الجمعة , يونيو 23 2017
الرئيسية / المقالات / شبهات مرجئة العصر
622

شبهات مرجئة العصر

المرجئة سموا مرجئة لأنهم أخروا العمل عن الإيمان فالإرجاء معناه التأخر.

وهذه الشبهة الخبيثة نسمعها كثيرا وهي قولهم
( الإيمان في القلب)
ومهما يفعل الإنسان من كفريات فلا اعتبار لعمله مادام قلبه فيه إيمان ونيته صالحة ولا يرون شيئا من الأعمال كفر إلا إذا اقترن معها الجحد أو الاستحلال والعجيب من الأمر إن هاته الشبهة لا يقول بها عوام الناس فقط وإنما نسمعها من كبار الدعاة
(دعاة على أبواب جهنم)
فهم قد درسوا معنى الإيمان ويشرحون لك معناه وهذا كثير في كتبهم وأشرطتهم
أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان…
لكنهم لا ينزلونه على ارض الواقع فالذنوب جميعها عندهم ناقصة لكمال الإيمان فقط وليس فيها شيء ناقض لأصل الإيمان إلا إذا استحل أو جحد..
يقول النبي صلى الله عليه وسلم
الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا اله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان.
(رواه مسلم)

وفي هذا بيان انه ليس جميع شعب الإيمان متساوية فشعبة لا اله إلا الله ليست كشعبة الحياء…
بل منها ما في زواله نقص للإيمان فقط كالحياء
ومنها ما في زواله نقض للإيمان كشعبة لا اله إلا الله
فهناك من جعلوا زوال أي شعبة من شعب الإيمان مزيل لأصل الإيمان كالخوارج وغيرهم من غلاة المكفرة
وهناك من جعل زوال شعب الإيمان كلها ناقص للإيمان فقط ولاشيء منها مزيل أو ناقض لأصله وهم مرجئة العصر

أما أهل السنة والجماعة فهم وسط في أبواب الإيمان والكفر فيحكمون بما حكم به الشارع فان حكم بأنه يزيل أصل الإيمان وينقضه حكموا به، وان حكم بأنه ينقص ويؤثر فقط في كمال الإيمان ولا يزيله حكموا به فالحكم ما حكم به الله سبحانه وتعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم.

واليك بعض اقوال العلماء في ذلك

قال الإمام ابن حزم في محلاه
ولم يختلفوا في أن فيه كتاب الله التسمية بالكفر والقطع بحكم الكفر على من نطق بأقوال معروفة
كقوله تعالى
(لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم)
وقوله تعالى
(ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم)

فصح أن يكون الكفر كلاما .

وقال في الفصل في الملل والأهواء والنحل ج 5 قوله

(وأما قولهم أن شتم الله تعالى ليس كفرا وكذلك شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه دليل أن في قلبه كفر قال فهو دعوى لأنه الله تعالى قال
(يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم) فنص تعالى على أن من الكلام ما هو كفر.
وقال تعالى
(قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم )
فنص تعالى على أن الاستهزاء بالله تعالى أو بآياته أو برسول من رسله كفر مخرج عن الإيمان ولم يقل تعالى في ذلك أني علمت أن في قلوبهم كفرا بل جعلهم كفارا بنفس الاستهزاء ومن ادعى غير هذا فقد قول الله تعالى ما لم يقل وكذب على الله تعالى .
وقال في الفصل أيضا (3/253 )
في رده على أهل الإرجاء لو أن إنسانا قال أن محمد صلى الله عليه وسلم كافر وكل من تبعه كافر وكل من تبعه كافر وسكت وهو يريد كافرون بالطاغوت كما قال تعالى
(فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها)
لما اختلف احد من أهل الإسلام في أن قائل هنا محكوم له بالكفر وكذلك لو قال أن إبليس وفرعون وأبا جهل مؤمنون

لما اختلف احد من أهل الإسلام في أن قائل هذا محكوم له بالكفر وهو يريد أنهم مؤمنون بدين الكفر..

علق صاحب الكتاب بقوله فصح إننا كفرناه بمجرد قوله وكلامه الكفري ولا دخل لنا بمغيب اعتقاده…

وهكذا كل من اظهر قولا أو عملا كفريا كفرناه بمحض ذلك القول أو العمل إذ مغيب اعتقاده لا يعلمه إلا الله عز وجل…
وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم
( إني لم أومَرْ أن أُنَقِّبَ قلوبَ الناسِ ولا أشُقَّ بطونَهم )
رواه البخاري

فالمدعي خلاف هذا مدع علم الغيب ومدعي الغيب لاشك كاذب..

وقال في الفصل 3/259

(وقد شهد الله تعالى بان أهل الكتاب يعرفون الحق ويكتمونه ويعرفون أن الله تعالى حق وان محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم حق ويظهرون بألسنتهن خلاف ذلك وما سماهم الله عز وجل قط كفارا إلا بما ظهر منهم بألسنتهم وأفعالهم

قال تعالى

(فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا)

قال ابن حزم في الفصل 3/243:

(وهذا أيضا نص جلي لا يحتمل تأويلا على أن الكفار جحدوا بألسنتهم الآيات التي أتى بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام..واستيقنوا بقلوبهم أنها حق )

قال الله عز وجل

(إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم )
قال ابن حزم(3/262):
فجعلهم تعالى مرتدين كفارا بعد علمهم الحق وبعد أن تبين لهم الهدى بقولهم للكفار ما قالوا فقط.
واخبرنا تعالى انه يعرف إسرارهم ولم يقل تعالى أنها جحد أو تصديق بل قد صح أن في سرهم التصديق لان الهدى قد تبين لهم ومن تبين له شيء فلا يمكن البتة أن يجحده بقلبه أصلا.
وقال تعالى
( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون)
فهذا نص جلي وخطاب للمؤمنين بان إيمانهم يبطل جملة وأعمالهم تحبط برفع أصواتهم فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم دون جحد كان منهم أصلا ولو كان منهم جحد لشعروا به والله تعالى اخبرنا بان ذلك يكون وهم لا يشعرون).

فصح أن من أعمال الجسد ما يكون كفرا مبطلا لإيمان فاعله جملة ومنه ما لا يكون كفرا لكن على ما حكم الله تعالى به في كل ذلك ولا مزيد.
يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه الصارم المسلول:

(إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرا وباطنا سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرما أو كان مستحلا له أو كان ذاهلا عن اعتقاده هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بان الإيمان قول وعمل…

إلى أن قال وكذلك قال أصحابنا وغيرهم من سب الله كفر سواء كان مازحا أو جادا..قال وهذا هو الصواب المقطوع به ..)
وقال القاضي أبو يعلى في المعتمد
من سب الله أو سب رسوله فانه يكفر سواء استحل أو لم يستحل فان قال لم استحل ذلك لا يقبل منه…)
ويقول رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى
(من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله و لهم عذاب عظيم)

قال لو كان التكلم بالكفر لا يكون كفرا إلا إذا شرح به الصدر لم يستثنى المكره فلما استثنى المكره علم أن كل من تكلم بالكفر غير المكره فقد شرح به صدرا فهو حكم وليس قيدا لحكم.
يقول أيضا في الكتاب نفسه 178

وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر يكفر بذلك وان لم يقصد أن يكون كافرا إذ لا يقصد احد الكفر إلا ما شاء الله.)
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب الصلاة ص53

(وشعب الإيمان قسمان قولية وفعلية
وكذلك شعب الكفر نوعان قولية وفعلية
ومن شعب الإيمان القولية شعبة يوجب زوالها الإيمان فكذلك من شعبه الفعلية ما يوجب زوالها زوال الإيمان .

وكذلك شعب الكفر القولية والفعلية فكما يكفر بالإتيان بكلمة الكفر اختيارا وهي شعبة من شعب الكفر فكذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف.)

ويقول ابن الوزير في كتابه إيثار الحق في رد الخلافات إلى المذهب الحق (ص395):

وقد بالغ الشيخ أبو هاشم وأصحابه وغيرهم فقالوا هذه الآيات يقصد (ولكن من شرح بالكفر صدرا) تدل على أن من لم يعتقد الكفر ونطق بصريح الكفر وبسب الرسل أجمعين وبالبراءة منهم وبتكذيبهم من غير إكراه وهو يعلم أن ذلك كفرا انه لا يكفر وهو ظاهر اختيار الزمخشري في كشافه فانه فسر شرح الصدر بطيب النفس بالكفر وباعتقاده معا…
وهذا كله ممنوع لأمرين:

احدهما:
معارضة قولهم بقوله تعالى
(لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة )
فقضى بكفر من قال ذلك بغير شرط فخرج المكره بالنص والإجماع وبقي غيره
فلو قال مكلف مختارا غير مكره بمقالة النصارى التي نص القران على أنها كفر ولم يعتقد صحة ما قال لم يكفره مع انه لعلمه بقبح قوله يجب أن يكون أعظم إثما من بعض الوجوه لقوله تعالى( وهم يعلمون) فعكسوا الجاهل بذنبه كافرا والعالم الجاحد بلسانه مع علمه مسلما!!!

الأمر الثاني:
أن حجتهم دائرة بين دلالتين ظنيتين قد اختلف فيهما في الفروع الظنية إحداهما قياس العامد على المكره والقطع على أن الإكراه وصف ملغى مثل قول القائل بالثلاثة نصرانيا وهذا نازل جدا ومثله لا يقبل في الفروع الظنية.

وثانيهما عموم المفهوم ولكن من شرح بالكفر صدرا فانه لا حجة لهم في منطوقها قطعا وفاقا وفي المفهوم خلاف مشهور هل هو حجة ظنية مع الاتفاق انه ليس بحجة قطعية ثم في إثبات عموم له خلاف وحجتهم هنا عمومه أيضا وهو اضعف منه.

يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كشف الشبهات ص22:

بعد أن أنكر على الذين يقولون أن الكفر لا يكون إلا بتكذيب أو إنكار أو جحود فما معنى الباب الذي ذكره العلماء في كل مذهب؟( باب حكم المرتد)

وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه ثم ذكروا أنواعا كثيرة كل نوع منها يكفر ويحل دم الرجل وماله حتى أنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه أو كلمة يذكرها على وجه المزاح واللعب.
يقول حفيده الشيخ سليمان بن عبد الله في كتابه التوضيح عن توحيد الخلائق في جواب أهل العراق ص42

المرتد شرعا الذي يكفر بعد إسلامه نطقا أو اعتقادا أو فعلا )

يقول الشيخ حمد بن علي عتيق من رسالة الدفاع عن أهل السنة والأتباع ص 48

ردا على من زعم انه لا يكون كافرا من تكلم بالكفر إلا إذا اعتقده وشرح له صدره وطابت به نفسه
قاتلك الله يا بهيم إن كنت تزعم انه لا يكفر إلا من شرح بالكفر صدرا
فهل يقدر احد أن يكره أحدا على تغيير العقيدة وان يشرح صدره بالكفر-يشير إلى آية الإكراه في سورة النحل-
وسوف نبين إن شاء الله أن الآية تدل على كفر من قال الكفر وفعله وان كان يبغضه في الباطن ما لم يكن مكرها وأما إذا انشرح صدره بالكفر وطابت نفسه به فذاك كافر مطلقا مكرها أو غير مكره .)

وقال القنائي في حقيقة الإيمان ص90
ثم هؤلاء قد قالوا –من غير دليل معتبر-
أن المسلم مهما أتى من عمل من الأعمال لا يكفر بذلك طالما أن اعتقاده صحيح فيه وطردوا ذلك المعنى في جميع الأعمال فلم يفرقوا بين أعمال الكفر وأعمال المعاصي وجعلوا فساد الاعتقاد شرطا في كفر من عمل أي عمل من أعمال الجوارح أيا كان هذا العمل والحق أن هذه المسالة لها تفصيل فانه يجب أن نفرق بين الأعمال التي يكفر فاعلها وبين أعمال المعصية عامة فان الإتيان بعمل من أعمال الكفر الصراح المخرج من الملة-في حالة ثبوت عدم وجود أي عوارض يعني-بالضرورة فساد الاعتقاد القلبي ولاشك حتى دون أن يصرح بذلك أو حتى دون أن يقصد إليه وهذا مقتضى ما ظهر من اعتبار الشريعة للتلازم بين الظاهر والباطن…)
يقول تقي الدين أبي بكر بن محمد الحسيني الشافعي في كتابه كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار في تعريف الردة
هي الرجوع عن الإسلام إلى الكفر وقطع الإسلام ويحصل تارة بالقول وتارة بالعمل وتارة بالاعتقاد وكل واحد من هذه الأنواع الثلاثة فيه مسائل لا تكاد تحصر..
وقال (341/2)

ولو فعل فعلا اجمع المسلمون انه لا يصدر إلا من كافر وان كان مصرحا بالإسلام مع فعله كالسجود للصليب أو المشي إلى الكنائس مع أهلها بزيهم من الزنانير وغيرها فانه يكفر.

وابن حجر الهيثمي الشافعي قد صنف في المكفرات مصنفا خاصا سماه (الإعلام بقواطع الإسلام)

ذكر فيه من هذا الباب الشيء الكثير من مذهب الشافعي وعدد مقالات الحنفية والمالكية والحنابلة…

وبالنسبة للحنابلة فقد عددوا في أبواب حكم المرتد أقوالا وأفعالا من صدرت عنه حكم بكفره…

وراجع في ذلك الإقناع وشرحه في الكلام على نواقض الإسلام وحكم المرتد فقد ذكروا مما ينتقض به الإسلام أكثر من أربعمائة ناقض..

أما الأحناف
رغم أنهم يخالفون الجمهور في العمل وفي دخوله في مسمى الإيمان ومع هذا فإنهم يكفرون في أشياء كثيرة يقولها المرء بلسانه أو يفعلها بأعماله كان يشد زنار النصارى على وسطه أو يهدي بيضة إلى المجوس يوم نيروز هم أو يستعمل كلام الله بدل كلامه كمن يقول في ازدحام الناس فجمعناهم جمعا أو يتخاصم في مال فيقال له لا حول ولا قوة إلا بالله فيقول وما اصنع بلا حول لا تؤكل خبزا…

وقد جمع كثيرا من مقالاتهم هذه محمد بن إسماعيل الرشيد الحنفي في كتابه البدر الرشيد في الألفاظ المكفرات

وفي هذا القدر كفاية في الرد على من يقول بتلك الشبهة الخبيثة ومن لم يجعل الله له هاد فما له من هاد.

المصدر: منتدى دعوة الحق.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *