الخميس , أغسطس 17 2017
الرئيسية / المقالات / التوحيد / لطائف ودلالات من آية التحاكم
tahakom

لطائف ودلالات من آية التحاكم

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا 65]

1_ قوله تعالى { ألم تر } تعجيب شديد من قوم يظهرون الايمان بالله وبما أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم وهم مع ذلك يريدون ويختارون التحاكم إلى غير شرع الله وشرع رسوله صلى الله عليه وسلم . وقد سمى الله قولهم أنهم مؤمنون كذباً وزعماً لاختيارهم وقصدهم التحاكم الى الطاغوت . والآية تبين و توضح بجلاء أن قولهم لم يكن ليسمى زعماً وكذبا ً في حكم الظاهر لولا قصدهم واختيارهم لذلك الفعل المشين , و المناقض تمام المناقضة لشهادة الايمان والاسلام
.
2_ قوله { يزعمون } تنبيه للنبي إلى مراعاة الظاهر في الحكم حيث لم يعلق وصفهم بأنهم يزعمون على أمر باطني غيبي بل نبهه الى مناقضة الظاهر من عملهم للظاهر من قولهم , وإلا فإن النبي ومن تبعه مأمورون باتباع الظواهر وترك السرائر الى الله تعالى .

3_ قوله { يزعمون انهم امنوا بما أنزل اليك ….يريدون ان يتحاكموا } دل على أن من المعاني الاساسية لشهادة الايمان والاسلام , الاستسلام لحكم الله تعالى والتحاكم الى شرعه دون سواه , فلما لم يختاروا التحاكم في محل النزاع الى شرع الله بل الى الطاغوت دل على انتفاء الايمان ومناقضة شهادة الاسلام .
4_ قوله { يريدون } الارادة هنا الارادة الظاهرية بمعنى الاختيار والعزم الذي هو ضد الاكراه وليس بمعنى الرضا القلبي البا طني . فإن الله لم يشرع لنبيه صلى الله عليه وسلم ولا اتباعه أن ينظروا الى ارادة باطنة بل الى شيءٍ ظاهر معلوم فمن كان بمحض اختياره متحاكماً الى الطاغوت فقد وقع في حكم الاية ولا سبيل لنا الى شق صدره ومعرفة ما انطوى عليه قلبه واعتقاده فذلك شأنه الى الله تعالى .

5_قوله { يتحاكموا } التحاكم هو طلب فض النزاع بحكم فمن توجهت اليه في حل نزاع بحكم فهو تحاكم اليه فإن كان ما استند اليه هذا الحاكم هو شرع الله فإن التحكيم راجع في اصله الى الله ورسوله . وإن كانت الجهة المستند اليها في الحكم سلطة بشر او هوى او قانون جاهلي فهو تحاكم الى الطاغوت .
6_ قوله { الى الطاغوت } دل على أن كل شرع وقانون لم يصدر عن الله او باسمه وهيمنته فهو طاغوت . فمن تحاكم الى قوانين وافقت شرع الله مصادفة , او عمداً ولكن ليس باسم الله بل باسم البشر وسلطة البشر فإنما هو متحاكم الى الطاغوت .

7_ قوله { وقد أمروا ان يكفروا به } دل دلالة قطعية على أن مجرد ارادة التحاكم الى الطاغوت إنما هو ايمان به , والايمان بالطاغوت كفر بالله قال تعالى { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى } فشهادة التوحيد تقتضي الكفر بالطاغوت لا الايمان به فمن اراد التحاكم الى الطاغوت فقد امن بالطاغوت ومن آمن بالطاغوت فقد كفر بالله .

8_ قوله { ويريد الشيطان } دل على أن المزين والداعي الاول للكفر وعبادة غير الله إنما هو الشيطان فهو الطاغوت الاكبر إذ كل عبادة لغير الله وكل شرك إنما هو بتزيينه وأمره قال تعالى { ألم اعهد اليكم يا بني ادم أن لا تعبدوا الشيطان } .
9_ قوله { أن يضلهم ضلالاً بعيداً } دل على أن ارادة التحاكم الى غير شرع الله إنما هو ضلال بعيد والضلال البعيد إنما هو الشرك الصريح والكفر البواح فاقرؤا ان شئتم قوله تعالى { وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116) [النساء : 116] وقوله تعالى { وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136) [النساء : 136] .

