : {لَا تُؤَاخِذْنَا} .
ومثال اليأس : قوله تعالى : {لَا تَعْتَذِرُوا} .
ومثال الإرشاد : قوله تعالى : {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ} .
ومثال التسلية : قوله تعالى : {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} .
أيها الأخوة : وحتى لا أطيل عليكم أكتفي بهذا القدر في هذا الدرس , وفي الختام أسأل الله العلي القدير أن يبصرنا بالحق وأن يمن علينا بالإلتزام به ، وبالثبات عليه ، حتى يتوفانا وهو راضٍ عنّا .
اللهم آمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .


=== الدرس الخامس للتحميل ===

لتحميل الدرس مقروء بضيغة pdf اضغط على هذا الرابط : http://www.2shared.com/document/Mat2QTsA/5_online.html?
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
شرح متن الورقات في أصول الفقه للشيخ ضياء الدين القدسي حفظه الله زائر2 صوتيات ومرئيات 2 04-09-2017 04:49 PM
الدروس المفرغة لشرح متن ثلاثة الأُصول للشيخ ضياء الدين القدسي حفظه الله زائر2 منتدى التوحيد 11 03-27-2012 02:03 AM
شرح متن ثلاثة الأصول للشيخ ضياء الدين القدسي حفظه الله زائر2 صوتيات ومرئيات 0 03-03-2012 08:41 AM
شرح متن عمدة الفقه للشيخ ضياء الدين القدسي حفظه الله . زائر2 صوتيات ومرئيات 0 03-03-2012 08:00 AM


الساعة الآن 04:13 AM


جميع المشاركات تعبّر عن وجهة نظر صاحبها ولا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر إدارة المنتدى