منتدى دعوة الحق  

العودة   منتدى دعوة الحق > منهاج المسلم > العقيدة > كشف شبه المشركين

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 01-15-2018, 02:26 PM
الصورة الرمزية غربة التوحيد
غربة التوحيد غربة التوحيد غير متواجد حالياً
مشرف عام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2014
الدولة: دار الفناء
المشاركات: 154
افتراضي الرد على شبهة أن النجاشيّ رضي الله عنه أسلم ولم يحكم بما أنزل الله

الشبهة الخامسة : أنَّ النجاشي لم يحكم بما أنزل الله ومع ذلك كان مسلماً .
احتج أهلُ الأهواء أيضاً بقصة النجاشي للترقيع لطواغيتهم المشرِّعين سواءً كانوا حكاماً أو نوّاباً في البرلمان أو غيرهم ...

فقالوا : إنَّ النجاشي لم يحكم بما أنزل الله تعالى بعد أن أسلم وبقي على ذلك إلى أن مات ومع هذا فقد سماه النبي
صلى الله عليه وسلم عبداً صالحاً وصلى عليه وأمر أصحابه بالصلاة عليه .ويريد أصحاب هذه الشبهة بذلك عدم تكفير الحكام المعاصرين الحاكمين بغير ما أنزل الله .


فنقول وبالله تعالى التوفيق : -
أولاً : يلزم المحتج بهذه الشبهة المتهافتة قبل كلِّ شيءٍ أن يثبت لنا بنصٍ صحيحٍ صريحٍ قطعي الدلالة أنَّ النجاشي لم يحكم بما أنزل الله بعد إسلامه.. فقد تتبعتُ أقاويلهم من أولها إلى آخرها .. فما وجدتُ في جعبتهم إلا استنباطات ومزاعم جوفاء لا يدعمُها دليلٌ صحيحٌ ولا برهانٌ صادقٌ ، وقد قال تعالى :[ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ][سورة البقرة: 111]. فإذا لم يأتوا بالبرهان على ذلك فليسوا من الصادقين بل هم من الكاذبين..

ولقد استدل بعضهم بكلام ابن تيمية رحمه الله عن النجاشي لإثبات ما ذهبوا إليه من عدم تكفير الحكام الذين يحكمون بالقوانين الوضعية .



ولبيان هذه المسألة لا بد من ذكر كلام ابن تيمية رحمه الله وبيان الحق فيه
.
قال ابن تيمية رحمه الله : " وأيضا فإن الله تعالى قد أخبر في غير موضع أنه لا يكلّف نفسا إلا وسعها ، كقوله تعالى :[ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ] [سورة الأعراف: 42] ، وقوله[لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَها][سورة البقرة: 233] ، وقوله [ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسـًا إِلا مَا آتَاهَا] [سورة الطلاق: 7]، وأمر بتقواه بقدر الاستطاعة فقال :[ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم][سورة التغابن: 16]، وقد دعاه المؤمنون بقولـهم : [رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ] [سورة البقرة: 286] فقال : قد فعلت ؛ فدلت هذه النصوص على أنه لا يكلف نفسا ما تعجز عنه ، خلافا للجهمية المجبرة ، ودلت على أنه لا يؤاخذ المخطئ والناسي ، خلافا للقدرية والمعتزلة ، وهذا فصل الخطاب في هذا الباب .