10 _ إذا كان فعل التحاكم الى الطاغوت شرك صريح وكفر بواح , ولا يكون الشيء شركاً إلا لأن فيه نوع عبادة لغير الله , فالمتحاكم الى الطاغوت قد صرف عبادة التحاكم لغير الله وبتحاكمه لغير الله فقد اشرك مع الله غيره وكفر بصفة أن الله هو الحكم وإن اليه الحكم وإن مازال يردد هذا بلسانه فدلالة الفعل مقدمة على دلالة القول , وكما قال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه { إِنَّ نَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْىِ فِى عَهْدِ النبى – صلى الله عليه وسلم – ، وَإِنَّ الْوَحْىَ قَدِ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ، وَقَرَّبْنَاهُ، وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ، اللَّهُ يُحَاسِبُهُ فِى سَرِيرَتِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا شَرًا لَمْ نَأْمَنْهُ، وَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وَإِنْ قَالَ: إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ.}
وعلى هذا فمن تحاكم الى الطاغوت فقد اظهر الشرك الصريح والكفر البواح فلا ينظر الى قوله وعذره إلا أن يكون الاكراه المعتبر شرعاً , ومَن عذره باعذار او التمس لتكفيره شروطاً لم توجد في كتاب الله فقد كذب على الله وافترى . كمن اشترط لتكفير المتحاكم العلم بأن التحاكم كفر أو أنه ليس قادراً على ارجاع حقه إلا بهذه الطريق وهذا السبيل ولا يوجد حكم الله في ارض الواقع أو ان خصمه لم يرتض التحاكم الى الشرع فوافقه لكي لا يضيع حقه وما إلى ذلك من تلبيسات شيطانية لم ترد في نص الاية القرانية ولا في الاصول العامة المرعية .
فلو عرف هذا توحيد الله وما يستحقه الله من العبادة وخاصة عبادة التحاكم لما جعل مسألة التحاكم مسألة حق وحقوق ولو عرف هذا حقيقة الشرك لما عذر الواقع فيه او اشترط له عدم التمكن من تحكيم شرع الله !! فهل عدم القدرة على الزواج تبيح الزنا وهل عدم وجود مساجد يعبد فيها الله يبيح عبادة غير الله من الاصنام والاوثان في بيوت السدنة والكهان ؟؟ حتى جاز لهذا الجاهل الجهول أن يقول بجواز التحاكم للطاغوت إذ لم يكن يوجد محاكم شرعية تحكم بين العباد فيما فيه يتنازعون !! أو لعدم وجود دولة وسلطان يأخذ الحق من الخصوم !!
ثم منهم من يقول لا يعتبر التحاكم شركاً إن كان صادرا من موحد مسلم معروف , فما ذاك الفعل بقاطع على شركه وكفره المظنون !! وحجة هذا الجاهل أن الاسلام ثابت له في زمن غربة ولو لم يكن مسلماً ظاهراً وباطنا لما عرفنا ايمانه واسلامه فصدور التحاكم منه ظاهرا لا يلزم منه انتقاء الايمان الباطن !! فظن هذا المكذب المفتون أنا يوماً ما حكمنا باسلام امريءٍ بعلم منا بباطن وسريرةٍ في قلب مكنون !! واصم أذنه وأعمى بصره عن شيء اسمه المنافقون الذين هم في احكامنا مسلمون مؤمنون !! فكما نحكم على المنافق بالاسلام لظاهره نحكم على المسلم بالكفر والشرك لظاهره وليس لنا من شق قلب او تخيل باطن فذلك مرده الى الله .

بقلم أبو أسيد الأنصاري وفقه الله لما يحبه ويرضاه.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *