منتدى دعوة الحق  

العودة   منتدى دعوة الحق > منهاج المسلم > العقيدة > لا عذر بالجهل في الشرك الأكبر

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 06-27-2019, 12:13 AM
الصورة الرمزية غربة التوحيد
غربة التوحيد غربة التوحيد غير متواجد حالياً
مشرف عام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2014
الدولة: دار الفناء
المشاركات: 276
افتراضي حكم من لم تبلغه دعوة رسولٍ في الدّنيا .

حكم من لم تبلغه دعوة رسولٍ في الدنيا

إن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص ، فقد تقوم حجة الله على المشركين في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أخرى ،كما أنها تقوم على شخص دون آخر .
فمن لم تبلغه دعوة الرسول في الدنيا ، فإما أن لا تبلغه حقيقة : كالبالغ العاقل الذي لم يسمع برسالة نبي أبداً ، وإما أن لا تبلغه حكماً: كالشخص غير القادر على فهم خطاب التكليف - كالصبي والمجنون والخَرِف - رغم وجود دعوة الرسول واشتهارها.

ومذهب جمهور أهل السنة والجماعة أن هؤلاء - الذين لم تبلغهم دعوة الرسل حقيقة أو حكماً - أنهم يمتحنون يوم القيامة. وبذلك تقوم حجة الله بالرسل على جميع خلقه إما في الدنيا وإما في الآخرة.

قال ابن تيمية:" ومن لم تقم عليه الحجة في الدنيا بالرسالة كالأطفال والمجانين وأهل الفترات ، فهؤلاء فيهم أقوال أظهرها ما جاءت به الآثار أنهم يمتحنون يوم القيامة فيبعث إليهم من يأمرهم بطاعته ، فإن أطاعوه استحقوا الثواب ، وإن عصوه استحقوا العذاب." (الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح ج1ص 312).

وقال ابن تيمية رحمه الله أيضاً : "ولكن لا يعذب الله أحداً حتى يبعث إليه رسولا ً، وكما أنه لا يعذبه فلا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة مؤمنة ، ولا يدخلها مشرك ولا مستكبر عن عبادة ربه ، فمن لم تبلغه الدعوة في الدنيا امتحن في الآخرة ، ولا يدخل النار إلا من اتبع الشيطان ، فمن لا ذنب له لا يدخل النار ، ولا يعذب الله بالنار أحداً إلا بعد أن يبعث إليه رسولاً ، فمن لم تبلغه دعوة رسول إليه كالصغير والمجنون ، والميت في الفترة المحضة ، فهذا يمتحن في الآخرة كما جاءت بذلك الآثار . " (مجموع الفتاوى 14/ 477)

وقال ابن تيمية أيضاً : "وقد رويت آثار متعددة في أن من لم تبلغه الرسالة في الدنيا فإنه يبعث إليه رسول يوم القيامة في عرصات القيامة.وقد زعم بعضهم أن هذا يخالف دين المسلمين ، فإن الآخرة لا تكليف فيها،وليس كما قال ،إنما ينقطع التكليف إذا دخلوا دار الجزاء الجنة أو النار ، وإلا فَهُم في قبورهم ممتحنون ومفتونون ، يقال لأحدهم : من ربك ؟ وما دينك؟ ومن نبيك ؟.وكذلك في عَرَصات القيامة يقال ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون) الحديث " (مجموع الفتاوى 17/ 308-309) وانظر أيضاً (مجموع الفتاوى ج4/246- 247،ج24/372-373)

أما الآثار التي أشار إليها ابن تيمية ، فقد وردت في عدة مصادر، منها ما ذكره ابن كثير في تفسير قوله تعالى : (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسولاً ) (الإسراء: 15) (تفسير ابن كثير) 3/ 28-31. وما ذكره ابن القيم في كتابه (طريق الهجرتين) ص396 – 401 ، ط دار الكتب العلمية 1402هـ.

ومما قال ابن القيم رحمه الله :" وقد جاءت بذلك آثار كثيرة يؤيد بعضها بعضاً: فمنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده والبزار أيضاً بإسناد صحيح فقال الإمام أحمد: حدثنا معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن سريع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع ورجل هرم ورجل أحمق ، ورجل مات في الفترة. أما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وأنا ما أسمع شيئاً. وأما الأحمق فيقول : رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر . وأما الهرم فيقول : رب لقد جاء الإسلام وما أعقل . وأما الذي في الفترة فيقول: رب ما أتاني رسول . فيأخذ مواثيقهم ليطيعنَّه فيرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار . فو الذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً ." قال معاذ بن هشام: وحدثني أبي عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة بمثل هذا الحديث وقال في آخره « فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً ومن لم يدخلها رد إليها »- إلى أن قال - قال الحافظ عبد الحق في حديث الأسود : قد جاء هذا الحديث ، وهو صحيح فيما أعلم ، والآخرة ليست دار تكليف ولا عمل ، ولكن الله يخص من يشاء بما يشاء ، ويكلف من شاء ما شاء وحيثما شاء . لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون.
قلت: وسيأتي الكلام على وقوع التكليف في الدار الآخرة وامتناعه عن قريب إن شاء الله. ورواه علي بن المديني عن معاذ بنحوه قال البيهقي : حدثنا علي بن محمد بن بشران أخبرنا أبو جعفر الرازي أخبرنا حنبل بن الحسين أخبرنا علي بن عبد الله وقال: هذا إسناد صحيح) أهـ.

ثم ذكر ابن القيم الروايات الأخرى لهذا الحديث، ثم قال : " فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضاً وتشهد لها أصول الشرع وقواعده، والقول بمضمونها هو مذهب السلف والسنة ، نقله عنهم الأشعري رحمه الله في (المقالات) وغيرها.

فإن قيل: قد أنكر ابن عبد البر هذه الأحاديث وقال: أهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب ، لأن الآخرة ليست دار عمل ولا ابتلاء ، وكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين ، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها؟
فالجواب من وجوه:
(أحدها) أن أهل العلم لم يتفقوا على إنكارها بل ولا أكثرهم ، وإن أنكرها بعضهم فقد صحح غيره بعضها كما تقدم .
(الثاني) أن أبا الحسن الأشعري حكى هذا المذهب عن أهل السنة والحديث ، فدل على أنهم ذهبوا إلى موجب هذه الأحاديث .

(الثالث) أن إسناد حديث الأسود أجود من كثير من الأحاديث التي يحتج بها في الأحكام ، ولهذا رواه الأئمة أحمد وإسحق وعلي بن المديني .
( الرابع ) أنه قد نص جماعة من الأئمة على وقوع الامتحان في الدار الآخرة وقالوا : لا ينقطع التكليف إلا بدخول دار القرار ذكره البيهقي عن غير واحد من السلف .

(الخامس) ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد في الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولاً إليها أن الله سبحانه وتعالى يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأله غير الذي يعطيه ، وأنه يخالفه ويسأله غيره فيقول الله تعالى : « ما أغدرك » وهذا الغدر منه لمخالفته للعهد الذي عاهد ربه عليه.

(السادس) قوله: وليس ذلك في وسع المخلوقين. جوابه من وجهين ، أحدهما: أن ذلك ليس تكليفاً بما ليس في الوسع ، وإنما هو تكليف بما فيه مشقة شديدة ، وهو كتكليف بني إسرائيل قتل أولادهم وأزواجهم وآبائهم حين عبدوا العجل ، وكتكليف المؤمنين إذا رأوا الدجال ومعه مثال الجنة والنار أن يقعوا في الذي يرونه ناراً . الثاني: أنهم لو أطاعوه ودخلوها لم يضرهم ، وكانت برداً وسلاماً ، فلم يكلفوا بممتنع ولا بما لم يستطع .

(السابع) أنه قد ثبت أنه سبحانه وتعالى يأمرهم في القيامة بالسجود ويحول بين المنافقين وبينه ، وهذا تكليف بما ليس في الوسع قطعاً، فكيف ينكر التكليف بدخول النار في رأى العين إذا كانت سبباً للنجاة؟ كما جعل قطع الصراط الذي هو أدق من الشعرة وأحد من السيف سبباً كما قال أبو سعيد الخدري « بلغني أنه أدق من الشعرة وأحد من السيف» رواه مسلم، فركوب هذا الصراط الذي هو في غاية المشقة كالنار ولهذا كلاهما يفضي منه إلى النجاة والله أعلم.

(الثامن) أن هذا استبعاد مجرد لا تُرَدُّ بمثله الأحاديث ، والناس لهم طريقان: فمن سلك طريق المشيئة المجردة لم يمكنه أن يستبعد هذا التكليف، ومن سلك طريق الحكمة والتعليل لم يكن معه حجة تنفي أن يكون هذا التكليف موافقاً للحكمة ، بل الأدلة الصحيحة تدل على أنه مقتضى الحكمة كما ذكرناه.

(التاسع) أن في أصح هذه الأحاديث وهو حديث الأسود أنهم يعطون ربهم المواثيق ليطيعنه فيما يأمرهم به ، فيأمرهم أن يدخلوا نار الامتحان ، فيتركون الدخول معصية لأمره لا لعجزهم عنه ، فكيف يقال إنه ليس في الوسع.
فإن قيل: فالآخرة دار جزاء ، وليس دار تكليف ، فكيف يمتحنون في غير دار التكليف ؟ فالجواب : أن التكليف إنما ينقطع بعد دخول دار القرار ، وأما في البرزخ وعرصات القيامة فلا ينقطع ، وهذا معلوم بالضرورة من الدين من وقوع التكليف بمسألة الملكين في البرزخ وهي تكليف.
وأما في عرصة القيامة فقال تعالى: ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ) [القلم: 42] فهذا صريح في أن الله يدعو الخلائق إلى السجود يوم القيامة، وأن الكفار يحال بينهم وبين السجود إذ ذاك، ويكون هذا التكليف بما لا يطاق حينئذ حساً عقوبة لهم ، لأنهم كلفوا به في الدنيا وهم يطيقونه فلما امتنعوا منه وهو مقدور لهم كلفوا به وهم ولا يقدرون عليه حسرة عليهم وعقوبة لهم ، ولهذا قال تعالى : ( وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ)[القلم :43] دعوا إليه في وقت حِيلَ بينهم وبينه كما في الصحيح من حديث زيد ابن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد رضي الله عنه « أن ناساً قالوا: يا رسول الله ، هل نرى ربنا» - فذكر الحديث بطوله: إلى أن قال : « فيقول تتبع كل أمة ما كانت تعبد. فيقول المؤمنون: فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كُنا إليهم ، ولم نصاحبهم. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئاً - مرتين أو ثلاثاً - حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون نعم. فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود ، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقاً واحداً كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ثم يرفعون رءوسهم » وذكر الحديث.
وهذا التكليف نظير تكليف البرزخ بالمسألة، فمن أجاب في الدنيا طوعاً واختياراً أجاب في البرزخ ، ومن امتنع من الإجابة في الدنيا منع منها في البرزخ، ولم يكن تكليفه في الحال وهو غير قادر قبيحاً بل هو مقتضى الحكمة الإلهية لأنه مكلف وقت القدرة وأبى ، فإذا كلف وقت العجز وقد حِيلَ بينه وبين الفعل كان عقوبة له وحسرة. والمقصود أن التكليف لا ينقطع إلا بعد دخول الجنة أو النار: وقد تقدم أن حديث الأسود بن سريع صحيح ، وفيه التكليف في عرصة القيامة، فهو مطابق لما ذكرنا من النصوص الصحيحة الصريحة. فعلم أن الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة وتأتلف به النصوص ومقتضى الحكمة هذا القول. والله أعلم" (طريق الهجرتين 397 - 401)

وكلام ابن كثير في تفسيره (3/ 28 - 31) مثل كلام ابن القيم ، بل دونه. وذكر حديث العرصات أيضاً: ابن حزم في (الفصل) 4/ 105، وذكره السيوطي برواياته المختلفة في كتابه (الحاوي للفتاوى) 2/ 356 – 359 ، ط المكتبة العصرية 1411 هـ.
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
46 - هل هناك إمكان وجود من لم تبلغه دعوة التوحيد في الدنيا ؟ غربة التوحيد أصل دين الإسلام 0 10-24-2017 03:48 PM
دعوة للحياة في ظلال القرآن أبو سلمان الصومالي المنتدى الشرعي العام 0 12-03-2015 11:03 PM
دعوة للحوار مع عبد الحكم القحطاني مراقب الحوار مع رؤوس وأئمة المخالفين 0 06-12-2015 12:19 AM
مدرسة دعوة الحق طالب للحق المنتدى الشرعي العام 0 11-04-2014 11:09 PM
توضيح لقول الشافعي في الصلاة على من لم تبلغه الدعوة ابو اسحق قسم فتاوى الفقه 1 05-14-2014 07:35 PM


الساعة الآن 06:59 PM


جميع المشاركات تعبّر عن وجهة نظر صاحبها ولا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر إدارة المنتدى