فالمجتهد المستدل - من إمام وحاكم وعالم وناظر ومناظر ومفت وغير ذلك - إذا اجتهد واستدل فاتقى الله ما استطاع ، كان هذا هو الذي كلّفه الله إياه ، وهو مطيع لله مستحق للثواب إذا اتقاه ما استطاع ، ولا يعاقبه الله البته - إلى أن قال - وكـذلـك الكفّار مـن بلغتـه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في دار الكفر، وعلم أنه رسول الله فآمن به، وآمن بما أنزل عليه ، واتقى الله ما استطاع ، كما فعل النجاشي وغيره ، ولم يمكنه الهجرة إلى دار الإسلام ، ولا التزام جميع شرائع الإسلام، لكونه ممنوعا من الهجرة، وممنوعاً من إظهار دينه، وليس عنده من يعلّمه جميع شرائع الإسلام ، فهذا مؤمن من أهل الجنة - إلى أن قال - وكثير من شرائع الإسلام - أو أكثرها - لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك ، فلم يهاجر ولم يجاهد ولا حج البيت ، بل قد رُوي أنه لم يكن يصلي الصلوات الخمس ، ولا يصوم شهر رمضان، ولا يؤدي الزكاة الشرعية ، لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه ، وهو لا يمكنه مخالفتهم . ونحن نعلم قطعا أنه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن. - إلى أن قال - والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن ، فإن قومه لا يقرّونه على ذلك . " أهـ [1]


أقول : اشتمل كلام ابن تيمية السابق على صواب وخطأ :
أما الصواب : فهو أن العاجز عن شيء من الشريعة ، سواء من جهة عدم التمكن من العلم به أو عدم القدرة على فعله ، فهو معذور لا إثم عليه.
.
وأما الخطأ : فقول ابن تيمية : " إن قوم النجاشي - وهم كفار - كانوا لا يُقرّونه على الحكم بالقرآن ، وهو لا يمكنه مخالفتهم " هذا حاصل كلامه رحمه الله ، وهو خطأ ، وهذا القول لا يُصار إليه في الأصل إلا بعد إثبات بلوغ أحكام الشريعة إليه وأنه لم يلتزم بها بعد البلاغ ، ولم يثبت ذلك بنقل صحيح ، بل الظاهر خلاف ذلك كما يدل عليه حال الصحابة العائدين من الحبشة ، فيكفي القول بأن الشرائع لم تبلغ النجاشي فلم تجب عليه.
أما القول بأن قومه كان ينكرون عليه ولا يقرونه ، فهذا محض الظن والتخمين ، وهو مخالف لما نقله وأثبته تلميذه ابن القيم عن إعلان النجاشي إسلامه وموافقة قومه له ، مما يدل على أن هذا الكلام المنقول عن ابن تيمية قد دس عليه .

والذي يهمنا هنا هو التنبيه على أن خشية الناس ليس من الأعذار التي تجيز ترك الحكم بالشريعة ، وهذا هو وجه الخطأ في كلامه ، وإلا لجاز لأي حاكم ممن يحكمون بالقوانين الوضعية اليوم أن يعتذر بهذا العذر، فيدعي أنه يخشى من قومه أو يخشى من القوى العالمية والدول الكبرى إن هو حكم بالشريعة ، فهل هذا عذر مقبول يمنع من تكفيره ؟.

أما الأدلة على أن مثل هذه الخشية ليست عذراً ولا مانعاً من التكفير ، فمنها .
1 - قوله تعالى : [ فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافِرونَ] [سورة المائدة: 44]. فأبطل الله عذر الخوف وخشية الناس في هذا الـمقام بقوله[ فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ] . وإذا كان الحكم بالقوانين الوضعية كفراً أكبر كما تقدم بسطه ، فالكفر لا يترخص فيه بالخوف ما لم يقع إكراه ملجئ ، وهذا غير متصور في حق الحكام لأنهم يفعلون ما يفعلون باختيارهم وغاية أحدهم أن يخلع نفسه من الحكم ويتخلى عن الملك إن عجز عن إقامة حكم الله فهذا خير له من أن يظل في مُلكه مقيماً على الكفر .

2 - وقوله تعالى: [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْـرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِـي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ ] [سورة المائدة: 51-52]
فهذه الآية الكريمة تبين أن الخوف ليس عذراً للوقوع في الكفر - وهو هنا بسبب موالاة الكفار - فدل على أن الخوف ليس مانعا من التكفير .

3 - وهناك دليل خاص في هذه المسألة ، وهو قصة هرقل ملك الروم مع قومه، فلما بلغته رسالة النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام ، أراد أن يُسلم ، ولكنه خاف من قومه أن يقتلوه كما قتلوا غيره ممن أسلم من أساقفة النصارى ، فأراد أن يختبرهم فلم يوافقوه فلم يُسلم. وحديثه متفق عليه ، وفي رواية البخاري " ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم ، وسار هرقل إلى حِمْص ، فلم يَرِمْ حمص حتى أتاه كتابٌ من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبيٌّ ، فأذِن هرقل لعظماء الروم في دَسْكرةٍ له بحمص ، ثم أمر بأبوابها فغلِّقت ، ثم اطلّع فقال : يا معشر الروم ، هل لكم في الفلاح والرُشْد وأن يثبُت مُلككم فتبايعوا هذا النبي ؟، فحاصوا حَيْصة حُمُر الوَحْش إلى الأبواب فوجدوها قد غلّقت ، فلما رأى هرقل نَفْرتهم وأيس من الإيمان قال : رُدّوهم عَلَيّ ، وقال : إني قلت مقالتي آنفا أختبر بها شِدّتكم على دينكم ، فقد رأيت . فسجدوا له ورضوا عنه ، فكان ذلك آخر شأن هرقل " .

وقصة قتلهم لأسقفهم لما أعلن إسلامه ذكرها ابن حجر في شرحه لهذا الحديث ، وقال ابن حجر عن هرقل : " وكان يحب أن يطيعوه فيستمر مُلكه ويسلم ويسلموا بإسلامهم ، فما أيس من الإيمان إلا بالشرط الذي أراده ، وإلا فقد كان قادراً على أن يفر عنهم ويترك مُلكه رغبة فيما عند الله ، والله الموفق " [2]

والشاهد من حديث هرقل أن خوفه من قومه لم يكن مانعاً من تكفيره ، وسبب كفره ترك الإقرار بالشهادتين ، ولم يقع عليه إكراه فقد كان بإمكانه أن يفرّ عنهم كما قال ابن حجر ، فكذلك لا يكون الخوف مانعا من تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله ، فالكفر هو الكفر وإن اختلف سببه سواء كان كفره بسبب ترك الإقرار بالشهادتين أو بسبب ترك الحكم بما أنزل الله .

هذا وقد قال ابن القيم عكس كلام ابن تيمية عن النجاشي . حيث قال أن النجاشي أظهر دينه - أو ما علمه من الدين - وأن قومه أطاعوه وأن هرقل علم بإسلامه لأن النجاشي كان يدفع له خراجاً ولما أسلم امتنع من دفعه .
فرجلٌ يحمله دينه على تحدي هرقل هل يخشى أن يحكم بالقرآن ؟!.
والصواب في هذا كله أنه عمل بما بلغه من الدين .
وهذا كله في بيان خطأ ما ذهب إليه ابن تيمية من أن النجاشي لم يحكم بالقرآن لأن قومه لن يطيعوه في ذلك. والصواب أنه لم يحكم بالقرآن لأنه لم تبلغه الأحكام الشرعية التفصيلية .


ثانياً : إنَّ النجاشي قد مات قبل اكتمال التشريع .. فالحكمُ بما أنزل الله تعالى في حقه آنذاك ؛ أن يحكم ويتبع ويعمل بما بلغه من الدين ، ولم تكن وسائل النقل والاتصال في ذلك الزمان كحالها في هذا الزمان إذ كانت بعض الشرائع لا تصل للمرء إلا بعد سنين وربما لا يعلم بها إلا إذا شدَّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرحال …
فالدينُ ما زال حديثاً والقرآنُ لا زال يتنزل والتشريعُ لم يكتمل … ويدل على ذلك دلالةً واضحة .. ما رواه البخاريُّ وغيره عن عبد الله بن مسعود أنه قال : " كنا نُسلِّم على النبيِّ
صلى الله عليه وسلم في الصلاة فيرد علينا ، فلما رجعنا من عند النجاشي سلَّمنا عليه ، فلم يرد علينا ، وقال : ( إنَّ في الصلاة شغلاً ) ".. فإذا كان الصحابة الذين كانوا عند النجاشي بالحبشة مع العلم أنهم كانوا يعرفون العربية ويتتبعون أخبار النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغهم نسخ الكلام والسلام في الصلاة مع أنَّ الصلاة أمرها ظاهر لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يُصلي بالنّاس خمسَ مراتٍ في اليوم والليلة … فكيف بسائر العبادات والتشريعات والحدود التي لا تتكرر كتكرر الصلاة ؟

إذا تقرر هذا فيجب أن يُعلم أنَّ النجاشي قد حكم بما بلغه مما أنزل الله تعالى ، ومَنْ زعم خلاف هذا ، فلا سبيل إلى تصديقه وقبول قوله إلا ببرهان[ قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ] ..وكلُّ ما يذكره المستدلون بقصته يدلُ على أنَّه كان حاكماً بما بلغه مما أنزله الله تعالى آنذاك

ثالثاً : إنَّ الصورة في قصة النجاشي لحاكم كان كافراً ثم أسلم حديثاً وهو في منصبه، فأظهر صدق إسلامه بالاستسلام الكامل لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد أرسل رسالة إلى رسول الله يقول فيها : " إنْ شئتَ أن آتيك فعلتُ يا رسول الله فإنني أشهدُ أنَّ ما تقولُ حق " .
هذا وقد نصر المهاجرين إليه وآواهم وحقّق لهم الأمن والحماية، ولم يخذلهم أو يُسلمهم لقريش ، ولا ترك نصارى الحبشة يتعرضون لهم بسوء رغم أنهم كانوا قد أظهروا معتقدهم الحق في عيسى عليه السلام ... بل إنه بعث بابنه ومعه ستون رجلاً من أهل الحبشة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ... وكلُّ ذلك نصرةً له واتباعاً وتأييداً ..

رابعاً : كان النجاشي رحمه الله قد أفرغ جهده في طلب الحق وتعلم الدين وكان يصدع بالحق وبقي على هذا الحال إلى أن لقي الله وذلك قبل اكتمال التشريع وبلوغه إليه كاملاً... ولم يحكم بعد إسلامه بحكم يخالف حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم حتى مات . هذه هي الصورة الحقيقية الواردة في الأحاديث والآثار الصحيحة الثابتة في شأنه.. ونحن نتحدى مخالفينا في أن يثبتوا غيرها.. لكن بدليل صريحٍ صحيحٍ أما التواريخ فلا تُسمن ولا تُغني من جوع وحدها دون إسناد ...

ذكر ابن القيم في ( زاد المعاد ) في ( ذِكر هديه صلى الله عليه وسلم في مكاتباته إلى الملوك وغيرهم ) وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن العاص إلى ملك عُمان يدعوه إلى الإسلام ، وهو جيفر وأخيه عبد ابني الجلندي ، فسأل عبد ابن الجلندي عَمراً فقال فيما رواه عمرو ( فسألني أين كان إسلامك ، قلت : عند النجاشي وأخبرته أن النجاشي قد أسلم ، قال : فكيف صنع قومه بُملكه ؟ فقلت : أقروه واتبعوه، قال : والأساقفة والرهبان تبعوه ؟ قلت : نعم ، قال : انظر يا عمرو ما تقول إنه ليس من خصلة في رجل أفضح له من الكذب ، قلت : ما كذبت وما نستحله في ديننا ، ثم قال : ما أرى هرقل عَلِم بإسلام النجاشي ، قلت : بلى ، قال بأي شيء علمت ذلك ؟ قلت : كان النجاشي يخرج له خرجا فلما أسلم وصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم قال لا والله لو سألني درهما واحداً ما أعطيته ، فبلغ هرقل قوله فقال له النياق أخوه أتدع عبدك لا يخرج لك خرجا ويدين بدين غيرك دينا محدثا ؟ قال هرقل : رجل رغب في دين فاختاره لنفسه ما أصنع به والله لولا الضن بملكي لصنعت كما صنع ، قال : انظر ما تقول يا عمرو، قلت : والله صدقتك) اهـ [3]

وبالردّ على هـذه الشبهـة أخـتم الكلام في الرد على شبهات المدافعين عن أسلمة الحكام بالقوانين الوضعية ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
وبعد : فقـد قـال تعالى : [ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ، وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ] [سورة الأنعام: 112-113]
فدلت هذه الآية على أنه لابد للحق الذي جاء به الأنبياء من أعداء من الإنس والجن لهم شبهات يزينونها ويزخرفونها ليصدوا عن سبيل الله، وأن هذه سنة قدرية لابد أن تقع كما يدل عليه قوله تعالى: [ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوه] فإن (لو) حرف امتناع لامتناع ، فدل على أنهم لابد أن يفعلوا ذلك لامتناع المشيئة بعدمه، ثم ذكر المولى جل وعلا الحكمة من هذه السنة القدرية، وهي أن الله جعل هذه الشبهات ( وهى زخرف القول ) فتنة للناس : أما المؤمن فلا يزداد بها إلا بصيرة في الحق ، وأما المنافق فيصغى لها ويرضى بها ولا تزيده إلا ضلالا[ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ].
فإنه لا بد من المحنة والفتنة والاختبار في هذه الدنيا. كما قال تعالى :[ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ] [سورة العنكبوت: 2-3]
وهذه الشبهات نوع من الفتنة يختبر الله بها عباده ، ولهذا فإنها لن تنتهي ولن تنقطع ما دامت هناك طائفة على الحق قائمة بأمر الله فلا بد أن يوجد من يخالفها ويخذلها ، وستنشأ شبهات أخرى ، وفي الكتاب والسنة الرد على كل زائغ إلى يوم القيامة كما قال تعالى : [ وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرا ] [سورة الفرقان: 33]، ولايزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته .
وإن بعض هذه الشبهات أعجب كيف نشأت في ذهن صاحبها ولا أجد لها سببا إلا كما قـال تعالى : [شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا[[سورة الأنعام: 112]، وكما قال تعالى : [ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُــونَ إِلـَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجـَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ] [سورة الأنعام: 121]
نسأل الله تعالى أن يعصمنا من مضلات الفتن ، وأن يثبتنا على دينه ، وأن يختم لنا بخاتمة السعادة ، إنه على كل شيء قدير .
_____________________
[1] من (منهاج السنة النبوية ) 5/ 110 - 123، وهو بعينه موجود في (مجموع الفتاوى ) 19/ 215 - 225.
[2]فتح الباري : 1/ 43.
[3]زاد المعاد : 3/ 62.
__________________

من مواضيع غربة التوحيد


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
شبهة: قول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد : (فلا تنزلهم على حكم الله وأنزلهم على حكمك) غربة التوحيد كشف شبه المشركين 0 01-07-2018 03:59 PM
شبهة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم بما أنزل الله في إقامة حد القذف ... ؟ غربة التوحيد كشف شبه المشركين 0 01-02-2018 02:39 PM
مجهول الحال:أسلمته خوفاً من تكفير مسلم، شبهة معتبرة أم لا؟ أم البراء قسم فتاوى العقيدة 3 09-26-2015 09:30 PM
الرد على شبهة عمل يوسف عليه السلام عند ملك مصر نور التوحيد منتدى التوحيد 0 05-21-2011 09:40 PM
الرد على شبهة التحذير من تكفير الناس نور التوحيد منتدى التوحيد 0 05-06-2011 10:06 PM


الساعة الآن 11:56 PM


جميع المشاركات تعبّر عن وجهة نظر صاحبها ولا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر إدارة المنتدى