منتدى دعوة الحق  

العودة   منتدى دعوة الحق > منهاج المسلم > العقيدة > لا عذر بالجهل في الشرك الأكبر

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 04-25-2019, 09:22 PM
الصورة الرمزية غربة التوحيد
غربة التوحيد غربة التوحيد غير متواجد حالياً
مشرف عام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2014
الدولة: دار الفناء
المشاركات: 276
افتراضي مسألة التحسين والتقبيح العقلي.

مسألة التحسين والتقبيح العقلي

مسألة التحسين والتقبيح العقلي هي: هل العقل وحده يدرك حُسن الأشياء وقبحها، أم لا يُدرَك هذا إلا بالشرع ؟ أردت هنا أن أبين هذه المسألة لعلاقتها في مسالة العذر بالجهل بالشرك الأكبر وقضية التعذيب على ذلك .

وقد لخّص ابن تيمية هذه المسألة فقال : " وقد تنازع الناس في حسن الأقوال وقبحها كحسن العدل والتوحيد ، والصدق ، وقبح الظلم ، والشرك ، والكذب: هل يُعلم بالعقل أم لا يُعلم إلا بالسمع ، وإذ قيل: إنه يُعلم بالعقل فهل يعاقب من فعل ذلك قبل أن يأتيه رسول ؟ على ثلاثة أقوال معروفة في أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم ، وهى ثلاثة أقوال لأصحاب الإمام أحمد وغيرهم.

فقالت طائفة لا يعرف ذلك إلا بالشرع لا بالعقل ، وهذا قول نظار المجبرة
كالجهم بن صفوان وأمثاله ، وهو قول أبي الحسن الأشعري وأتباعه من أصحاب الأئمة الأربعة كالقاضي أبي بكر بن الطيب ، وأبي عبد الله بن حامد ، والقاضي أبي يعلى ، وأبي المعالي ، وأبي الوفاء ابن عقيل وغيرهم.

وقيل: بل قد يعلم حُسن الأقوال وقُبحها بالعقل. وقال أبو الخطاب محفوظ بن أحمد: وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين ،وهذا هو المنقول عن أبي حنيفة نفسه ، وعليه عامة أصحابه ، وكثير من أصحاب مالك،والشافعي،وأحمد ، وأهل الحديث كأبي الحسن التميمي ، وأبي الخطاب ، وأبي بكر القفال ، وأبي نصر السجزي ، وأبي القاسم سعد بن علي الزنجاني ، وهو قول الكرامية وغيرهم من نظار المثبتة للقدر ، وهو قول المعتزلة وغيرهم من نظار القدرية ، ثم هؤلاء على قولين:
منهم من يقول : يستحقون عذاب الآخرة بمجرد مخالفتهم للعقل كقول: المعتزلة ، والحنفية ، وأبي الخطاب ، وقول هؤلاء مخالف للكتاب والسنة.

ومنهم من يقول : لا يعذبون حتى يبعث إليهم رسول كما دل عليه الكتاب والسنة. لكن أفعالهم تكون مذمومة ممقوتة يذمها الله ويبغضها ويوصفون بالكفر
الذي يذمه الله ويبغضه ، وإن كان لا يعذبهم حتى يبعث إليهم رسولاً ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح كما تقدم : « إن الله نظر إلى أهل الأرض فَمَقَتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ، وإن ربي قال لي : قم في قريش فأنذرهم . قلت : إذاً يثلغوا رأسي حتى يدعوه خبزة . قال: إني مُبتلِيك ومُبتَلٍ بك ومنزل عليك كتاباً لا يغسله الماء تقرأه نائماً ويقظان ، فابعث جنداً أبعث مثليهم ، وقاتل بمن أطاعك من عصاك ، وأنفق أنفق عليك. وقال: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين . وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً »

وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث : « كل مولود يولد على الفطرة » . وفي رواية: « على هذه الملة ، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجّسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تُحسّون فيها من جَدْعاء ». ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه : اقرأوا إن شئتم : « فطرة الله التي فطر الناس عليها » . قيل : يا رسول الله أرأيت من يموت وهو صغير . قال: « الله أعلم بما كانوا عاملين ».
ومع مقت الله لهم ، فقد أخبر أنه لم يكن ليعذبهم حتى يبعث إليهم رسولاً. وهذا يدل على إبطال قول من قال إنهم لم يكونوا مسيئين ، ولا مرتكبين لقبيح حتى جاء السمع . وقول من قال: إنهم كانوا معذبين بدون السمع إما لقيام الحجة بالعقل كما يقوله من يقوله من القدرية وإما لمحض المشيئة ، كما يقوله المجبرة.
قال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) (القصص: 59)
وقال تعالى: (وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ) القصص: 47.
وقال تعالى : (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ) (طه: 134)
فهذا يبين أنه لم يكن ليعذب الكفار حتى يبعث إليهم رسولاً ، وبين أنهم كانوا قبل الرسول قد اكتسبوا الأعمال التي توجب المقت والذمَّ وهى سبب للعذاب، لكن شرط العذاب قيام الحجة عليه بالرسالة. " (الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح 1/ 314 – 316)

يتبين من كلام ابن تيمية: أن الراجح في هذه المسألة أن العقل يُدرك الحُسْن والقبح . وأنه لا عقاب ولا مؤاخذة قبل ورود الشرع وذلك بالحجة الرسالية.

وتكلم ابن القيم في هذه المسألة مُنكراً على من أنكر التحسين والتقبيح العقلي ،ومنكراً على من رتب العقاب على حكم العقل ، فقال: " ولما ذهب المعتزلة ومن وافقهم إلى تلازم الأصلين استطلتم عليهم. وتمكنتم من إبداء تناقضهم وفضائحهم. ولما نفيتم أنتم الأصلين جميعاً استطالوا عليكم.وأبدوا من فضائحكم وخلافكم لصريح العقل والفطرة ما أبدوه.وهم غلطوا في تلازم الأصلين.وأنتم غلطتم في نفي الأصلين. والحق الذي لا يجد التناقض إليه السبيل : أنه لا تلازم بينهما ، وأن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة ، كما أنها نافعة وضارة . والفرق بينهما كالفرق بين المطعومات والمشمومات والمرئيات. ولكن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب إلا بالأمر والنهي . وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحاً موجباً للعقاب مع قبحه في نفسه .بل هو في غاية القبح . والله لا يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرسل. فالسجود للشيطان والأوثان ، والكذب والزنا ، والظلم والفواحش . كلها قبيحة في ذاتها. والعقاب عليها مشروط بالشرع . فالنفاة يقولون : ليست في ذاتها قبيحة. وقبحها والعقاب عليها إنما ينشأ بالشرع.
والمعتزلة تقول: قبحها والعقاب عليها ثابتان بالعقل.
وكثير من الفقهاء من الطوائف الأربع يقولون : قبحها ثابت بالعقل . والعقاب متوقف على ورود الشرع . وهو الذي ذكره سعد بن علي الزنجاني من الشافعية ، وأبو الخطاب من الحنابلة. وذكره الحنفية وحكوه عن أبي حنيفة نصاً. لكن المعتزلة منهم يصرحون بأن العقاب ثابت بالعقل.
وقد دل القرآن أن لا تلازم بين الأمرين. وأنه لا يعاقب إلا بإرسال الرسل. وأن الفعل نفسه حسن وقبيح. " (مدارج السالكين1/ 254- 255 ط 1 )

وفصّل ابن القيم القول في موضع آخر ، فتكلم فيما يجب به التوحيد ، فقال رحمه الله : " فاختلف فيها الناس . فقالت طائفة: يجب بالعقل. ويعاقب على تركه. والسمع مقرر لما وجب بالعقل مؤكد له. فجعلوا وجوبه والعقاب على تركه ثابتين بالعقل . والسمع مبين ومقرر للوجوب والعقاب. وهذا قول المعتزلةَ ومن وافقهم من أتباع الأئمة في مسألة التحسين والتقبيح العقليين.

وقالت طائفة: لا يثبت بالعقل. لا هذا ولا هذا. بل لا يجب بالعقل فيها شيء. وإنما الوجوب بالشرع. ولذلك لا يستحق العقاب على تركه. وهذا قول الأشعرية ومن وافقهم على نفي التحسين والتقبيح. والقولان لأصحاب أحمد والشافعي وأبي حنيفة.

والحق: أن وجوبه ثابت بالعقل والسمع ، والقرآن على هذا يدل ، فإنه يذكر الأدلة والبراهين العقلية على التوحيد ، ويبين حسنه وقبح الشرك عقلاً وفطرة، ويأمر بالتوحيد وينهى عن الشرك ، ولهذا ضرب الله سبحانه الأمثال وهى الأدلة العقلية.وخاطب العباد بذلك خطاب من استقر في عقولهم وفِطَرِهم حسن التوحيد ووجوبه وقبح الشرك وذمه. والقرآن مملوء بالبراهين العقلية الدالة على ذلك. كقوله: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) (الزمر 29 ) وقوله : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا ًعَبْداً مَمْلُوكاً لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (النحل 75 -76 )
وقوله : ( ياأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئاً لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ . مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج 73 –74 ) إلى أضعاف ذلك من براهين التوحيد العقلية التي أرشد إليها القرآن ونبه عليها.

ولكن ههنا أمر آخر . وهو أن العقاب على ترك هذا الواجب يتأخر إلى حين ورود الشرع. كما دل عليه قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء: 15) وقوله: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ . قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ) الملك 8-9) ،
وقوله : ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) (القصص:59) ، وقوله : (ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ) ( الأنعام:131) ، فهذا يدل على أنهم ظالمون قبل إرسال الرسل. وأنه لا يهلكهم بهذا الظلم قبل إقامة الحجة عليهم. فالآية رد على الطائفتين معاً ، من يقول: إنه لا يثبت الظلم والقبح إلا بالسمع ، ومن يقول: إنهم معذبون على ظلمهم بدون السمع . فالقرآن يبطل قول هؤلاء وقول هؤلاء .كما قال تعالى: (وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) (القصص: 47) ، فأخبر : أن ما قدمت أيديهم قبل إرسال الرسل سبب لإصابتهم بالمصيبة. ولكن لم يفعل سبحانه ذلك قبل إرسال الرسول الذي يقيم به حجته عليهم ، كما قال تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِأَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) ( النساء: 165) ، وقال تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ . أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ . أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ) (الأنعام:156- 157)
وقوله : ( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ . أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ . أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ . بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ) (الزمر 56 – 59) ، وهذا في القرآن كثير يخبر أن الحجة إنما قامت عليهم بكتابه ورسوله، كما نبههم بما في عقولهم وفطرهم : من حسن التوحيد والشكر ، وقبح الشرك والكفر.

وقد ذكرنا هذه المسألة مستوفاة في كتاب « مفتاح دار السعادة » وذكرنا هناك نحواً من ستين وجهاً. تبطل قول من نفى القبح العقلي ، وزعم أنه ليس في الأفعال ما يقتضي حسنها ولا قبحها. وأنه يجوز أن يأمر الله بعين ما نهي عنه. وينهي عن عين ما أمر به. وأن ذلك جائز عليه. وإنما الفرق بين المأمور والمنهي بمجرد الأمر والنهي ، لا بحُسْن هذا وقبح هذا. وأنه لو نهي عن التوحيد والإيمان والشكر لكان قبيحاً. ولو أمر بالشرك والكفر والظلم والفواحش لكان حسناً. وبينا أن هذا القول مخالف للعقول والفطر ، والقرآن والسنة.

- إلى أن قال - : واعلم أنه إن لم يكن حسن التوحيد وقبح الشرك معلوماً بعقل ، مستقراً في الفطر ، فلا وثوق بشيء من قضايا العقل . فإن هذه القضية من أجل القضايا البديهيات ، وأوضح ما ركب الله في العقول والفطر . ولهذا يقول سبحانه عقيب تقرير ذلك ( أفلا تعقلون ؟ أفلا تذكرون ؟ ) وينفي العقل عن أهل الشرك، ويخبر عنهم بأنهم يعترفون في النار : أنهم لم يكونوا يسمعون ولا يعقلون. وأنهم خرجوا عن موجب السمع والعقل ، وأخبر عنهم : أنهم (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) (البقرة :171) ، وأخبر عنهم أن سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم لم تغنِ عنهم شيئاً. وهذا إنما يكون في حق من خرج عن موجب العقل الصريح والفطرة الصحيحة. ولو لم يكن صريح العقل يدل على ذلك لم يكن في قوله تعالى «انظروا» و «اعتبروا » و « سيروا في الأرض ، فانظروا» فائدة.
فإنهم يقولون: عقولنا لا تدل على ذلك. وإنما هو مجرد إخبارك. فما هذا النظر والتفكير والاعتبار والسير في الأرض ؟ وما هذه الأمثال المضروبة ، والأقيسة العقلية والشواهد العيانية؟ أفليس في ذلك أظهر دليل على حسن التوحيد والشكر ؟. وقبح الشرك والكفر مستقر في العقول والفطر . معلوم لمن كان له قلب حي ، وعقل سليم، وفطرة صحيحة ؟ " (مدارج السالكين ج 3 ص 509 - 513، ط 1)

أقول : فمن هذا البحث في قضية تحسين وتقبيح الأفعال قبل الرسالة نخرج بما يلي :
أن حكم واسم الشرك ثابت قبل الرسالة والعلم والبيان ، وأن الحجة عليه : العقل وآية الميثاق والآيات الكونية التي تدل على الوحدانية والفطرة التي فطر الله جل ثناؤه العباد عليها . وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة الرسالية عليه . فالعذاب يستحق بسببين :
أحدهما : الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها وهو كفر الإعراض .
الثاني : العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها وهو كفر العناد .
وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل .
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كلام أهل العلم في مسألة الجهل . غربة التوحيد لا عذر بالجهل في الشرك الأكبر 0 04-18-2019 01:53 PM
فتوى حول مسألة التحاكم أبو سلمان الصومالي قسم فتاوى العقيدة 1 12-09-2016 04:05 PM
مسألة طلب اللجوء الى دول اوروبا من المسلمين قسم فتاوى الفقه 0 09-22-2015 11:04 PM
مسألة التسلسل ابو البراء قسم فتاوى العقيدة 1 02-09-2014 11:28 PM


الساعة الآن 06:50 PM


جميع المشاركات تعبّر عن وجهة نظر صاحبها ولا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر إدارة المنتدى