الجمعة , يونيو 23 2017
الرئيسية / المقالات / التوحيد / حقيقة الكفر كما توضحه آية الإكراه
ekrah

حقيقة الكفر كما توضحه آية الإكراه

يتلخص من الاية النص الاتي ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ بقول أو فعل كفري مختاراً مِنْ بَعْدِ ما انعقد إِيمَانُهِ فَعَلَيْهِ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ _ إلا مَنْ أُكْرِهَ على فعل هذا القول أو العمل الكفري فليس بكافر ما دام قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ أما من صدر منه الفعل والقول باختياره فلا ينفعه ادعاء اطمئنان قلبه بالايمان . و ما دام اختار هذا الفعل والقول من غير اكراه فقد شرح صدره بالكفر شاء أم ابى)

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين :
يقول تعالى{ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109) [النحل : 106 – 110]

هذه اية محكمة من كتاب الله تغني الموحد عن تنطع المتنطعين وهوى الجاهلين ممن لبس عليهم الشيطان دينهم فجعلهم ابواقا له في تزيين الكفر وتضليل عباد الله , فجعلوا من اهوائهم واقيستهم وتأويلاتهم الفاسدة حكَما على كتاب الله وشرعه فاخترعوا شروطا ولوازم ما انزل الله بها من سلطان .
قالوا لا يوجد شيءٌ في دين الله فعل او قول اسمه كفر لذاته بل كل فعل وقول إنما نقطع بكونه كفرا او شركاً إذا دل دلالة قاطعة على انتفاء اصل الايمان من القلب , ومجرد فعل او قول ما تقولون عنه كفراً لا يكون كفرا ً على الحقيقة إلا اذا انتفى اصل الايمان الباطن , وقد وضع لهم الشيطان قولهم الزائغ هذا في صورة العلم والتأصيل فقالوا ودليلنا فيه قاعدة التلازم بين الظاهر والباطن .
نقول لهم لو رجعتم الى كتاب ربكم ورميتم باهوائكم جانباً وتدبرتم هذه الاية لوحدها لكفتكم عن تخرصاتكم وظنونكم .
فتعالوا معنا نتدبر من كلامُه اصل الاصول :
فقوله تعالى { مَن } صيغة عموم تعم كل من يعقل الخطاب .
وقوله { كفر بعد ايمانه } فيها بيان بديع وهو كون الاية تتحدث عمن صدر منه كفر بعدما انعقد له عقد الايمان والاسلام .
لسائل ان يسأل هنا :
ما هو الكفر والايمان الذي تتحدث عنه الاية هل هو الكفر الظاهر أم هو الكفر الباطن الذي لا يعلمه إلا الله عالم الغيب وكذا ما يعلمه المرء عن نفسه ؟؟
قلنا له بل الاية تتحدث عن حكم وسبب ظاهر يجري المسلمون حكمه بينهم للتنضبط سلوكياتهم وافعالهم وتتزن احكامهم .
قالوا ما دليلكم قلنا لهم قرينة ظاهرة صريحة حيث قال تعالى { إلا من أكره } فلما استثنى حكم الكفر عمن أكرِه علمنا يقيناً بأن الكفر المقصود إنما هو كفر الظاهر إذ من البداهة عند كل أحد أن الاكراه لا يكون على الباطن بل لا يكون إلا على الظاهر من القول والفعل . فدل نظم الاية على أن من فعل كفراً أو قال كفراً فهو كافر وإن كان اعتقاده وعقد قلبه سليماً . وتأكيداً عليه جاء النص مشترطاً للمكرَه مع كونه مكرها ً عدم اطمئنان القلب الى الكفر بل بقائه على اصل الايمان .
وقوله تعالى { وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } فيه نكتة بليغة وفائدة جليلة عظيمة فنقول قوله تعالى {ولكن من شرح بالكفر صدراً } منتظم مع ما قبله إذ كل من أظهر قولاً أو فعلاً كفرياً دون إكراه فهو شارح بالكفر صدراً . وإلا فلو كان المقصود من انشراح الصدر هو قصد القلب وعقده لم يكن لنظم الاية واشتراط الاكراه معنى ولكان لغواً وتناقضاً حاشا لله .
وعليه فالقاعدة الثابتة الراسخة التي دلت عليها الاية المحكمة : إن فعل أو قال ما هو كفر مختاراً من غير اكراه فقد شرح صدره للكفر شاء أم ابى , ولن نعدل عن حكم ربنا وخبره عن مثله لمجرد ادعائه ما هو متناقض مع فعله الظاهر .
قال قومٌ وهل عندكم قائمة محددة بأقوال وافعال هي كفر لذاتها من تلبس بها مختاراً من غير إكراه فقد وقع عليه حكم الكفر والردة ؟؟
قلنا أتظنون أن يترك الله عز وجل لنا أو لكم الاستدراك على كتابه !! أم تظنون ترك ذلك للأقيسة والعقول والافهام ؟؟
نقول لكم بل ليس لنا أن نسمي هذا ايماناً وهذا كفراً إلا بنص من الله وتوقيف .
فما قال الله عنه كفراً فهو كفر . وما قال عنه ايماناً فهو ايمان . ولانسمي هذا مؤمناً وهذا كافراً إلا من حيث سماه الله عز وجل , فإن وجدنا في كتاب ربنا حكماً بكفر على قائل قولاً أو فاعل فعلاً فقد علمنا يقيناً أن هذا الفعل أوالقول إنما هو سبب ظاهر منضبط .
وقوله تعالى { فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } هنا تصريح بين وواضح على ما قد تقرر وفهم من أول شطر للآية إذ اظهار هذا المسلم والمؤمن لذلك القول أو الفعل الكفري مختاراً من غير اكراه إنما هو كفر على الحقيقة في حكم الظاهر المعاين من الناس وهو كفر بينه وبين الله إذ لو كان هذا القول أو الفعل الكفري الظاهر محتاجاً إلى شرط أو قيد اخر لجعله كفراً على الحقيقة لما جعل الله الغضب والمقت على هذا الفاعل المختار لهذا الفعل أو القول الكفري .
فدل النص القراني من أوله وبإحكام على أن اظهار أي قولٍ أو فعلٍ سماه الله كفراً من طريق الاختيار إنما هو كفر من بعد إيمان منعقد ويستحق هذا الفاعل المقت والغضب في الدنيا والاخرة إذ لا عذر له إلا الإكراه المشترط في الاية .
قوله تعالى { ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ } بيان للسبب الذي اوقعهم في هذا القول او الفعل المكفر و هو حب الدنيا وشهواتها وملذاتها , لا أنهم اختاروا وقصدوا الى الفعل المكفر عن دافع كفري باطني . بل الاية توضح أنهم ما فعلوا ما فعلوا إلا لأنهم استعجلوا نصيب الدنيا وخافوا على فوات حظ من حظوظ انفسهم من ضياع مال او جاه أو سلطان .
قوله تعالى { وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } تأكيد لما تقرر في بداية الآية من كفر من فعل او قال ما هو كفر مختاراً من غير اكراه وأن هذا كفر حقيقي محض لا هداية معه .
قوله تعالى { أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109) } كلها تأكيدات على حقيقة هذا الجرم الذي وقعوا فيه . وأنه كفر حقيقي محض ناتج عن غفلة منهم عن حقيقة هذا الدين واحكامه وموازينه .

يتلخص من الاية النص الاتي ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ بقول أو فعل كفري مختاراً مِنْ بَعْدِ ما انعقد إِيمَانُهِ فَعَلَيْهِ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ _ إلا مَنْ أُكْرِهَ على فعل هذا القول أو العمل الكفري فليس بكافر ما دام قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ أما من صدر منه الفعل والقول باختياره فلا ينفعه ادعاء اطمئنان قلبه بالايمان . و ما دام اختار هذا الفعل والقول من غير اكراه فقد شرح صدره بالكفر شاء أم ابى . )

بقلم أبو أسيد الأنصاري وفقه الله لما يحبه ويرضاه.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *