منتدى دعوة الحق  

العودة   منتدى دعوة الحق > منهاج المسلم > العقيدة > الكفر بالطاغوت ركن التوحيد

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 09-29-2019, 08:07 PM
عزة الاسلام عزة الاسلام غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jul 2011
المشاركات: 190
افتراضي مفاهيم بين يدي البحث

مفاهيم بين يدي البحث

لكي يدرك المرء حقيقة موقفه من عبادة الله ، وفي أي دين هو ، ومن مألوهه المطاع : الله أم الطاغوت ، أرى أنه لا بد من تناول المفاهيم التالية كتمهيد ضروري للبحث ، وهي :
العبادة ، الدين ، الإله ، الطاغوت .


وبخاصة أن هذه المفاهيم والمصطلحات قد اعترتها كثير من الشروحات والتفسيرات الخاطئة التي شوهت حقيقة معانيها في أذهان الناس ، وبالتالي فهم إذا ما خوطبوا بها حملوها على غير محملها الشرعي الصحيح ، مما جعلهم أن يقعوا في المحظور ، وأن يكونوا طعما سهلا للشباك التي ينصبها لهم الطواغيت .

1- العبادة :
العبادة لغة : تعني التذلل والخضوع والطاعة والدينونة ، ومنه الطريق المعبد إذا كان مذلل بكثرة الوطء .
وشرعا : فهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة ، ويتضمن ذلك كمال الخضوع والطاعة والانقياد مع كمال الحب لله تعالى .
وإفراد الله بالعبادة يقتضي إفراده بأركان العبادة الثلاث :
النسك .. التشريع .. الولاية أي :
إفراد الله بالنسك أو الشعائر التعبدية …

إفراد الله بالحكم والتشريع …
إفراد الله بالولاية …


فمن أتى بالطاعة والانقياد من غير حب لله تعالى فهو منافق مبغض ، ومن زعم حب الله تعالى من غير طاعة ولا انقياد لظاهر الشريعة فهو زنديق كذاب ، كما قال تعالى : ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [آل عمران : 31]
قال ابن كثير : " هذه الآية حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله " .

ومما تقدم يعلم أن العبادة شاملة لجميع جوانب ومجالات الحياة الإنسانية ، فأي قول أو عمل أو اعتقاد يرضي الله تعالى ويتقرب به إليه فهو داخل في مسمى العبادة والعبادة تطاله وتشمله .
وبالتالي فإن العبد عندما يُطالب بعبادة الله تعالى وحده ، فهو يراد منه هذا المعنى العام لمعنى العبادة : عبادته تعالى وحده في الركوع والسجود والخضوع ، وعبادته في الصوم والحج والنذر والنسك ، وعبادته في الحب والكره ، والجهاد والتضحية ، والخشية والتوكل ، وفي الدعاء والإنابة والرجاء ، وفي الطاعة والانقياد والاتباع والحكم والتحاكم ، وغيرها من الأمور الواجبة والمستحبة شرعا .

ولا أدل على ذلك من قوله تعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56]
قال ابن القيم : " أخبر سبحانه أنه إنما خلقهم للعبادة ، وكذلك إنما أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه ليعبدوه فالعبادة هي الغاية التي خلقوا لها " .

وكذلك قوله تعالى : ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) [الأنعام: 162- 163]
قال ابن الجوزي : " مقصود الآية أنه أخبرهم أن أفعالي وأحوالي لله وحده ، لا لغيره كما تشركون أنتم به " .

فكما أن النسك والشعائر التعبدية لله وحده ، كذلك بقية الحياة وما يعتريها من أحوال وتقلبات ومواقف فهي كلها لله تعالى وحده ، حتى الممات يجب أن يكون لله وفي الله وليس للوطن أو لأوثان نصبت في زماننا - فتنت الناس عن دينها - ما أنزل الله بها من سلطان .

ومن الأدلة كذلك على شمولية العبادة في الإسلام وأنها أعم من النسك والشعائر ، قوله تعالى : (وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)[البينة: 5]
فالأمر بالعبادة هنا جاء عاما شاملا لجميع جوانب العبادة ومجالاتها ، ثم خص الله تعالى بالذكر من مجالات العبادة الصلاة والزكاة لبيان أهميتهما في الإسلام .

نحو ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " بني الإسلام على خمس ، على أن يعبد الله ويكفر بما دونه ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان" .
فالأمر بالصلاة والزكاة وحج البيت وصوم رمضان ليس تكرارا للأمر بعبادة الله تعالى ، وإنما هي تخصيص هذه الفرائض من عموم يشمل جميع مجالات العبادة وعلى رأسها التوحيد .
و غيرها كثير من الأدلة التي تدل على أن العبادة في الإسلام أشمل وأعم من أن تحصر في المناسك والشعائر التعبدية وحسب .

ولكن مع مرور الزمن على حملات التضليل والتجهيل - المكثفة والمستمرة - بحقيقة هذا الدين ، التي تنهض بها العلمانية الكافرة من جهة ، وأعوان الطواغيت من المشايخ المأجورين المنتفعين التي تنفخهم الأنظمة الطاغوتية بإعطائهم صفة العلامة والعالم ، لتضليل الناس وإسباغ الشرعية للأنظمة الطاغوتية الحاكمة ، مما أدى إلى تشويه وانحسار كثير من المفاهيم الشرعية عن مدلولها الشرعي الصحيح ، من تلك المفاهيم - التي طالتها أيدي التضليل والتشويه – العبادة ، حيث حصروها في دائرة أداء المناسك والشعائر التعبدية التي ساحتها المساجد والمعابد والزوايا وحسب !

حتى تشكل لدى كثير من الناس أن العبادة تعني تلك الشعائر وحسب ، فانعكس ذلك سلبا على تصوراتهم وعقائدهم وسلوكهم، ولربما تجد أحدهم يعبد الله في الركوع والسجود لكنه يعبد من دونه آلهة أخرى في المجالات الأخرى للعبادة ، ثم بعد ذلك يظن نفسه أنه على الحق المبين !

ولو أنكر عليه منكر فإنه سرعان ما ينظر إلى إنكاره نظرة اعتراض واستهجان واستغراب ، وعلى أنه يريد أن يقحم السياسة ساحة الدين ، ويقحم الدين مجالات ليست تابعة له ولا من اختصاصه !
لذا فإنه يتعين علينا أن نبين للناس أخص ما يدخل في مسمى العبادة ، ويُجري على صاحبه مسمى العبودية سواء أقر بذلك أم لم يقر ، وليعلم أهو داخل في عبادة الله وطاعته وحده أم في عبادة المخلوق وطاعته ، (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ) [الأنفال : 42] من ذلك :

أ - الطاعة :
اعلم أنه لا يُطاع لذاته إلا الله سبحانه وتعالى لأنه الإله المعبود المستحق لذلك ، ولأنه تعالى لا يأمر إلا بالحق والعدل ، وما سواه - أيا كانت صفته وهيئته - فإنه يُطاع لغيره - أي لله - لا لذاته ، وأيّـما مخلوق يطاع لذاته فهو مألوه معبود ، والمطيع له - على هذا الوجه - هو عبد له بكل ما تعني كلمة العبودية من معنى ، وداخل في مسماها لغة واصطلاحا ، ثم أي مخلوق يأمر بأن يطاع على هذا الوجه فاحذره وحذِّر منه ، واعلم أنه طاغوت كبير يجب الكفر به .

وقولنا يطاع لذاته ، أي يطاع لأن ذاته مستحقة للطاعة بغض النظر عن طبيعة الأوامر الصادرة عنه وصفتها ، ومثل هذه الطاعة لو أعطيت لمخلوق فهي عين الشرك والكفر البواح ، وإليك بعض الأدلة على ذلك :

قال تعالى : (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)[يس: 60]، عبادة الشيطان هنا بطاعته في معصية الله ، زين لهم الشرك فأطاعوه ، فتلك كانت عبادتهم إياه .

وكذلك قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ )[سورة محمد : 25-26] وفي قوله : ( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا ..) ، قال ابن كثير : " أي فارقوا الإيمان ورجعوا إلى الكفر " .
وذلك كان بسبب قولهم للذين كرهوا شرع الله سنطيعكم في بعض الأمر ، وإذا كان الأمر بهذا الحزم والخطورة فما يكون القول إذا فيمن يقولون للذين تجاوزوا مرحلة الكره إلى مرحلة المحاربة العداوة الظاهرة لشرع الله عز وجل سنطيعكم في كل الأمر وكل ما تأمرون به ؟! لا شك أنهم أولى في الكفر والارتداد والخروج من الدين .

ونحو ذلك قوله تعالى : ( وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) [الأنعام : 121].أي إن أطعتموهم في استحلال أكل الميتة بعدما حرّمها الله عليكم إنكم لمشركون مثلهم بعد أن كنتم مؤمنين (1) .
ولا يسمى شيء شركا إلا إذا كان فيه نوع عبادة وتأليه للمخلوق ، فحيثما يرد ذكر الشرك والكفر فاعلم أنه يوجد نوع عبادة وتأليه لغير الله عز وجل .

ونوع العبادة والتأليه للمخلوق هنا يكمن في طاعة المشركين في أخص خصيصة من خصوصيات الله عز وجل ، ألا وهي خاصية التحليل والتحريم ، والتحسين والتقبيح ، كما قال تعالى : (إِنْ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ) [يوسف : 40]، وقال : ( وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ) [الكهف : 26].

فالذي يقول للمخلوق - أيا كانت صفته وهيئته ونوعه ، كان شخصا أو نظاما أو مجلسا أو غير ذلك فلا فرق : أنت لك خاصية التشريع ، والتحليل والتحريم ، والتحسين والتقبيح ، فما تقول عنه حسن فهو الحسن وما تقول عنه قبيح فهو القبيح ، ولك الأمر من قبل ومن بعد، ولك علينا حق الطاعة في ذلك ، فقد زعم له الألوهية التي زعمها فرعون لنفسه ، وتحققت له عبوديته - وإن صلى وصام وقال إنني من المسلمين - وجعل منه ندا لله في أخص خصوصياته سبحانه وتعالى .

قال ابن حزم : " العبادة إنما هي الاتباع والانقياد مأخوذة من العبودية ، وإنما يعبد المرء من ينقاد له ومن يتبع أمره ، وأما من يعصي ويخالف فليس عابد له وهو كاذب في ادعائه أنه يعبده " (2)

ومما يوضح ذلك أكثر قوله تعالى : (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) [التوبة : 31].
قال البغوي في التفسير : " فإن قيل إنهم لم يعبدوا الأحبار والرهبان – بمعنى الركوع والسجود – قلنا : معناه أنهم أطاعوهم في معصية الله واستحلوا ما أحلوا وحرموا ما حرموا ، فاتخذوهم كالأرباب .

وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال لي : " يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك " ، فطرحته فلما انتهيت إليه وهو يقرأ : ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّه) ،حتى فرغ منها قلت : إنا لسنا نعبدهم ، فقال : " أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ، ويحلون ما حرم الله فتستحلونه " ، قال : نعم ، قال : " فتلك عبادتهم " .

فتأمل كيف جعل النبي  طاعة الأحبار والرهبان في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله عبادة لهم ، واتخاذهم أربابا من دون الله .
ولو أمروهم أن يصلوا ويصوموا لهم لما أطاعوهم ولربما رجموهم ، لأن مثل هذه الشعائر عبادة ظاهرة لا تخفى على عوام الناس فضلا عن خاصتهم ، ولكن جاؤوهم من جهة الطاعة والانقياد - و هذا أمر تخفى فيه صفة العبودية على كثير من الناس- فأطاعوهم وعبدوهم من دون الله من هذا الوجه ، ومن غير حرج !

قال أبو البختري : " أما إنهم لم يصلوا لهم ، ولو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله - بمعنى السجود والركوع - ما أطاعوهم ، ولكن أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه وحرامه حلاله فأطاعوهم ، فكانت تلك الربوبية . وتلك عبادتهم .

قال ابن تيمية : " فمن جعل غير الرسول (3) تجب طاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه ، وإن خالف أمر الله ورسوله فقد جعله ندا ، وربما صنع به كما تصنع النصارى بالمسيح ، فهذا من الشرك الذي يدخل صاحبه في قوله تعالى : ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) [سورة البقرة: 165] " .

وقال : " فمن طلب أن يطاع دون الله فهذا حال فرعون (4)، ومن طلب أن يطاع مع الله فهذا يريد من الناس أن يتخذوا من دون الله أندادا يحبونه كحب الله . والله سبحانه أمر أن لا يعبد إلا إياه ، وأن لا يكون الدين إلا له ، وأن تكون الموالاة فيه والمعاداة فيه " .

ورحم الله سيد قطب إذ يقول : " عندما يدعي عبد من العبيد أن له على الناس حق الطاعة لذاته ، وأن له فيهم حق التشريع لذاته ، وأن له كذلك حق إقامة القيم والموازين لذاته ، فهذا هو ادعاء الألوهية ولو لم يقل كما قال فرعون : ( أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى) [سورة النازعات: 24] ، والإقرار به هو الشرك بالله أو الكفر به، وهو الفساد في الأرض أقبح الفساد …
إن الذي يملك حق التحريم والتحليل هو الله وحده ، وليس ذلك لأحد من البشر ، لا فرد ولا طبقة ولا أمة ولا الناس أجمعين ، إلا بسلطان من الله وفق شريعة الله …
والتحليل والتحريم - أي الحظر والإباحة - هو الشريعة ، هو الدين ، فإذا كان الذي يحلل هو الله ، فالناس إذن في دين الله . وإن كان الذي يحرم أو يحلل أحد غير الله ، فالناس إذن يدينون (5) لهذا الأحد ، وهم إذن في دينه لا في دين الله ، والمسألة على هذا الوضع هي مسألة الألوهية وخصائصها ، وهي مسألة الدين ومفهومه ، وهي مسألة الإيمان وحدوده ، فلينظر المسلمون في أنحاء الأرض أين هم من هذا الأمر ؟ أين هم من هذا الدين ؟ وأين هم من الإسلام وإن كانوا ما يزالون يصرون على ادعائهم للإسلام !! " .

لذلك نجد أن الإسلام قد رشد قضية الطاعة أيما ترشيد منعا للنفوس المريضة أن تستغلها فتتمادى في غيها وظلمها وطغيانها ، فمنع من طاعة المخلوق – أي مخلوق – في معصية الخالق سبحانه وتعالى ، وجعل طاعته – فقط – في المعروف وبما فيه طاعة لله عز وجل ، وإلا فلا سمع ولا طاعة أصلا .
كما في الحديث : " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ، ما لم يؤمر بمعصية ، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " . وفي رواية : " لا طاعة لبشر في معصية الله ، إنما الطاعة في المعروف ".
وقال صلى الله عليه وسلم : " طاعة الإمام حق على المرء المسلم ، ما لم يأمر بمعصية الله عز وجل ، فإذا أمر بمعصية الله فلا طاعة له " (6) .

وقال صلى الله عليه وسلم : "سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السنة ، ويعملون بالبدعة ، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها ، فقلت - وهو عبد الله بن مسعود- : يا رسول الله إن أدركتهم كيف أفعل ؟ قال : تسألني يا ابن أم عبد كيف تفعل ؟! لا طاعة لمخلوق في معصية الله " .
وقال : " من أمركم من الولاة بمعصية فلا تطيعوه " .
حتى الوالدين - على فضلهما وعظم حقهما على الولد - لا طاعة لهما إن أمرا ابنهما بمعصية الله عز وجل ، كما قال تعالى : (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا) [لقمان : 15].
_____________________________
(1): ينبغي للقارئ أن يدرك أن الطاعة المذمومة شرعاً نوعان : نوع مكفر يخرج صاحبه من الملة ، ونوع دون ذلك لا يُخرج صاحبه من الملة ، أما النوع المكفر الذي يخرج صاحبه من الملة : أن يُنظر لمخلوق - أيا كانت صفته ونوعه - أن له حق الطاعة على العباد لذاته ولمكانته ، وأن أمره يُطاع لأنه هو صاحب الأمر والنهي بغض النظر هل وافق الحق فيما أمر أو نهى عنه .. فهذه طاعة مكفرة لأنها تتضمن التأليه للمخلوق .
وكذلك من الطاعة المكفرة طاعة المشركين والكفار فيما هو كفر وشرك ، كأن يأمروه بموالاتهم على المسلمين ، أو بتحليل ما قد حرّمه الله ، وغير ذلك من الأمور المكفِّرة .. فطاعتهم على ذلك كفر وشرك وصاحبها يكفر لوقوعه في الكفر والشرك وليس لمجرد الطاعة ، إلا إذا كان يعتقد في المطاع أن له حق الطاعة لذاته فهنا يكون كفرا لمجرد الطاعة أو الإقرار لهذه الخاصية كما تقدم .
أما النوع غير المكفِّر الذي لا يخرج صاحبه من الملة ، وإنما يوقعه في دائرة الفسوق والعصيان هي الطاعة التي تكون دون ما تقدم ، كالطاعة فيما يعتبر من المعاصي والذنوب التي هي دون الكفر ، ما لم يتبع هذه الطاعة استحلال وتحسين لتلك المعاصي والذنوب فحينها تكون طاعة مكفِّرة .
فإذا عرفت ذلك ، فتأمل كم هم المطاعون لذواتهم في زماننا ، وكم هم الذين يعطونهم الطاعة على ذلك ، فستجد أن مجتمعاتنا تغص بالآلهة المزعومة المكذوبة ، وأن أكثر الناس على عبادتهم من دون الله ، سواء علموا أم جهلوا .

(2)الإحكام ، قلت : هذا كلام ينبغي أن يحمل على التفصيل المتقدم في بيان نوعية الطاعة التي تكفر ، والطاعة التي لا تكفر .

(3) طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من طاعة الله عز وجل ، لأن الأنبياء لا يأمرون إلا بما يأمر به الله ، لذا فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من أطاعني فقد أطاع الله " ، والأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه جاء في أكثر من ثلاثين موضع وآية من القرآن الكريم.

(4)أي هو مثل فرعون حيث يطلب أن يفرد بالطاعة من دون الله ، وما أكثر الفراعنة في زماننا الذين يدّعون هذا الادعاء لأنفسهم.
(5) يدينون له إن قبلوا به مشرعاً لهم من دون أو مع الله ، أو اتبعوه فيما يحلّل ويحرّم . هكذا ينبغي أن يحمل كلام سيد رحمه الله.

(6) رواه أحمد ، أقول : النهي عن طاعة الإمام الوارد في الأحاديث أعلاه ، لا يستلزم الخروج عليه وعدم طاعته مطلقا ، وإنما اعتزاله وعدم طاعته فيما يعتبر معصية فقط ، إلا إذا كانت المعصية التي يأمر بها من النوع التي تكفره وتخرجه من الملة ، فحينها لا طاعة له البتة ، ويتعين الخروج عليه بالسيف لقوله تعالى :
(وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا) [النساء : 141] ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : " إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان " ، ولقوله : " من ارتد عن دينه فاقتلوه " رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

يتبع بعون الله
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
هل يكفر من يسمح لزوجته أن تسافر و تبيت خارج البيت بدون محرم خادم المسلمين قسم فتاوى الفقه 2 04-21-2011 10:14 PM


الساعة الآن 01:12 AM


جميع المشاركات تعبّر عن وجهة نظر صاحبها ولا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر إدارة المنتدى